مقال

 

الطب بالحروف

خالد جوده



 

الطب بالحروف

خالد جوده

طبيبى النابه الكلمة التى تمنح صبراً وتضمد جرحاً ينزف ألم الغربة، كنت لى يا حرفى سبب الرحمة التى أدفئتنى كغطاء من صقيع الجزع والوحدة الشرسة، تفضلوا بالدخول إلي  صيدلية الحرف: الكلمة هى عزائى وتسريتى فى أوقات الضيق حين يهدر بقلبى إحساس الغربةكالألم الغادر خضماً مضطرباً، فالكلمة محاولة ذكية ذاتية تنبع من مكامن الروح لعلاج الكآبة وذلك باستخدام سن القلم فى إزالة ورم اليأس الخبيث من سويداء القلب، فالكلمة مبضع جراح ماهر حيث يقوم بزراعة أكياس التفاؤل والإستبشار فى كبد الوقت ليقوم بعمله من جديد، فالحرف يتشكل فى تركيبة كيميائية تسمى "أسلوباً ادبياً" فى صيدلية الكلمة الطيبة كطريق للشفاء، كما أن الكلمة أدوية مركبة من تراكيب الحروف لتصوغ عدة معانى حياتية غالية والتى تحتاجها الحياة كمضاد حيوى لتنشيط المعنويات، وأسنان الأقلام والمحابر مناظير جراحية تستأصل الهموم وتضخ بدلاً منها جملة معانى قيمة، والحروف أعشاب طبية معنوية تفيد الصحة النفسية، فالحرف ترياق شافٍ لسموم الأحزان، تلك السموم النى تسرى فى عروق الوجدان وجسد الوقت، والحروف منوعات فكرية ومطهرات نفسية فى الأزمات العاصفة، العلاج بالحروف مؤسسة تتشكل من العلاج ابداعاً وقراءة، أما فى قسم الابداع: فالكتابة حياة شيقة وهى تشبه تماما عملية التنفس، يقول الكاتب الكبير / مصطفى أمين ( رحمة الله ) : "أنا اعتبر الكتابة كالتنفس"، حقاً فالأوراق هى رئتى، والقلم قصبتى الهوائية والافكار هى أنفاسى، يشرح الاديب الكبير "المنفلوطى" (رحمة الله) قيمة الحروف فى العلاج:" لولا الحياة الشعرية التى يحياها الناس أحيانا لسمج فى نظرهم وجه الحياة الحسية ومر مذاقها فى أفواههم حتى ما يغتبط حى بنعمة العيش، ولا يكره ميت طلعة الموت ... ولا يستفيق الشاعر من هموم الدنيا وأكدارها ومصائبها وأحزانها الا إذا جلس الى مكتبه وأمسك يراعه، فطار به خياله بين الأزهار والأنوار، وتنقل بين مسارح الأفلاك ..."، ويقول د. مصطفى محمود:"بعض الأمراض يشفيها الكلام ... مثل أمراض النفس وعذابات الوجدان وجراح القلوب وليس الكلام هنا النصائح والعظات والعبر والأراء السديدة لكنه كلام الإنسان لنفسه .. افضاؤه ونجواه ... واعترافه بما يؤرقه، الافضاء .. مجرد الافضاء .. والافشاء والاعتراف ولو للورق .. فض مكنون القلب والتعبير عن مشاعره الحبيسة المخنوقة المذبوحة فى طيات الضلوع يشفى ويريح"، ويقرر نفس العلاج الأديب الراحل "عبد الوهاب مطاوع" (رحمه الله): "اشك همك لمن تستريح إليهم فان لم تجد فسجله على الورق أو بالريشة ... واهزم همومك بإخراجها من مكانها إلى الهواء الطلق وطهر قلبك من الكراهية والرغبة فى الانتقام ممن اساءوا إليك وعش حياتك باعتدال فلا تسرف فى التفكير فى المستقبل على حساب الحاضر ولا تتعامى عنه نهائياً "، يجب عليك عزيزى القارئ أن تستنشق من أريج المداد عبير الحياة النفسية فينتعش فؤادك وتزهر نفسك وتتحرك حركة صالحة فى الحياة ... نظر (المأمون) الخليفة العباسى العالم الى ابن صغير له بيده دفتر، فقال : ما هذا بيدك ؟، قال الغلام اللبيب: "بعض ما تسجل به الفطنه وينبه من الغفلة ويؤنس من الوحشة"، فقال المأمون: "الحمد الله الذى رزقنى من ولدى من ينظر بعين عقله أكثر مما ينظر بعين جسمه وظنه"، ما أشد حاجتنا للحرف ينقذ الأرواح ويضمد القلوب ويزرع المعانى الرائعة فى النفوس الكلمة تبنى الانسان وتهدمه كذلك فهى مسئولية لا يتحملها إلا الصادقين مع أنفسهم والاخرين، شكراً لك طبيبى ... ياحرفى شفاء نفسى ...وسعادة وقتى ...وحق على الأدباء أن ينشئوا مصحات للعلاج بالحروف.

 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home