قصة

 

طرق متقاطعة

سجود سميح عليوي



طرق متقاطعة

                                                      سجود سميح عليوي

 

ربما لم يكن مقدرا للحكاية أن تسير هكذا ودون هوادة نحو الهاوية،  ربما لم يكن هو نفسه مهيئا للسقوط أو الانحدار، وربما فضل سياسة التحليق المهتز، بدلا من الأعماق الساكنة برهبة الغياب، لكن هذا ما حصل، أشرق بصباحه ككل يوم منعش عاشه في طور الدهشة، لم يتزحزح عن وقته ولم يخذله الوقت، مضى متوثر الخطوات، ممتلئاً رغبةً بوهب كل حنينه لأي شيء قد يستحقه، ليس بهدف التبذير بل حتى لا يخسر تعلقه المغّبر، نحو الفجوة "البيت" التي تركها خلفه، رغم كل الكلمات المتقاطعة التي حاصرت مخيلته لم يتشبث بنبض أو غمزه واحدة من الوداع، أو من الخطوات، بل تابع السير نحو الممر الضيق في آخر الطريق، يقترب هو، والممر يزداد طولا، بفعل الأجساد اللزجة حينا أو بفعل صفائح الحديد الضجرة على جانب الممر حينا آخر، وكل هؤلاء _بشراً ومحركات_ ينتظر العبور ، أعاد هواية العبث بمكنونات صدره ، ازداد ملله مللاً، تنشق الهواء المستهلك، ووقف في الدور.

 "قف،تحرك...، أغلق،..وافتح"، نغمة متكسرة الملامح، فائضة بالأوامر الغبية، عبرت أفق هذا الممر وترنمت معه حتى جاء دوره، من دون لحظات، من دون ملامح، وباللحظ الخافق فقط تأمل الجسد اللزج أمامه، زيتي اللون، محترق الأنفاس، كريه الأحاسيس، يحيط اللون البني بقدميه، وتعتصم تلك القطعة الثقيلة بين كفيه وخاصرته، "لخورا" أي للوراء، كانت الانطباع الأول عن هذا الوافد الثقيل، ثم وبإشارة صماء ككل ما حوله، سُمح له بالتقدم، ألقى الجندي بعباءة نظره على البطاقة الشخصية، تأرجح الفتى بين الإقدام والرجفة، وكنقاش خفي تبادل هو والجندي نظرات تستشف القلوب، "هل تبدأ النهاية هنا؟لتكون نصيب هذا الأبله؟" ، حدث نفسه،انتظر من "الأبله" تأكيدا مواربا، "روخ"، كان ذلك هو الشك الذي قتل التأكيد، فمضى..

 

تهتز قطرات المطر على نوافذ السيارة، قلبه يواصل وجيبه المعتاد، ولا مكان في الجو لغير التأمل،حتى عبثه المرح لا فسحة له، قرر وكطقس أسطوري قديم_قرأ عنه_ ،أن يمنح نفسه وفي اللحظة الأخيرة، ذاكرة وأمنية.

في ذلك البيت المعتم الصغير ولد، قالت له أمه، كنت فأل خير علينا، "وشك وش خير"، لم يفهم في البداية ما الذي عنته، فلطالما نظر إلى المرآة، محاولا إيجاد ذلك الخير، أو استكشافه، نظر في عيون من حوله،"يبدو أن الجميع يملكون وش الخير هذا" حدث نفسه، ما دام الجميع يملكون فماً وأنفاً وعينين، فأين هو الخير؟؟..

في ذلك البيت المعتم الصغير ماتت أخته الصغيرة، لم تكن السماء ملبدة بالغيوم،ولم يكن الجو عاصفا أو حتى ماطرا، لم يكن حزينا أو جائعا، كان فقط لا يفهم شيئا، لماذا تبكي أمه؟، لقد أنجز فروضه المدرسية، لم يضرب أحدا من أولاد الجيران، الجو مغرٍ للخروج  ولعب البنانير ، والمقلوبة التي أرسلتها لهم جارتهم، أم تحسين كانت لذيذة، حتى أخته سمية تحسنت، ونامت الليل بطوله،  وظلت حتى اللحظة نائمة بهدوء نادر، بعد أن لازمتها الحمى لمدة أربعة أيام كاملة.

 في ذلك البيت المظلم الصغير الذي ودعه منذ قليل، ودع أمه، كان في الحادية عشرة من العمر، وحيد أمه، ووالده ذلك المسافر مع الأمواج والبحر،قتل على الحدود، هكذا قالت والدته، لطالما تمنت بقاءه بعيدا عنها، أمام موته القاصم، على نهر الأردن، هناك رمى الحياة بجثته، كم كان يفاخر بين أصدقاءه بأن والده قتل على بحر الأردن، بين الأمواج والشطآن، لكنه أدرك فيما بعد أن لا مكان للبحار على أرض استساغت المستنقعات.

  تحسس خد أمه اللاهث، احتضنت دموعه الحارة، أحبها اليوم، حبا ممزوجا بالفجيعة، تلمس الحياة الهاربة بين جفنيها، بكاها قبل البكاء، وودعها دون القطرات المالحة التي انسكبت من عيون الجيران، ذلك الجسد البض الرقيق الذي احتوى عجزه وضعفه الطفولي، ذلك الدفء الذي وهبه له الشتاء الغادر، وتلك الهمسات الوارفة التي رافقته في كل حين، أكان المرض!!، أكانت تلك الرغبة المتفجرة بالتمرد!! ، أكان تعلقه بها هو سبب وفاتها!!، لم يدر، لم يدر لم كان الوداع شيئا إجباريا في هذه الحياة، لم يدر ولن يدر لم أصبحت الدموع فريضة  لكل ذكرى، وكل لثمة جبين حنون، حين خرجت من بيتهم،فضل البقاء متخفيا بين أزقة الأوجاع والهجر، متوعدا عينيها الثائرتين باللقاء...

اليوم حان الوعد والتوعد، منح قلبه ذاكرة، وعليه منح عينيه أمنية، أغمض عينيه، تسلل قلبه وسره من بين صوت المسجل في السيارة، من بين حبات المطر، من بين الحاضر وأهدى نفسه الآهات ابتسامة، وزعها على امتداد هذا الوطن المذبوح، روى ابتسامته بالشغف المذاب ، تألق كنجمة في مغارة اليأس، ناجى أمنيته وذكرياته،أخرس نبضه،.. ووصل.

خشعت الحياة أمام ابتسامته الثلجية،  أمام سطوته المنفعلة، نعم وصل لممر آخر، تناول حقيبته، ونزل أكمل الدرب سيرا على الأقدام، مغتبطا لما رآه، وجدهم هناك أثنى عشر زيتيا، عيون ملونة، وملامح لا مكان لها على أرضه، امتشق التخفي والصمت، وحيدا بينهم كما الوطن وقف وأنصت لآخر سيمفونيات الحزن  الرابضة فوق سكون الحنين، قد حان وقت الكلام، لا مكان للصراخ على ترابي وفوق نجومي، لا مكان سوى للدوي القاتل، للضربات المزلزلة الغارقة في أحشاء الحب الأبدي، كانت ساعته تتباطأ عن الواحدة والنصف، مدركا في قرارة نفسه عنف اللحظات،انتصبت ساعته أمام الواحدة وخمس وثلاثين دقيقة، اقتربت كتلة الصفيح الكبيرة، توقفت أمامه، بدأت تفرغ حمولتها البشرية، وكوتد حجري وقف بين الخارجين والداخلين، قذف عباءة ألمه عليهم، ألهب عيونهم بجلده، رماهم بالويلات،أفسح لهوائه المدلل مكاناً بين الغرباء، تنشق ألمهم عطرا قبل الرحيل، تدرج في سلم اللقاء، ليجدها هناك، أمه، سميه، والده المسافر مع الأمواج والبحر، وهناك  كان وكما دائماً الوطن....

 

 




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home