قصة

 

هذا ...عارض ممطرنا!

محمد العربي الوالي



"هذا عارضٌ ممطرُنا.

قصة بقلم محمد العربي الوالي

إيــهٍ..إيــهٍ. وتجري الأيامُ ِسراعا.

وتقبع أنت في كهفك المظلم، الرطب.

وتتفسخ..تتهرأ..تتآكل عظامك الرخوة، المتعفنة.

وتقف وراء قضبان الزمان تستغفر الله...

وتدعوه.. أن يعيدك إلى أيام صباك.

أيام..كان القهر..

وكان الجهل..

وكان الزهو..وكانت الخيلاء..

كنت تمشي والرأس..تطال السماء..والأنف أشم..

وكانت لعبة العسكر والفلاقة..تستهويك.وتجعلك تعيش البطولة..البطولة.. التي لم ينخرها سوسُ جشعٍ ولا طمع..ولا حبٌ لذات..

الرجولة التي كان يجسدها عمك الطاهر، ودبابة العدو تسحبه من رجليه المقيدتين بشاشه العتيق، وجسمه تكسوه الدماء.

كان وجهُه المعفّرُ بالتراب والمخدوشُ بالحصى فيضًا من نور الملائكة الأطهار.

وكانت الكمدات السود وسامَ عزِّ وإباء..

وتخرج أنت تجري وراء أمّك، وهي تغزو الكونَ بزغاريدها ذات الصّدى المدهِش للأعداء.

وكنت، تحسد عمك الطاهر على ما أوتي من رجولة..كنت تتمنى لو زُين وجهك بسواد اللكمات، حتى تحتضنك جدتك، وتزغرد أمك، ويمسح أبوك على شعرك، افتخارا بك.

" بالقرآن ننتصر على الكفار، فاحفظوه يحفظكم." الجملة اللازمة لشيخ الجامع الذي مافتيء يرددها على أسماعك، تحثك، وتولد في نفسك قوة تجعلك تغالب أترابك في حفظه، وإعادته.طمعا في الحفظ والانتصار.

ولم تكن تأبه لما يولده هذا التفوُّق من إزعاج لأخيك السعدي، الذي يلقي عليك باللــوم، لما يتلقاه وأصحابه

 من فلقة على يدي الشيخ الذي يجد فيك حجة عليهم.

كانت حياتك..حبلى..تزخر بالأحلام الكبيرة، وأنت الطفل الصغير.

كنت في سباق مع الزمن.

وكنت في سباق مع العدو.

وكنت في سباق مع الذات.

الجندي  الفرنسي.. الذي كان يعلمكم الفرنسية. تصفعك رؤيته..كما تصفعك لغته..التي يلعنها أبوك صباح مساء، وتمنعك أمك من إدخال كتبها إلى المنزل.وتبقيها في خمّ الدجاجات التي تملكها.

كنت تكره المعلم، وكم عزمت على مقاطعة المدرسة، لولا نصيحة المجاهدين الذين قالوا لك أنك ستهزم العدو بلغته..

ولم تكن تفهم كيف يصنع القرآن النصر.

ولا كيف تهزم اللغة الفرنسية الكفار.

ولكنك، ما كنت تشك في صدق شيخ الجامع. فحفظت القرآن.

وما كنت كذلك..تشك في كلمة المجاهدين.فأتقنت الفرنسية أيّما إتقان.

لقد كان همك النصر لقريتك..ودينك..والهزيمة لعسكر فرنسا..

ولم تكن لتفشل في مسعاك..

وأنى لك ذلك، ولا أحد من أهلك أحنى رأسه لعاصفة مهما كانت شدتها؟

كانت القرية تنام على معركة، وتستيقظ على حصار.وكان الشهداء..وكان...

 لقد رضعت البطولة من أفواه صانعيها.

كان كل رجال القرية أعمامك..ونساؤها كن خالاتك..

عمك الصادق استشهد واقفا، مبتسما..وفي عصر يموت فيه البشر باسمي الثغور..ما الذي يرهب الأطفالَ؟

ودار الزمان دورات..لا تُحصي لها عدا..

وها أنت اليوم تقبع داخل كهف لا تذكر متى ومن أدخلك فيه؟

وهل أنت مقيم به راغبا أم راهبا؟

أبوك استشهد منتصب القامة بدوره..

وأمك أبت إلا أن تلحق به، في غمرة مظاهرة عارمة، فجرت رأسها قذيفة، وكست جسدها حمرة الحرية.

  وصدقت نبوءة شيخ الجامع، وتجسدت نصيحة المجاهدين.وأصبحنا على عدونا ظاهرين.

ونجا من نجا من أعمامك..وخالاتك..

وبعد ذلك..

ما عدت تعي ما يحدث للزمن..

أعمامك وخالاتك...لم يبقوا كما عهدتهم..

أو أنك لم تعد كما عهدوك..

اهتزت المفاهيم في دماغك..

عمك الذوادي الذي عذب حتى الموت، وهو شامخ الأنف، ولم ينج إلا بأعجوبة..تحوّل إلى إنسان يبيع أنفه في الأزقة، والشوارع.

خالتك رشيدة..أمست تتبرم من زيارتك لها، وصارت تبخل عليك بالبيضة المسلوقة، التي كانت تستقبلك بها، وتطعمك إياها تقديرا لما كنت عليه من رجولة.

إخوتك..ومَن ِمن إخوتك لم يتحرك..ولم يقفز؟..قفزوا فأثروا..وغدوا ما غدوا..كثرت معارفهم..وطالت أذرعهم...وأنيابهم..وترهلت بطونهم، حتى لكأن أفخاذهم تعبت منها، فانحنت لها ظهورهم..

وبقيت أنت..لسنوات طـــالت بك، كأنما هي الدهر..

تلهث وراء القرآن والفرنسية، ظنا منك أن المعركة لا يمكن أن تنشب بين أعمامك وإخوتك.وهم منك يضحكون..

معتوه أنت...مسكين..متخلف..متحجر...يأبـى الحراك..

زادك كان نبوءة شيخ الجـامع، ونصيحة المجاهدين،في مواجهة تلاميذك الذين يكبرون، ويدخلون عوالم أعمامك، وإخوتك..ثم يأتون ليضحكوا منك ومــن قرآنك و من فر نسيتك المعتقة، اللذين لا يدخلانك عالم المال والأعمال...

ووجدت نفسك..والأيام تتردى..والأطفال يكبرون ومنك ومن أفكارك وبك يهزؤون..

أبوك لن يعود..

وأمك لو قدر لها أن تعود، لن ترضى أن تفجر دماغها قذيفة..وربما رفضت الخروج إلى المظاهرة..قد يلجمها الحرص على حياتها..أي حياة..

وقد يكون اللحم المستورد، الذي شغل أبناءها عن التفكير فيها، يجعلها تأكل بثدييها، لتملأ بطنها.

إيه..إيه..وتجري الأيام سراعا..

وتبقى أنت الذي كنت تفهم، تشد رأسك بحبل مـن مسد..

ولا أحد يقف لحظة لإفهامك... ويقرئك سفر التكوين الجديد، الذي أبت عليك نفسك فهمه.

وتبقى تتساءل.والظلمة، والرطوبة، تزدادان كثافة.

والتلاميذ في القسم وخارجه منك يسخرون.

والقوم يفرحون، ويقولون" هذا عارضٌ ممطرنا"

 

 

محمد العربي الوالي

        الجزائر رأس الوادي 




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home