القلم العلمي

 

نحو رقم عربي موحد

دكتور أحمد سلامة



نحو رقم عربي موحد

تستعمل الأرقام العربية الغبارية علي مستوى عالمي في معظم بلدان العالم بدون استثناء ، ومن الدول التي استعملت الأرقام العربية الغبارية جميع الدول الأوروبية والأمريكتان والعديد من دول آسيا وأفريقيا ، كما استعملت الأرقام العربية الغبارية من قبل اللغة العربية الحديثة ، واللغة الإغريقية الحديثة (اليونانية) ، إلا أنه من المؤلم حقاً أن نرى العالم العربي منقسماً على نفسه ، فدول المغرب العربي تستعمل الأرقام العربية . لقد كان العرب المسلمون إبان النهضة العلمية أول من استفادوا من علوم العصر وطوروها .

 لقد عرف الغرب فائدة الأرقام العربية الغبارية فاستعملوها دون حرج أو عيب أو تهاون ، ولكننا في المشرق العربي لا نزال نطالب الجامعة العربية بأن تأتي وتحل لنا إبهام الأرقام العربية التي هي في الأصل جزء من حضارتنا وتستعمل على نطاق دولي و عالمي ، وقد قامت الجامعة العربية بتكليف المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم بإعداد دراسة ترمي إلى توحيد الأرقام العربية الغبارية ، ولم يستجب لهذا القرار إلا العراق وسوريا وليبيا على ما أعتقد وفي حدود ضيقة بالإضافة إلى دول المغرب العربي المكونة من المغرب ، تونس ، الجزائر ، موريتانيا ، الصومال وجيبوتي .

 لقد أثيرت مشكلة الأرقام المستعملة في كل من المشرق والمغرب العربي رسمياً بقصد توحيدها خلال المؤتمر الأول للتعريب الذي انعقد في المملكة المغربية في عام 1961 ، ومنذ ذلك الحين والدراسات تقدم من قبل المؤسسات العلمية واللجان تعقد والقرارات تتخذ ، ولكن لا نزال كما كنا ندور في دائرة مفرغة كما يقولون … لا نريد أن نتخذ القرار الشجاع باستعمال أرقام عربية موحدة وكأننا نعيش في العصور الوسطي التي عاشتها أوروبا ووصفتها المستشرقة الألمانية (زيغيرد هونكة) ووقع الناس في حيرة من أمرهم فهم لا يستطيعون نسيان ما اعتادوا عليه قروناً طوله من استعمالهم لأرقام رومانية ، وهم في الوقت نفسه يتوقون إلى تعلم تلك الأرقام البسيطة ، ونحن كذلك اليوم لا نريد أن نعترف أن الأرقام العربية الغبارية والهوائية هي من أصل عربي واحد ، والمطلوب منا هو أن ننتخب الأكثر فائدة وملاءمة ودقة وجودة ، والأكثر استعمالاً وشيوعاً في العالم أجمع .     ولقد وافقت لجنة التنسيق التابعة للجامعة العربية على الدراسة أعدتها المنظمة العربية للتربية والعلوم والثقافة حول موضوع توحيد الأرقام العربية ، واستخدام الأرقام العربية الغبارية في المنضمات العربية التابعة للجامعة العربية للإعلان عن رأيها في استخدام الأرقام العربية الغبارية بصورة رسمية ، ومعنى هذا أن الموضوع ما يزال معلقاً ، ينتظر إعلان الآراء السديدة .

 إن المؤسسات العلمية ، والمنظمات العربية ، والجمعيات العلمية ، والمكاتب الاستشارية المشرقية ، والعديد من المؤسسات المصرفية تساند استعمال الأرقام العربية الغبارية ، لأسباب عديدة ، أهمها :

v   إنها أرقام كان للعرب دوراً رئيسي في ابتكارها وصقلتها وتهذيبها واستعمالها ونشرها في العالم .

 v إنها تحمل اسم الأرقام العربية  (Arabic numbers)في اللغات الأجنبية ، ومستعملة ومعروفة تقريباً في جميع أنحاء العالم ، وفي عدة أقطار عربية في المغرب العربي وبعض أقطار المشرق العربي ؟

 v   إنها تغني عن ترجمة الجداول الرياضية ، وتخفف أعباء الترجمة الأرقام في الكتب العلمية ؟

 

v إنها تحل مشكلة الصفر ، فهو دائرة متميزة في الأرقام الغبارية ، لا نقطة ضائعة ، كما الحال في الأرقام الهوائية ، مما قد يسبب صعوبات والتباساً وعدم تميز .

 v إنها تحقق مبدأ عالمية الأرقام الذي هو مبدأ مفيد ، ذو مردود متميز في العلاقات الدولية لابد لنا أن ننطلق في إطار متكامل من خلال مخطط سليم لاستعمال الأرقام الغبارية في الوطن العربي بأكمله ، بدلاً من الأرقام الهوائية المستعملة في المشرق العربي ، ولابد أن تبدأ هذه الانطلاقة في الجامعات والمؤسسات العلمية ، كما أن للصحافة دوراً مهماً في توعية الناس ، وحثهم على تقبل الأرقام الغبارية وأن خير نجاح يمكن أن يحققه هذا التطلع هو أن تبدأ الصحافة والجامعات والمؤسسات العلمية باستعمال الأرقام الغبارية على جميع المستويات ، (وبالفعل بدأ الكثير من الصحف العربة اعتماداً على الأرقام الغبارية) ، كما أن استعمال الأرقام الغبارية على لوحات السيارات سوف يعطي مردوداً إيجابياً مفيداً نافعاً ، وسيمكن المسئولين من استعمال رقم واحد موحد بدلاً من المزاوجة بين الأرقام الغبارية في بعض الأقطار العربية  (وخير الأمثلة على ذلك بالنسبة لأرقام لوحات السيارات بالفعل إمارة دبي بدولة الإمارات العربية المتحدة ، حيث اعتمدت إدارة المرور الأرقام الغبارية فقط ، وأيضاً دولة الكويت ) .

  نحن والأرقام العربية :

والواقع أننا نعيش الآن نهضة علمية وتقنية فنية تقدمية متفتحة ، يشكل الرقم العربي الغباري مركزاً رئيسياً فيها ، كما أن علوم الحاسوب قد فجرت ثورة عارمة في عالم المعرفة ، واستعمال الأرقام العربية الغبارية في هذا العصر أصبح مطلباً واقعياً علمياً ملحاً من أجل الأجيال القادمة ، ليتمكنوا من الاستفادة ، ومسايرة علوم العصر وتطوراته ، وسيحل ذلك كثيراً من التعقيد وصعوبة الفهم .

 من هذا المنطق فإن أقطار المشرق العربي مدعوة لأن تأخذ زمام السبق والمبادرة ، وأن تضع الخطوات العلمية والفعلية لاستعمال الأرقام العربية الغبارية في أقرب فرصة ممكنة لإحلالها بدلاً من الأرقام الهوائية المنتشرة في المشرق العربي من أجل الاستفادة والتوحيد والتكامل والمشاركة الفعلية في النهضة العلمية العالمية .

 ولذلك ومن أجل أن نساير العالم في استخدامه للأرقام العربية ولتنفيذ كل التوصيات والقرارات العربية التي صدرت بهذا الخصوص من أعلي الهيئات  و المؤسسات والمراكز العلمية العربية والتي تنادي وتطالب بأن يستخدم العرب رقمهم العربي ويسايروا لغة وأسلوب العصر الذي يعيشونه فلابد من استخدام الرقم العربي في تعاملاتنا اليومية وكتابتنا العادية والرسمية وأن نعلمه لأطفالنا في المدارس من الآن ليكون من أساسيات ما  يتلقون من علوم ومعارف منذ مراحل حياتهم الأولى وحتى يشب معهم لا يشعروا يوم من الأيام بنوع من فقدان الثقة في لغتهم ورقمهم الأصلي ، لقد ابتكر العرب في العصر العباسي نظامين للترقيم هما الأرقام الهوائية (المشرقية) والأرقام الغبارية (المغربية) وانتشر استعمال هذه الأرقام في الأقطار الإسلامية خلال القرن الثاني الهجري ، وقد طورها العرب وهذبوها وأصلحوا كتابتها وحسنوا أشكالها فأصبحت آية من الإتقان والضبط والسهولة في الكتابة و القراءة . وهذا الابتكار المتميز هو بعض ما قدمه العرب للحضارة الإنسانية ، ولو عدنا إلى صفحة التاريخ الإنساني فإننا سنجد أن الحقيقة التاريخية المؤكدة هي : أن علم الأرقام و الأعداد والحساب والرياضيات لم ينهض بمستوى علمي رفيع متميز فعال إلا من خلال النهضة العلمية المتفوقة لعلماء المسلمين النوابغ في العصور الإسلامية الأولى ، فتمكنوا من إخراج الأرقام والأعداد من نطاق محدود ضيق ، إلى أفق علمي واسع متطور ، ارتبط بعلم الحساب والجبر والهندسة ، وأن المسلمين إبان نهضتهم قد وضعوا مفهوم الصفر الذي يعتبر أعظم ابتكار عرفته الإنسانية وأسست عليه علومها وتقدمها ورقيها وحضارتها الحديثة .

 أمثلة رائدة :

لقد بدأت الصحف والمجلات وبعض المؤسسات في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية باستخدام الأرقام العربي ، وكانت سباقة ورائدة في هذا المجال ، ومنها على سبيل المثال جميع إصدارات بيت القرآن في البحرين ، ومطبوعات الشركة السعودية في الأبحاث والتصويت في جريدة الشرق الأوسط والكثير من الصحف اليومية مثل جريدة الاتحاد بالإمارات وجريدة البيان بالإمارات وغيرها الكثير من الصحف والمجلات مثل مجلة (المجلة) و (سيتي) و (المسلمون) ، كما كانت جريدة (الأيام) البحرينية رائدة في استخدام الأرقام العربية منذ إصدارها في عام 1989م ، وتلتها الكثير من الصحف و المجلات ، وكذلك جريدة (الأولى) الكويتية منذ إصدارها ، هذا بالإضافة إي بعض المطبوعات والنشرات الإعلامية والصحفية التي تصدر عن مؤسسات وهيئات وشركات في بعض دول المنطقة .

ومع أن عدد المطبوعات من الصحف والمجلات الدورية التي تستخدم الأرقام العربية قليل ويشكل نسبة بسيطة من الكم الهائل من المطبوعات التي تصدر في الدول العربية إلا أنها بكل المقاييس خطوات على الطريق وبدايات نتمنى أن تستمر  وتبقى وتنتشر في أرجاء الوطن العربي الكبير ، كما يلاحظ أن العديد المحطات التليفزيونية العربية والقنوات الفضائية العربية بدأت تستعمل الأرقام الغبارية في نشراتها الجوية والاقتصادية وفي عدد من برامجها الثقافية من برامجها الثقافية والمتنوعة ، ومن بين هذه المحطات والقنوات : تلفزيون البحرين وتلفزيون الكويت والقناة الفضائية لتلفزيون الشرق الأوسط . ومن المميزات الهامة لاستخدام الأرقام العربية خصوصاً على لوحات المركبات هو استعمال الصفر بشكر دائري واضح لا لبس فيه ولا ضياع له كما يحدث بالنسبة للصفر المكون من نقطة صغيرة ضائعة بين الأرقام ، وكذلك فإن أشكال هذه الأرقام مختلفة في الشكل والمظهر فكل رقم من الأرقام الغبارية له زوايا ،  وله شكله المميز الدقيق الواضح بعكس الأرقام الأخرى المستعملة في المشرق العربي فهي متشابهة في الشكل والمظهر في كثير من الحالات كرقم (2) و (3) و(7) و(8) هذا بالإضافة إلى أن الأرقام الغبارية إذا استعملت فإنها تشكل مستوى عالمياً وتسهل عمليات الانتقال في دول العالم ، وهذا بطبيعة الحال سوف يغنينا عن استعمال أرقام مزدوجة ( غبارية وهوائية )  على لوحة واحدة مما يعطي مجالاً طيباً لكتابة الأرقام بمقاس كبير يمكن للمرء قراءته من مسافة بعيدة  .

 

بعد هذا العرض الموجز لمسيرة وهمية وتطور الأرقام العربية واستجابة لكل متطلبات العصر الذي نعيش فيه ومسايرة الحضارة والتطور فانه يصبح من الواجب بل من الضروري أن نفكر على كل المستويات في استخدام الأرقام العربية الغبارية  ، وأن نستفيد من تجربة الأخوة في المغرب العربي ونسير معهم يداً بيد لتوحيد الأرقام في العالم العربي ، وأن نكون ككل العالم نستخدم الأرقام العربية الغبارية .

 

الأرقام  العربية الغبارية والمستقبل :

 

لقد أصدرت لجنة التنسيق بين الجامعة العربية والأجهزة العاملة في نطاقها في دورتها الثانية عشر المنعقدة بتاريخ  24 - 25 / مايو 1982 قرار الموافقة على مبدأ استعمال الأرقام العربية الغبارية ، وكلفت المنظمة العربية للمواصفات والمقاييس والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم بوضع تقرير مفصل حول الأسس وطريقة التنفيذ العلمي بالتشاور مع المنظمات والجهات العربية الأخرى ، ( إن شاء الله سنزودكم في القريب العاجل بتقرير المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم حول استخدام الأرقام الغبارية وذلك من أجل استكمال البحث ووضع التقرير بين يدي القارئ للإطلاع . ومن الأمور الهامة المرتبطة بالبدء في استخدام الأرقام الغبارية العملي هو أن نستخدم هذه الأرقام في إدارات البريد والبرق والهاتف وأن تحول المطابع و الآلات الكاتبة إلى الرقم العربي الغباري ، أن يُعلم الطلاب في بداية حياتهم الدراسية وفي المراحل اللاحقة هذه الأرقام ، كما يحث على استعمالها إصدارات وزارات الدولة والدوائر والأقسام الحكومية وتشجيع الاستعمال في الجرائد والتليفزيون ووسائل الإعلام المرئية والمكتوبة . وأن تكون هذه الأرقام العربية الغبارية جزءاً هاماً من مراحل تعريب العلوم والطب أن يكونوا على علم بأرقامهم العربية الغبارية وأن يستعملوها بيسر وسهولة في جميع أمورهم وفي عملياتهم الحسابية من خلال الحاسوب وحياتهم اليومية .

 ولابد للجمعيات المهنية والعلمية ، كجمعيات العلوم والهندسة والطب والمحاسبة أن يكونوا على علم بالأرقام الغبارية وأن يستعملونها دون حرج فهي أرقام عربية مستعملة في العالم وفي جزء كبير من العالم العربي .

 ومن الأمور الهامة التي تساعدنا على الانتشار هو وضع هذه الأرقام العربية الغبارية موضع التنفيذ في ترقيم الشوارع والوحدات والأحياء السكنية ، كما أنها أشكال ميسرة لأرقام السيارات والجداول الرقمية والتقاويم السنوية .

 والواقع الأكيد أننا نسير على الطريق السليم في استعمال الأرقام العربية الغبارية ، وتقبل الناس لها دون صعوبة تذكر ، فالجميع بدأ يدرك أهمية هذه الأرقام في التطور المستقبلي على المقاييس والصناعة ، وعلى الاستعمال اليومي للفرد والمجتمع .      




  أرشيف القلم العلمي

اطبع الموضوع  

Home