القلم السياسي

 

فكر الإخضاع وفكر الإقناع

عبدالله أحمد الباكري



 

فكر الإخضاع وفكر الإقناع

 

عبدالله الباكري

 

يتميز العقل الإنساني بثلاثة أفكار تدور في ذهنه دائما وخصوصا عند تعرضه للحوادث ومواجهته للأمور ، فأحيانا يتصرف تصرفا أرعنا حينما لا يعتمد إلا بفكر الإخضاع كوسيلة للسيطرة أو للتغلب على الآخر وفي التاريخ الإنساني شواهد كثيرة على هذا النوع من التفكير ولعل الفكر الفرعوني القديم خير مثال على هذه العقلية ونتيجة لهذا التشدد والجبروت والظلم فقد أنتج من الحضارة شواهد ما زالت ماثلة حتى عصور التقدم والإزدهار الإنساني  وبالرغم من هذه العظمة الجبارة والإبداع العظيم إلا إنه يظل شاهد بؤس على الجبروت والظلم للإنسان الآخر وكانت هذه العقلية هي الشاهد لكثير من الحضارات القديمة   ، والنوع الآخر من التفكير الإنساني وهو ما يعتمد على الإقناع كوسيلة للتفاوض وحل الأمور وهذا النوع من التفكير غالبا ما يعتمده الضعفاء في مواجهة إشكالاتهم وفض النزاعات التي يواجهونها وهذا حل منطقي ومعقول إذ لا حول لهم ولا قوة وأما النوع الثالث وهو ممارسة الدمج ما بين الفكرين السابقين  فهذا ما دعت إليه كل الأديان السماوية وطالبت فيه الأنبياء أقوامهم إذ يعتمد هذا التفكير على مواجهة الواقع وتحليل الموقف فإن كان يدعو للتفاوض فليتم وإن كان القتال فليتم وهكذا   فحين بدأت الدعوة كانت تمر في حالة ضعف ووهن بسبب قلة عدد المسلمين وعدم أهميتهم في مجتمعهم حين ذاك كان فكر الإقناع هو الفكر الذي اعتمده الرسول صلى الله عليه وسلم ومن آمن به وعندما بدأ الإسلام يدب في الناس وينتشر شرع القتال الذي لا مناص منه لإنه لو لم يتم لوئدت الدعوة في مهدها وانتهت قبل أن تصل إلينا كما أن شرعه أعطى الإسلام منعة وقوة جلبت العرب للإيمان به والتصديق برسوله ومنحته القدرة لتصديره للعالمين كما أمر الله تعالى أما بعد أن تم الله أمره وعز رسوله فقد شرع التفاوض مع أهل الكتاب والجدال مع رجال الكفر كما قال تعالى ( وجادلهم بالتي هي أحسن ) وهكذا كانت السيرة النبوية وقصص التاريخ الإسلامي المجيد كما في قصص صلاح الدين الأيوبي من ناحية دمج الفكرين وممارسة أيا منها بحسب ما يقتضيه الحال وحسن التصرف 0

 

لكن العرب في القرون المتأخرة ونتيجة لنكوصات متلاحقة وهزائم متكررة فقد آثروا أن ينتهجوا الفكر الإخضاعي كسبيل للمعايشة والحوار وقد انطلق هذا الفكر وعم القرى والحضر وهذا الفكر الذي عادوا إليه تماما كما كانوا في الجاهلية الأولى ، فالفكر الإخضاعي هو الفكر المسيطر عليهم منذ قديم الوقت فشيخ القبيلة هو المسيطر التام على الامور وتتبعه القبيلة بأكملها دون أي فكر أو نقد أو تمحيص

 

وهل أنا إلا من غزية إن غوت           غويت وإن ترشد غزية أرشد

 

واستمرار هذا الفكر لدى العربي جعله حبيس ثقافته وفكره يرى في ظلمه للآخرين عزة له ومنعه  وربما يرى الآخر فيه بنفس النظرة الإزدرائيه لأنه ينتمي لذات الفكر ولعين الثقافة

 

ونشرب الماء صفوا زلالا                ويشرب غيرنا كدرا وطينا

 

وهذا على المستوى البدوي تقريبا ولعل المشهد الحضري في المدن لا يختلف عنه كثيرا فالأب العربي معروف عنه التسلط على أسرته والتمكن منه وأن الجميع تحت أمره والخارج عن طوعه مكروه ومنبوذ في المجتمع تحت ولو أن الحق معه وهكذا واستمرارية هذا التسلط انتقلت إلى الدولة العربية حين تأسيسها سواء دول ما قبل الإستعمار أم ما بعده فكلها سلطوية مركزية لأنها تنتمي لنفس الفكر والثقافة ولعل المضحك المبكي ما نلمسه من أنظمة ما بعد الإستعمار عندما تلعن الأنظمة التي قبله – كيف ؟ - فالنظام الناصري في مصر حرر التفرقة بين المجتمع المصري ومنح الحرية للبسطاء وظل هذا النظام يدندن على هذا الوتر طوال فترة حكمه بالرغم من أن النظام الذي قبله كان يعيش جوا من الحرية الصحافية والتعددية الحزبية بل وكان يدرب نفسه للحاق بالدول الأوروبية والمتطورة فعلا ، وكل هذه الحسنات تغاضى عنها النظام الناصري بل وفعل ما هو أسوأ منها حينما أقام أسوأ نظام استخباراتي في الشرق الاوسط وسلب الحريات الفكرية وقلص الحكم والأمر في يد حفنة من الضباط فجأة وجدوا أنفسهم في القيادة ونفس الحال والحال في بقية الدول العربية ، الحاكم يختار أسوأ ما في النظام السابق ويدندن عليه كما يدندن على حسناته هو ويأتي الذي بعده ،،،، وهكذا   وهذا السؤال وأما الإجابة فلأنهم ينتمون لذات الثقافة 0

 

عندما دخل الإحتلال الصهيوني بلاد العرب فلسطين كان العرب في أسوأ حالاتهم التاريخية بؤسا من الناحية السياسية والإقتصادية والفكرية والإجتماعية وبالرغم من ذلك فقد قرروا انتهاج سبيل ( الإخضاع ) كسبيل لمعالجة الموقف ومواجهة الأمر ومن ثم فقد منيوا بهزيمة نكراء وفادحة كلفتهم خسارة لا تطاق ، وبما أنهم لم يستوعبوا الدروس السياسية الحديثة فقد استمرت أوضاعهم الداخلية في التدهور الإقتصادي والعسكري وذلك في مواجهات المستعمرمن ناحية  وغياب التخطيط الإقتصادي الممول من ناحية أخرى وبالرغم من هذا كله فقد قرروا السير في طريق ( الفكر الإخضاعي ) وقرروا خوض حرب أخرى يسمونها الستة أيام وإنما هي الست ساعات إذ منيوا بهزيمة تعد من فضائح التاريخ العربي والإسلامي كله  واستمروا في هذا النهج حتى العام (1973م) إذ انتهت حرب عادية سموها نصرا وهي تعادل أو ربما هزيمة ما دام أنهم لم يستطيعوا إرجاع شبر واحد من الأراضي المحتلة وإنما جل ما فعلوه كما يدعي الإعلام الساداتي ( تحطيم  أسطورة خط بارليف ) وأما إذا كانت فكرة الخط من ضمن الإستراتيجيات الصهيونية التي أوهمت العرب بنصرهم حتى يوقفوا هذا الفكر الإخضاعي وتهيؤهم للسلام فهذه آفة كبرى لا يحتملها العقل ولا التاريخ الإسلامي الحديث 0

 

للأسف الشديد عندما اقتنع الرئيس السادات بتجربة الفكر الثاني وهو ( فكر الإقناع ) وحاول المضي فيه وجد جيشا من الشارع ومن أغلبية الدول العربية تقف معادية لهذا الفكر الغريب والنادر على العقلية العربية وأقاموا عليه الحصار القومي وسحبوا صلاحياته من جامعة الدول العربية  وعندما مارس بالفعل هذا النهج الجديد استطاع استرجاع أرضه المسلوبة بينما رفضت سورية والاردن هذا النهج واعتبرته وباقي الدول العربية خيانة في حق التاريخ العربي والإسلامي ،، وماذا كانت النتيجة ؟؟؟

إنهم الآن – العرب - وبعد أكثر من عشرين سنة من كامب ديفيد يطالبون بهذا النهج الجديد – بلا استثناء -  ويقدمون التنازلات بالجملة والتفصي والتي  لو علم السادات بها لصاح من قبره ( وهو الخائن سابقا ) وهم الآن يستغربون من عدم استجابة العالم لهم ورفض إسرائيل لمبادراتهم ، ولم الإستغراب والعجب ؟؟!!!  أما كان أولى أن يوجه للذات وللفكر الذي تفكر به ، إن العقلية العربية وقد استوعبت هذه الدروس الإنسانية الحديثة أن تمضي قدما في سبيل النهج الذي اختطه الله لهم في كتابه وسنه المصفى عليه الصلاة والسلام في أحاديثه بدلا من فكرهم الذي يملي عليهم إرادته وهم في ضلاله يعبثون بل ويتوهمون أن هذا هو النهج الأسلم وهو نص الدين وإرادته دون أي تدبر أو وعي لما يقولون وإلا أي آية في الكتاب أو أي حديث في السنة يدعو لهذه المهانة أو يؤيد هذه الخيبة !!!!!!   

 

 

 

  




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home