مقال

 

اساسيات الكتابة الروائية

د. زياد الحكيم



  

 

                   أساسيات الكتابة الروائية: لقاء مع الروائي الجزائري سمير بن خرف الله

 

                                         التقاه د. زياد الحكيم

 

الروائي الجزائري سمير بن خرف الله كاتب متحمس ومجتهد: فهو حريص على السعي للوصول إلى الأفضل عن طريق البحث والمطالعة الذكية المثمرة والاتصال بغيره من الكتاب، وعن طريق ممارسة الكتابة. ولد سمير بن خرف الله في الجزائر العاصمة عام 1971، وتلقى تعليمه الثانوي والجامعي فيها. وبعد ذلك انطلق في العالم ليزيد خبرته العملية، فأخذته الأقدار إلى أربع من قارات العالم، وتعلم الإنكليزية والفرنسية.ثم استقر به المقام في بريطانيا، حيث يقيم حاليا ويعمل في الكتابة. له ثلاث روايات: سر الجزيرة السوداء، والنار والطين، والمدير والنائب، بالإضافة إلى العديد من المقالات النقدية المنشورة في الصحافة العربية.

 

 

 

+كيف يتعلم المرء الكتابة؟

 

-أشدد على أهمية أن يجعل الكاتب من الكتابة عادة من العادات.هذا يعني أن عليه أن يكتب باستمرار وبأوقات منتظمة.اذكر هنا الكاتبة الروائية ماري ويبراي التي شبهت الكتابة بالعضلات: فإذا توليت عضلاتك بالرعاية والتمرين فإنها تكتسب مرونة وقوة، وتصبح قادرة على العمل بجهد اقل وبألم اقل. خذ مثالا آخر الكاتبة دوروثي براند التي نشرت كتابا بعنوان "كيف تصبح كاتبا"، وهو واحد من أفضل ما كتب في هذا الموضوع.إنها تنصح من يريد احتراف الكتابة أن يكتب شيئا كل يوم. قد لا يكون هناك موضوع مهم تكتب فيه كل يوم. في هذه الحالة، اكتب أي شيء يخطر في البال، كأن تسجل ما تعتزم أداءه من مهمات في ذلك اليوم، أو تعليقا على برنامج تلفزيوني أو حتى ما تشعر به إزاء حالة الطقس. بمعنى آخر: لن تعدم موضوعا تكتب فيه في أي وقت. وقد يشعر بعض المبتدئين أن الكتابة مسألة بسيطة، ولا تحتاج إلى كثير من الجهد.الواقع أن الأمر ليس كذلك.الكتابة، من حيث هي حرفة، لها أدواتها التي يجب على الكاتب أن يمتلكها.الكتاب الناجحون يدربون أنفسهم على الكتابة بانتظام ويكتسبون مهارات جديدة كل يوم تقريبا. صحيح أننا قد نتعرف إلى كاتب عبقري استطاع أن يكتب روائع أدبية دون أن يتلقى تدريبا كثيرا، ولكن هذا النوع من الكتاب نادر حقا.

 

+كل كاتب له ما يميزه من الخصائص، ولكن ما هي الخصائص المشتركة بين جميع الكتاب أو معظمهم في نظرك؟

 

- المثابرة على الكتابة تحتاج إلى كثير من الانضباط. فمشاغل الدنيا كثيرة، ودون أن تشعر، يمضي يوم ويومان وفجأة تشعر انك لم تكتب شيئا. ويمضي مزيد من الوقت دون أن تكتب، وتركن إلى الراحة والكسل. اعرف بعض الكتاب الذين بدأوا كتابة رواية، ثم تكاسلوا وعزفوا عن الكتابة وتركوا الرواية نصف مكتوبة ومهملة في الأدراج. طبعا الكتابة عمل يستوجب أن يبقى الممارس له وحيدا.فالوحدة رفيقة الكاتب.ولكن الكاتب عليه أن يعشق هذه الوحدة وان يتعايش معها، وأن يدرك أنه في هذه الوحدة يستطيع أن يبدع وان يستخرج من أعماقه أفكارا وصورا وتخيلات وأن يسجلها على الورق ليسهم بها مع غيره من الكتاب في الكشف عن خبايا النفس البشرية.

 

وعلى الكاتب أن يكون عاشقا للكلمة وقدرتها على التعبير عن المشاعر والأحاسيس وعلى وصف الأحداث والأشخاص، وعلى إثارة اهتمامات القارئ وتعاطفه وغضبه وضحكه أو حتى على تغيير أفكاره وآرائه. ويسعى الكتاب إلى زيادة مخزونهم من المفردات اللغوية ليختاروا منها الألفاظ الأكثر تعبيرا عن أفكارهم. ولا بد للكاتب أن يتمتع بخيال خصب وخلاق. قد يشعر البعض أن خيالهم محدود، ولكن يمكن التغلب على هذا الشعور بالمثابرة على الكتابة وبإطلاق العنان للقلم دون توجس أو خوف. والكاتب بحاجة إلى الخبرة الحياتية ولكن يجب أن لا ننسى أن بذور الإنسانية كامنة في أعماق كل واحد منا، وهذه البذور تمنحنا لونا من المعرفة الأزلية التي يمكننا غالبا أن نبني عليها وان ننطلق منها.

 

وقوة الملاحظة على درجة عالية من الأهمية للكاتب.فالكتاب يلاحظون سلوك الآخرين ويشغلون أنفسهم بتحليل الدوافع والرغبات والأجواء، ويتساءلون عن الأسباب والنتائج. وهم يهتمون بالتفاصيل. والثقة بالنفس خاصة أخرى من خصائص الكاتب: إنك لن تعدم ناقدا ينتقد عملك بقسوة شديدة، ولكن ذلك يجب ألا ينال من ثقتك بقدرتك. يجب أن تدرك دائما أن ما تقوم به من عمل هو جدير بالاعتبار والاحترام. وأنا أرى انه لا بأس أن يكون الكاتب على درجة صحية من الأنانية تخوله أن يصر على أن يكون له فسحة زمانية ومكانية يكتب فيها بعيدا عن الإزعاج والضوضاء. قد يكون ذلك مثارا للسخرية من الأهل والأصدقاء في أول الأمر، ولكن مع مرور الوقت يعتاد هؤلاء على معاملة الكاتب باهتمام واحترام. وأنا أرى أن من أهم ما يتمتع بها الكاتب هو الموقف المهني من الكتابة. إذا سئل ماذا يعمل، يجب أن يسارع إلى القول: "أنا كاتب"، دون تردد ودون غمغمة. وليس من الضروري أن يكون الكاتب ممارسا بدوام كامل وأن يكون معتمدا على الكتابة لكسب قوته ليقول بتصميم : أنا كاتب. وعليه أن يصدق أنه كاتب وأن يتصرف كما يتصرف الكتاب. وعليه أن يتعلم صنعته ويتقنها، وأن يفخر بها (طبعا بشيء من الدعابة والظرف!)

 

+ أي هذه الخصائص هي الأهم في رأيك؟

 

 -يقول الروائي العظيم ويليام فوكنر إن الكاتب يحتاج إلى ثلاث خصائص هي الخبرة وقوة الملاحظة والخيال، وأي اثنتين من هذه يمكن أن تعوضا الافتقار إلى الثالثة.

 

+ ما أهمية مراجعة ما يكتبه الكاتب؟ وكيف تراجع كتاباتك؟

 

- أرى أن المراجعة على درجة عالية من الأهمية. واعتقد أن جميع الكتاب يراجعون كتاباتهم قبل دفعها إلى الناشر. بعد الانتهاء من الكتابة أضع المخطوطة في الدرج بعيدا عني مدة قد تصل إلى ثلاثة اشهر. عندما أعود إليها أستطيع أن انظر إليها بعين ناقد. ماركون كونتليان، قبل ألفي سنة، كتب يقول: لا شك عندي أن أفضل طريقة لمراجعة كتاباتك هي أن تضعها جانبا لبعض الوقت قبل أن تعود إليها. وعندما تعود إليها ستجدها جديدة. وبامكانك أن تدخل عليها ما تراه مناسبا من إضافات وتحذف منها ما تراه غير مناسب.في خلال الفترة التي تترك فيها عملك بعيدا يبقى عقلك نشيطا. وما يحدث في عقلك في هذه الفترة يشبه السحر بعينه.فعلى الرغم من أنك لا تفكر فيما كتبته، تجد أنه يتولد هناك كل أنواع التحسين على الفكرة والأسلوب.وعندما أعود إلى المخطوطة أمارس النقد الذاتي الصارم إلى ابعد حد، وأوظف في العملية كل ما يتوفر عندي من وقت وعناية.وأجد أن من المفيد أن اقرأ أعمالي بصوت عال، لان بإمكان الأذن أن تلتقط ما في النص من عيوب لغوية وإيقاعات مغلوطة وتكرار. والعين وحدها لا تستطيع أن تلتقط هذه العيوب. بل في بعض الأحيان اطلب من صديق أثق بحكمته وخبرته أن يقرأ المخطوطة وأن يعلق عليها.أستعين بملاحظات هذا الصديق في إعادة النظر في مقاطع من المخطوطة.

 

في فترة المراجعة ابحث عن نقاط بحاجة إلى توضيح وإعادة تنظيم.وأضيف إلى متانة النص وإيقاعاته وألوانه. واعمد إلى الإيجاز أي حذف مقاطع وجمل من هنا وهناك. أذكر هنا أنه عندما عرض ت. س. إليوت مخطوطة "الأرض اليباب"على صديقه ازرا باوند حذف باوند نصف القصيدة. وبفضل هذا التكثيف بلغت القصيدة تلك الدرجة من الروعة.

 

+ أين تجد شخصياتك؟ وكيف تتعرف إليها؟

 

-أعتقد أن معظم الروائيين يجيبون على هذا السؤال بالقول إن كثيرا من شخصياتهم تتشكل من ملاحظاتهم لما يدور حولهم من شؤون. ولكن في اغلب الأحيان تتشكل هذه الشخصيات في خيالهم. كما قلت في السابق، في داخل كل واحد منا تكمن بذور الإنسانية، وهذا هو ما يجعلنا قادرين على فهم أشخاص آخرين يختلفون عنا في ثقافتهم وسلوكهم اختلافا كبيرا. يخبرنا علماء النفس أن في داخل كل رجل بعض الأنوثة، وفي داخل كل امرأة بعض الرجولة، وتوجد في طبيعة كل منا عناصر من القديسين وعناصر من الأشرار بدرجات متفاوتة. والفروق بيننا هي في كثافة هذه العناصر أو تلك ودرجة سيطرتنا عليها.

 

أحاول أن اعرف كل ما أستطيعه عن الشخصية التي تشارك في أعمالي، وأتخيل نفسي في موقفها. احرص على معرفة خصائصها جميعا، حتى تلك التي لا علاقة لها بأحداث الرواية علاقة مباشرة. أسجل تفصيلات الشخصيات كالعمر والطول والوزن والعنوان والمهنة، والعادات والتربية والدرجة العلمية. وأسجل أيضا ما هو أهم من ذلك كالذكاء والموقف من الحياة والناس والعالم والعلاقة مع الآخرين.وأسجل أهدافها في الحياة وطموحاتها. هذا ما يتعلق بالشخصيات الرئيسية. أما في ما يتعلق بالشخصيات الثانوية فليس من الضروري أن نعرف كل كبيرة وصغيرة عنها. ولكن علينا أن نتذكر أن خصائص الشخصيات هي التي تسهم في تكوين ظروفها وتطور الفعل الدرامي في الرواية. أحيانا اقتبس بعض شخصياتي من الحياة، ولكني أجد أن من الصعب أن أكيف هذه الشخصيات في مواقف معينة.وكما قال إي ام فورستر:إذا أخذت شخصية من الحياة فإني احرص على أن أغير بعضا من خصائصها واضعا إياها في ظروف تختلف عن ظروفها الحياتية.

 

+ الأسلوب، ما هو وكيف يكتسب الكاتب أسلوبا أدبيا جميلا؟

 

_يعرفون الأسلوب بأنه الطريقة التي يسجل بها الكاتب الكلمات جنبا إلى جنب عندما يكتب، وهو انعكاس للعادات في التكلم والتفكير.يكتب البعض جملا قصيرة، أحيانا اسمية وأحيانا فعلية، فيما يكتب البعض الآخر جملا طويلة تكاد لا تنتهي، بالغة التعقيد، كثيرة الالتفاف، ويستعملون مفردات غريبة غير متداولة. جون فيرفاكس في كتابه "كيف تكتب؟" يتحدث عما يسميه "صوت الكاتب" وهو يعني بذلك الأسلوب. ويعرف الأسلوب بأنه الطريقة الفريدة التي يستعمل فيها الكاتب اللغة التي تمكنه من التعبير عن مادته بشكل لا يمكن أن يجاريه فيه احد غيره. فلكل كاتب، إذن، أسلوبه الفريد الطبيعي وما على الكاتب إلا أن يعمل جاهدا على صقل هذا الأسلوب إلى أن يصبح من السمات التي يعرف بها وتعرف به.

 

+ من يقرأ كتاباتك لا يفوته أن يلاحظ جمال اللغة العربية فيها وسلاسة الصياغة.

 

-أشعر أن الكلمات أشياء جميلة، ولها قدرة فائقة على إثارة الأفكار والمشاعر عند المتلقي، ومن يكتب باللغة العربية أمامه فرصة رائعة للتعامل مع واحدة من أغنى اللغات العالمية.لقد عشقت اللغة العربية منذ صغري، وركزت على دراستها في المرحلة الجامعية، وحفظت عن ظهر قلب آلافا من الأبيات من قصائد قديمة وحديثة. وقرأت الكتب القديمة والحديثة التي تدرس اللغة العربية وتعرف قيمتها.إذن اللغة العربية كنـز ثمين واعتبر نفسي محظوظا لأني من الناطقين بها وأفكر فيها واكتب بها.وأنا حريص على استعمال الكلمة المعبرة الجميلة. ولا أجد مسوغا لاستعمال اللهجة العامية في الكتابة.كل من يستعمل العربية هو مسؤول عن صيانتها وتطويرها.ويجب أن يحرص على أن تبقى لغة جميلة ودقيقة. وهذا واجب علينا جميعا أن نؤديه بإحساس عال بالمسؤولية.

 

+نلاحظ في روايتك الجديدة "النار والطين" أنك لجأت إلى الحوار لرسم الشخصيات والكشف عن ميولها وأفكارها وطباعها. فكم من الحوار يجب أن يكون في الرواية؟

 

-الكلام هو أكثر وسائل الاتصال شيوعا بين الناس، والقارئ يحب أن يقرأ الحوار لأنه سهل الفهم، ويوحي بأن الشخصيات من لحم ودم وتشبهنا في طريقة تعاملها مع العالم حولها.وأرى أن الحوار طريقة سهلة وممتعة وفعالة لدفع القصة إلى أمام. وإذا كان الكاتب بارعا بما فيه الكفاية فإن حواره يجعلنا نشعر أننا أمام شخصيات ممتعة ومقربة إلينا.

والحوار أداة من أدوات رسم الشخصية، فالشخصيات تختلف باختلاف أسلوبها في الحديث، وطول جملها أو قصرها، وتختلف في استخدام المفردات. فأسلوب الطفل يختلف عن أسلوب الكبير، ومفردات المرأة تختلف عن مفردات الرجل، والمثقف يختلف عن غير المثقف.والجمل القصيرة الرشيقة توحي بالحيوية.وارى أن من أهم ما يميز الحوار الجيد هو الإيجاز والوضوح.

د. زياد الحكيم

د.أ.د

 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home