فن تشكيلي

 

حوار مع الفنان كمال المكوني

كمال المكوني



حياه الواقع

فن تشكيلي مجهول  عربيا أحياه فنان مغربي  بلوحات  تراثية

 

 حوار :-    محمد ابوعيطه                                  

 

بعيدا عن الألوان والصبغات ,  وبمكونات أوراق وقشور  الأخشاب المتنوعة ,  جسد الفنان التشكيلي المغربي  (  كمال المكونى ) حضارة المغرب العربي على لوحات فنيه غير تقليديه ,  تحكى بالصورالخشبيه المتعددة الألوان والأشكال ,  مشاهد من تراث الحضارة المغربية على امتداد عصورها ,  وأيضا واقع ما تبقى من الموروث الشعبي التقليدي لأقاليم المغرب العربي ,   فى إبداعات فريدة من نوعها ,  جمعت الواقع بخيال الفنان ,  ومهارة الحرفي الموهوب المتمكن من صياغة المكونات الخشبية بدقه عالية ,  ينفذها بما يعرف باسم فن (  الماركيترى )   و هو الفن التشكيلي الغير معروف  بعد فى عالمنا العربي ,  والذي هو فى حقيقته فن تشكيل قشور وأوراق الأخشاب ومزجها لتتحول الى مناظر مصوره على لوحات ,  تجعل منها قيمه فنيه تشكيليه ,  تأسر خيال كل متذوق للإبداع برموزه الظاهرة والخفية , هذا الفن حاولنا ان نكشف بعض من أسراره وأسباب غيابه عن ساحة الفن التشكيلي العربي  ,  بعد أسرتنا إبداعات الفنان  ( المكونى  ) بمحاكاتها  تراث الحضارة المغربية  التي جسد معالمها بدقه على لوحاته  الفنية وهو ما دعانا لان نقترب أكثر من هذا الفن وهذا الفنان فى هذا الحوار  

قبل البوح بأسرار هذا الفن نريد ان نعرف عن قرب ( كمال     المكونى )  الإنسان قبل الفنان ؟

بكل بساطه أنا احد أبناء مدينه فاس  , التي ولدت بها سنة 1982

وبين جنباتها ترعرعت , حيث اكسبتنى دروبها الضيقة وما تحكيه  من تاريخ لحضارات سابقه  , وهو ما اكسبني عشق وحب لكل ألوان التراث وروحه ,  التي تتجسد بوضوح فى   الزوايا المختلفة و  الازقه والأسواق الشعبية ,  وحتى القرى البعيدة حيث لازالت الحرف التقليدية ماثله للعيان ,  تربط الماضي بالحاضر  , فى تناغم قلما نجده فى أبجديات واقع المدن الحديثة ,  وكان قدري رغم اننى لم أكمل دراستي ,  ان التحق بالعمل صائغا للذهب ,  أحوله من معدن خام الى مجوهرات ,  الى ان كانت الصدفة البحتة  عندما تعرفت الى صديق أجنبي ,  كان يقيم بفاس  , ويعمل مدرسا في المركز الثقافي الأمريكي  , ويدعى (  فيليب كويرس )  الذي  لاحظ ميلي الفطري إلى الفن  , وموهبتي الدفينة فى القدرة على تشكيل المكونات الثابتة الى عمل ابداعى ,  فوجهني الى احتراف فن  ( الماركيترى  ) , وعمل على تلقيني طريقة الاشتغال بهذا الفن الجميل ,  ودرس لي مبادئه الأولى ,  حتى تيقن من فهمي إياه ,  وأصبحت مولع بهذا الفن  , وتركت عملي كصائغ ذهب لأصبح صائغ خشب  ,  بفن  ( الماركيترى ) ودخلت هذا العالم من الفنون وأنا فى سن الواحدة والعشرين ولا زالت .                                    

حياة الواقع

 

هذا الفن  الى حدا ما يعتبر مجهول للكثيرين فما حقيقته ,  والى اى مدرسه فنيه ينتمي , وما مدى انتشاره فى العالم العربي ؟                                                      

( الماركيتري marquetry  ) هو احد الفنون التشكيلة ,  يتم الاشتغال فيه  بتقنيات خاصة  ,  وغالبا ينفذ على الخشب في شكل زخارف ورسوم  , يتم تنفيذها بقشور الخشب الطبيعية  , التي تجمع بألوانها وأنواعها المختلفة كما هي بدون نحت او صباغة ,  ومن ثم يعاد تشكيلها للشكل المطلوب  , وفق مخيلة الفنان وقوه إبداعه  , و سبب تسميته بهذا الاسم يرجع الى ماضيه  , عندما كان القدماء من المغاربة والمصرين يستعملوه فى الأعمال الزخرفيه على الأواني وأدوات المائدة ,  وسمي ( باركيتري ) الى ان انتبه اليه القائمين على المدارس الفنية فى الغرب ,  ممن يبحثون عن تسيير الفن والإبداع لخدمه الإنسان ,  وعملوا  على تجديده وإضافته الى عالم الفنون منذ نحو ثلاثون عاما ,  وتحديدا فى أمريكا وبعض دول أوروبا كايطاليا وبريطانيا , وأطلق عليه تسمية ( ماركيتري ) يعني ( فن حياة الواقع على اللوحة ) , إما عن انتشاره فى العالم العربي فانه لازال غير معروف ,  وربما يرجع ذلك  لان العرب لازالوا يحافظون على مدارسهم الفنية التقليدية التي توارثوها وهذا الفن ليس من بينها  , كما انه مازال مغيب من أقسام كليات الفنون الجميلة في عالمنا العربي ,  على عكس الغرب فهو يحظى باهتمام كبير خصوصا فى ايطاليا.                                    

الضوء والظلال

على اى أساس يتم اختيار ألوان وأنواع الأخشاب ضمن مكونات لوحاتك وما الأدوات التي بها تنجز عملك الفني ؟               

الألوان التي استخدمها في لوحاتي جلها متعددة ,  امزج بينها لخلق ألوان طبيعية محضة في اللوحة ,  تناسب موضوعاتها وتعكس الضوء والظلال  ,  وذلك بحسب المواضيع التي أتناولها وهي في غالب الأحيان معمارية قديمة  , مما يجعلني اختار  من الأخشاب ما يغلب عليها طابع الألوان التي تعطى من يشاهدها الإحساس بالقدم والماضي  , لأصل برسالتي الفنية الى المتلقي من خلال الألوان والمكونات لكل لوحه ,  مع تواجد بعض الألوان الأخرى ولكن بشكل ثانوي  , لأتميز فى شغلي إبداعيا  , ومن هنا يتبين لنا ان فن ( ا لماركيتري ) يختلف بعض الشيء حتى في تناوله للألوان عن الفن التشكيلي المعروف ,  أما الخشب فأنا اشتعل بعدة أنواع من الخشب ,  بعضها من السوق المحلي المغربي ,  لكن معظمها من السوق الإنجليزي الذي استعمل منه أنواع و ألون متعددة من الخشب  , مثل (  مازكوي ـ  اكجو ـ السامبا ـ خشب الأرز )  وكثره استعمال أنواع متعددة من الأخشاب يرجع لاننى لا أستعمل الألوان ,  وبالتالي كل نوع يعطى لون مختلف يفيد فى تشكيل اللوحة ,  والأدوات التي اشتعل بها مختلفة بعضها يشبه أدوات الجراحة سكاكين دقيقة مناشير رقيقة بأحجام ودرجات متفاوتة.                           

واقعية التشكيل

 

وما السمة الفنية التي تغلب على موضوعات لوحاتك ؟         الرسوم التي نفذتها تنتمي الى المدرسة الواقعية في التشكيل ,  وهي مستمدة أولا من البيئة والثقافة المغربية ,  وأجواء المدن العتيقة من الأبواب التراثية و الأزقة الضيقة ، وتصوير المهن التقليدية و مناظر طبيعية من فاس ومناظر من الصحراء  , وهي غالبا موضوعات أرصدها بالعين أو الكاميرا ,  وأضيف إليها تعديلات وبصمتي الخاصة قبل ان أنفذها، واختياري لهذه المناظر هو غالبا من باب الإعجاب بها و الرغبة في التعريف بحضارة وآثار المغرب وطقوس الحياة فيه ,  لكن عادة اخضع الرسوم لتنقيح وإعادة الصياغة حتى يمكن تنفيذها فنيا وتقنيا ,  وأحيانا هناك من يقترح علي موضوع يرغب ان أنجزه له لمعلمة تاريخية ومنظر طبيعي ,  ولكن دائما أضيف تصوري الخاص ورؤيتي الخاصة وأجرب حاليا استلهام لوحات تجريدية وتنفيذها .        

سفير التراث

 

وما الرسالة التي تريد ان تصل بها لمن يشاهد أعمالك الفنية ويتذوق بحاسة النظر ملامحها وما ترمى اليه ؟                       يمكنني ان أقول أنني اخدم تراث وطني وحضارته على لوحاتي الفنية ,  لتبقى متحدية الزمن ليس فقط من خلال وجودها الفعلي وإنما من خلال اعمالى الفنية ,  فانا أريد ان أرسل برسائل حضارية من المغرب الى العالم , وبذلك فأنني أكون سفير لهذا التراث الى حيث يذهب مع لوحاتي ,  فانا اوؤمن ان مثل هذا النوع من الفن رسالة باقية لا تموت... أشير فقط الى أنني لا أنجز اللوحات وحدها بل أنجز بفن ( الماركيترى ) لوحات مكتبيه صغيره و قطع ديكور وقطع زخرفيه للاوانى ,  باختصار فانا استطعت توظيف الفن فى عدة مجالات ,  وأبيع براءة لوحاتي التي تستخدمها كثير من الشركات والمؤسسات المغربية ,  وأيضا أصبحت تباع فى السوق بشكل بطاقات بريدية.                   

 

وماهى أول لوحه أنجزتها بفن ( الماركيترى ) ؟                  أول لوحة في حياتي الفنية كانت تحمل صورة لشيخ من شيوخ المغرب ,  أردت من خلالها ان أجسد حضارة المغرب فى هذا الشيخ بملامحه ألتقليديه ,  واعتزازه بذاته  من خلال محافظته على تراث أجداده , ويظهر ذلك جليا فى ملابسه القديمة التي يرتديها رغم انتهاء زمانها ,  وما يعنى ذلك من ضرورة عدم الانسياق وراء مظاهر الحضارات الدخيلة علينا ,  والتي أصبحت تحاصرنا على حساب كل ماهو جميل من ماضينا وحاضرنا ,

وهى لوحه اعتز بها ولن يمكن ان أفكر في بيعها الى أخر حياتي  , فهي الأولى في رحلتي الفنية التي أنجزت خلالها حتى ألان نحو اربعمائه لوحه.                                                   

حرفي مبدع

كنت فى الصغر صائغا للذهب ومن ثم بسهوله أصبحت مبدع فى فن (  الماركيترى ) هل هناك علاقة بين - الحرفتين - ان جاز التعبير ؟                                                                  نعم فكلاهما صياغة وتشكيل شيء مجهول ليصبح معلوم ,  وهنا يبقى الفاصل فى مستوى الحرفية و الإبداع لهذا الفن وذاك  , سواء كان ما أريد  إنجازه من عمل تقليدي قديم ,  او عصري حديث فأصل الفنان حرفي مبدع  .                                      

 

 برأيك مهارة حرفي أم أبداع فنان ايهما تتطلبه صناعه أللوحه بفن ( الماركيترى ) ؟                                                فن ( الماركيترى ) يعتمد عليهما معا  , فل يمكننا الحديث عن أبداع في غياب المهارة او عن مهارات بدون إبداع..                 

إذن موهوب أنت أم حرفي ايهما تجده اقرب الى ذاتك ؟          كل الألقاب التي ذكرتها من خلال سؤالك القيم متقاربة المعنى إلا أنني أفضل ان أكون موهوبا لان الموهبة أساس كل باقي تلك الألقاب.                                                               

 

مادمت تتحدث عن أدوات وحرفه إلا يخشى ان تقوم الإله مقام الفنان فى إنجاز هذا الفن فى المستقبل ؟                          لقد تم فعلا إدخال الإلة لتقوم بدور الفنان ( الماركيتري ) في دول أمريكا الشمالية وبعض دول أوروبا كبريطانيا وايطاليا  , لكن المحاولة باءت بالفشل..ودلك لغياب روح الإبداع على اللوحات المنجزة من قبل الإلة ,  ففن ( الماركيتري ) لابد له من المبدع الرئيسي إلا وهو الفنان ( الماركيتري ) ,  الذي يعطيه ذلك النفس المتميز...                                                               

صفحه مفتوحة 

 

كيف  ترى امكانيه  توظيف هذا الفن لخدمه  تراث  الحضارة العربية ؟                                                             يمكننا توظيف هذا الفن لخدمة تراثنا المحلي على مستوى الوطن العربي وذلك بتعريف حضارتنا المحلية ,  وعرضها إمام الأعين الغير عربيه من خلال نقل واقع الحضارة من معالم وشواهد وأيضا طبيعة خلابة  , وخصوصية العرب  على امتداد أوطانهم  فى ذاتهم الخاصة ,  وتقاليد وعادات الشعوب العربية  اليومية وتحويلها الى لوحات تحاكى هذه الموجودات ,  لتعطى صفحه مفتوحة على واقعنا بجميل إبداعه ,  لمن لا يرى فينا إلا السواد والشر.                                                                  

                                          

     ماهى نوعية زبائنك الذين يقبلون على اقتناء    لوحاتك ألفنيه وما مدى اهتمام المتلقي العربي بهذا الفن ؟                    لا أخفيك سرا ان جمهوري اغلبه من الأجانب من الدول الأوروبية الذين لا يخفون إعجابهم بفن ( الماركيتري ) ,  الذي يرونه فريد من نوعه حسب شهادتهم وانطباعهم ,  فهم يقدرون هذا النوع من الفن ويقبلون عليه مع تشجيعهم المطلق لأعمالي التي أحاول قدر الامكان  ان تكون أكثر نضجا يوم بعد يوم....

إما بخصوص الزبائن العرب فهنا المشكل لأنهم الأقل تواجدا  , وذلك من وجهة نظري يرجع لسببين او لهما غياب التعريف لهذا الفن وثانيهم تفضيل اقتناء لوحات تشكيلية عادية زهيدة الثمن ,  قياسا باللوحات المنجزة بهذا الفن الذي يعتبر غاليا نوعا ما بسبب اختلاف مواده الطبيعية ولوازمه وهو ما يزيد تكلفته...                 

 رسالتي الابداعيه

 

 وكم من الوقت تأخذ لإنجاز اللوحة الواحدة وعلى اى أساس توائم بين خيالك وحاجه المتلقي الى شكل او منظر بعينه ؟             غالبا اللوحة تستغرق من الوقت حسب ما بها من تفاصيل فليس هناك توقيت محدد لبداية ونهاية العمل بكل لوحه  , وكذلك تتحكم تفاصيل مكونات كل لوحه بالمساحة والشكل ,  وليس هناك ارتباط او التزام بحجم معين ,  ودائما أحاول ان أجدد فى افكارى الابداعيه وأحاول ان اجمح بخيالي مع الالتزام بحدود عشقي لنقل واقع التراث وماضيه فى ثنايا كل لوحه ,  فهي رسالتي وقيمتي الابداعيه فى هذا العالم التي اعتز بها.                                 

ألموائمه بين ألصوره الحية وتجسيدها الى فن (  الماركيترى ) هل تجد فيها صعوبة ؟                                          كمبدع يمكنني القول بان هذه المسألة يحكمها لدى قوه التخيل ,  ثم محاولة نسج دلك الخيال على ارض الواقع في شكل لوحة ,  وهو أمر ليس بالهين وأصعب بكثير من ان تلتقط صورة متواجدة على ارض الواقع لان الأولى تتطلب منك جهدا فكريا أكثر تعقيد من الأولى...                                                          

 

 

هل هناك صعوبات تواجهك كفنان وماهى طموحاتك في هذا المجال؟                                                     في البداية واجهت مشكلة عدم إيمان محيطي بما أفعله ,  وقد احتاج الأمر مني إلى جهد كبير كي أحقق ذاتي وأثبت وجودي في مجال فني غير مضمون مثل الوظيفة أو ما تشابه، ثانيا هناك غلاء المواد التي اشتعل بها وندرتها في السوق المحلي ,  ثم هناك غياب مؤسسات التسويق والإشهار  , فأنا اعتمد على إمكانياتي الذاتية المحدودة ومع ذلك اجتهد دائما لخلق الجديد وابتكار طرق اشتغال بمواد جديدة  , وأطمح أن انفتح على السوق العربي والمغربي وان تكون هناك مؤسسات مهتمة تشجع الحرفي والتشكيلي . 

وما نصيحتك للمبتدئين فى فن ( الماركيترى ) ؟                كنصيحة متواضعة يمكنني ان أسديها لمن يرغب في تعلم فن  ( الماركيترى )  هو الصبر على تحميل مشاقة ,  والإخفاقات التي يمكن مواجهتها خاصة انه فن غير معروف عربيا ,  مع ضرورة عشق مطلق لهذا الإبداع الذي يتطلب مهارة خاصة وتركيز أدق..

 




 

اطبع الموضوع  

Home