قصة

 

نداء البحر

محمد عبده العباسي



               نداء البحر ..

 

 

 

لا شك أنني الآن في عجلة من أمري ، أود اللحاق بالمدرسة ، فهل دق الجرس ؟

  سألت نفسي ، والحقيبة فوق ظهري تشكل نتوءاً بارزاً ، بًعد بيتنا عن المدرسة قليلاً وقربه من البحر كثيراً جعلني لا أنتظر الباص ، لذا أفضل الذهاب إليها سيراً علي الأقدام .

  سائق الباص العجوز لم يعد منتظماً في موعده فلم يحضر منذ عدة أيام ، تري هل مات هو الآخر مثلما مات جدي قبل عام مضي ؟

   هو شبيه الخلقة بجدي في ملامحه ،لو أن السائق مات لنشر نعيه في جريدة الأهرام كما يأمل كان يقول :

ـ من مات ولم ينشر نعيه في الأهرام فكأنه لم يمت ..

  كنت أضحك من قوله وهو يحادث مساعده الشاب الذي يمتعض وجهه عند ذكر الموت ، ويردد :

ـ سيدي ، أنا لم أتزوج بعد ..

  لم يبلغني أبي بأمرموت السائق ، يبدو أنه لم يقرأ ذلك في جريدة الأهرام التي لم تنقطع عن بيتنا يوماً :

ـ هي بالنسبة لي كالماء والشمس والهواء ..

 يردد أبي ذلك ، ويذكر أنه ورث حبها عن جدي الذي كان يفخر ويزهو بين مجايليه بأنه يملك العدد الأول من الأهرام.

  أمي لشدة خشيتها علّي من برودة الجو أوحت لي بعدم الذهاب إلي المدرسة :

ـ سأعتذر لـ " مسز صوفي " عن عدم ذهابك اليوم ، لن يذهب أحد ..

ـ لن تقبل العذر ياأمي فهي شديدة الحزم ،لكنها في نفس الوقت رقيقة وحنونة  ..

              *    *    *

   دثرتني أمي بمعطف ثمين اشترته لي من السوق الحرة ، المعطف جميل، حذرتني من أن يتلفه المطر أو اللهوـ المعلمة بالطبع لن تعترض ـ قالت أمي وهي تحكم اغلاقه من حول كتفي وعنقي ، لفته جيداً ، وأسكنت قبضتاي في قفازين من الجلد أهدتهما إياي صديقتي الأثيرة رُبي ، قبلتني بعد أن قرصت خدي بلطف  فتورد بحمرة الدفء ، وقالت أنهما بلون الخوخ الأحمر ، عند الباب ودعتني محذرة بسبابتها مؤكدة :

ـ إياك ....

           *    *    *

 سرت بخطي سيدة وقور ، لكن البحيرات الضحلة التي كونتها أمطار "نوة الحسوم "  جعلتني أثب مثل عنزة صغيرة رأيتها علي شاشة التلفاز ليلة أمس ..

  تساقط مطر خفيف فوق شعري، آه إنه لذيذ ، سرعان ما لجأت إلي مظلة انتظار الباصات أحتمي بها ، رجلان وقفاً إلي جواري كانا يتحدثان بمودة ، كل منهما كان ينفخ في قبضتيه ، أحدهما سمح ليده بأن تمسح برفق مالحق بشعري من قطرات المطر ..

  قطرات المطر التي تساقطت علي شعري قبل قليل كانت تسعدني ، فهي تغسله بنعومة  وتتناثر علي وجهي ، تزيدني بهجة وحبوراً يأتي صوت أمي يوقظني من الحلم الجميل محذرة :

ـ إياك والمطر لئلا تصابين بنوبة برد ..

  الرجلان يبدو أنهما فقيران يعملان بصيد الأسماك ، عادا لتوهما من جهة البحررغم البرد القارس ، لابد أنهما أبوين لأطفال في مثل عمري ، والأطفال دوماً في حاجة للكساء والغذاء والنقود ، لذا فهما يكدحان من أجلهم ....

  كل رجل تتدلي من خلف كتفه شبكة الصيد الخاصة به فيها حصيلة رزقه ، فجأة علا صوت حديثهما،فهل يعاني أحدهما من الصمم ؟

   لكنهما عادا لحديثهما الهادئ من جديد ،ثم اختلفا ، أعطي كل واحد ظهره للآخر ...

  ـ أوه ، الآن توقف المطر ،صارت السماء أكثر صفاء ً وزرقة ، والشمس راحت تتسلق البنايات الصغيرة ، متي تصبح مثل قرص دوار الشمس لتضفي علي المدينة المزيد من الدفء ؟

   الرجلان يبحثان في السماء عن الطيور المحلقة ، يراقبان طيرانها ، لابد أنهما ماهران أيضاً في صيد الطيور ..

  تري هل تخاصما ؟ سوف أصلح ذات بينهما لو حدث خصام  بالفعل ، ليس الآن بالطبع ولكن بعد قليل ، لن أدعهما يتشاجران.

  الشبكتان الآن تلاقتا ..

  اقتربت الأسماك وراحت تتبادل حديثاً خافتاً ، أتنصت للحديث ،  قالت سمكة في شبكة الصياد الأول أنها تشتاق إلي البحر الذي حرمت منه ، ردت سمكة من شبكة الصياد الآخر  بأنها تسمع صوت نداءً يأتي من البحر ، الأولي عادت لتؤكد أن العودة تعد من ضروب الخيال ، قالت الثانية أن لا مناص سوي الاستسلام ، تمردت سمكة ثالثة كانت في حالة من السكون التام قالت وكأنها تتلوي من الألم :

ـ آه ما أجمل الحرية ـ رفرفت بزعانفها مثل طائر ـ ولكن كيف؟

  تقلقلت رابعة من موضعها ، وأعلنت :

ـ إنني أشم رائحة البحر ، يبدو أنه قريب ؟

  رددت أنا من فوري وبدون أن أدري :

ـ نعم ، نعم يا صديقتي ..

  اقتربت ألمس الأسماك بيدي ، وبصوت أشبه بالهمس قلت :

ـ هلموا معي يا صديقاتي..

  هللت الأسماك جميعاً في صوت واحد :

ـ ما أجمل البحر ، هيا بنا إليه ، البحر ينادينا ، البحر ينادينا  ..

  مددت يدي الصغيرة جهة شبكة الصياد كي أطلق سراح سمكة جميلة من الأسر ، صوت الصياد أفزعني وهو يودع صاحبه ويفترقان كل في طريق ..

  مضي كل صياد في اتجاه ولم يعرني   الأول انتباهاً ، بينما نظر لي الآخر بغرابة  ..

  صمتت الأسماك جميعاً ، لم يعد صوتها يصل إلي سمعي ، وهي تبعد وتبعد وتبعد بينما البحر ينادي :

ــ تعالي ..

  كان النداء خفياً ، رحت أعدو نحو الشاطئ ، وقبل أن أقترب وأشمر ملابسي تذكرت وصية أمي عن المعطف الثمين ، تذكرت أن موعد دق جرس المدرسة قد حان ، فهل دق الجرس أو سمعه أحد منكم ؟

أظن ....

               *    *    *

 

 

 

 

 

             

 

     




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home