القلم السياسي

 

نكسة غزة

شجاع الصفدي



 

 

يمكننا وصف ما حدث في غزة بالنكسة,  ربما بعد أربعين عاما من نكسة 67  آن أوان نكسة فلسطينية كبرى في العام 2007 , وليست النكسة في أن حماس سيطرت عسكريا على قطاع غزة ولا في هزيمة فتح وهروب قياداتها إلى الضفة الغربية والتي هي جزء لا يتجزأ من وطننا  والذي نرفض تجزئته بأي شكل من الأشكال , وإنما النكسة في أن وصلت الأمور والخلافات ما بين أبناء الشعب الواحد إلى هذه المواصيل والتي لم تخطر على بال أشد الناس تشاؤما والتي راهن الصهاينة عليها كثيرا منذ أعوام طويلة وسعوا إليها وفشلوا مرارا وتكرارا , ولكن الآن يهنأ اليهود ويغطون في الهدوء والسكينة فهنالك ما يشغل الفلسطينيين عن القضايا الجوهرية التي تزعج الدولة العبرية , فقد نسي الفلسطينيون الجدار فلا وقت الآن للحديث عن جدار عنصري , وتناسى الفلسطينيون  قضية الأسرى , وأغفلوا عن التهويد السريع الذي يجري  للقدس المحتلة , نعم  هنيئا للدولة العبرية  نجاحها فيما طمحت إليه منذ بداية الثورة الفلسطينية وبدء الانشقاقات في منظمة التحرير الفلسطينية وبدء الانشقاقات في فتح في لبنان قبل عقود وحتى وصولنا  إلى هذه المرحلة التي يذبح فيها الأخ أخاه دون رادع من ضمير أو وازع من دين وخلق.

والسؤال الذي يواجهنا دوما على ماذا كان الاقتتال ومن هو المذنب في كل ما حدث ؟

هل نجرّم طرفا دون الآخر ونقول أن حماس ذبحت وقتلت وهاجمت ودمرت ونصمت بعد ذلك ؟

أم نقول أن فتح تآمرت وقتلت واعتقلت وظلمت وأفسدت وهي المجرمة, ونصمت   أيضا ؟

هل تآمرت الدول كلها واشتركت في جريمة دولية لإقصاء القضية الفلسطينية وإشغال الفلسطينيين في اقتتال داخلي وحرب أهلية في خدمة مجانية للدولة العبرية ؟

كثير من الأسئلة التي تجبرنا  أن نخوض في حقيقة الأمور لنحدد خطواتنا القادمة كشعب فلسطيني محتل  برا وبحرا وجوا يتوجب عليه أن يلتفت فقط لتحرير أرضه وأن يلقي كل ما دون ذلك  وراء ظهره لا أن يجعل الهوامش مسيطرة على قلب الصفحات ويخلط الأوراق وينسى العدو الحقيقي الذي يهنأ بدماء أبنائنا المسفوكة .

ولكن أين الخطأ حقا في كل ما حدث وما يحدث وما سوف يحدث ؟ , لقد بدأ العام 2005 بانتصار كبير لحركة حماس في انتخابات شرعية لا غبار عليها وكانت تجربة ديمقراطية ممتازة في الوطن العربي , وسلم السيد محمود عباس كتاب التكليف للسيد إسماعيل هنية بتشكيل حكومة وتمت الأمور بطريقة قانونية جدا , وبعدها بدأت الأورام السرطانية في البروز لدى كل طرف ضد الآخر , حيث أن الحصار الدولي الجائر والظالم الذي طال الشعب الفلسطيني بأكمله ولم يطل حركة حماس وحدها كان سببا في تنامي الحقد داخل حركة حماس  لاعتبارها أن فتح والسلطة هم شركاء في هذا الحصار وأن ذلك يصب في رغبة قيادات فتح والسلطة بإفشال حماس وإظهارها كحركة عاجزة عن قيادة الحكومة والمضي في مسيرة الشعب الفلسطيني وكان على حماس أن تستميت في إثبات كفاءتها وجدارتها بعد امتناع فتح عن المشاركة في الحكومة , وشكلت حماس حكومة خضراء وبدأت في العمل ولكن ما وقعت فيه من أخطاء هو أنها انشغلت أيضا بتثبيت قدمها في الوزارات والمناصب وتعيين أبناءها وتوظيف عدد كبير منهم وهذا حقها ولكنها وقعت فيما ارتكبته فتح من أخطاء  في سياسات التوظيف و سياسة التعامل مع المواطن العادي الذي لا توجه سياسي له سوى الوطن ولقمة العيش  فقط , فقد تم تجاهل هذه الفئة من الناس وهي كثيرة جدا .

ومع اشتداد الحصار بات على حماس إعادة تهيئة نفسها لبعض التنازلات من أجل الخروج من المأزق الذي فرضه الحصار عليها , لكنها كانت تريد الخروج باتفاق من منطلق قوة وليس من منطلق ضعف , فكانت نتيجة ذلك حدوث اشتباكات متعددة على فترات في أواخر عام 2006 وبدايات 2007 , وكان ذلك تفحصا من كل طرف لقوة الآخر ,وصولا  إلى اتفاق مكة والذي كان أملا  للشعب الفلسطيني أن ينهي معاناته وأن ينتهي الحصار وتعود الحياة لطبيعتها والأهم أن يعود العدو هو المحتل لا غيره .وهكذا تشكلت حكومة الوحدة الوطنية التي سعدنا بها , وهي حكومة جيدة ومهنية وتأمل الفلسطينيون خيرا بها , ولكن العالم يأبى أن يتفق الفلسطينيون , وهنالك دولا وأشخاصا  لا تتلاءم  استمرارية الهدوء في فلسطين مع تطلعاتها ومصالحها وكان لا بد من إفشال الحكومة والعودة إلى نقطة الصفر , فكانت مؤامرة مشتركة من كل الجوانب , أمريكا  العامل الأول في الحصار تابعت حصارها وهددت كل من يساعد الفلسطينيين باعتبار أن الحزب الحاكم حزبا إرهابيا حسب زعمهم , والاتحاد الأوروبي أشار عدة مرات إلى استئناف المساعدات ولم نرَ شيئا على  أرض الواقع سوى دفعات متفرقة تدخل في إطار المساعدات الإنسانية ولا توفر استقرارا أو أمنا , فالاتحاد الأوروبي ليس من مصلحته وليس معنيا بالخلاف مع أمريكا القوة العظمى من أجل فلسطين وشعبها وهذا أمر منطقي .

وهنالك دول أخرى كانت تتابع باهتمام ما يجري ويهمها  أن لا تبقى الأمور هادئة حتى لا تخسر ورقة هامة في ضغطها على أمريكا والدولة العبرية , حيث أن الصراع الفلسطيني يؤرق فقط الفلسطينيين لكنه يخدم غيرهم  بشدة .

والصهاينة يتفرجون , ويآزرون الحرب , ولا أقول يؤازرون طرفا دون الآخر , فقد سهلت " اسرائيل " عمليات دخول السلاح  إلى قطاع غزة بكميات مهولة من خلال عمليات التهريب التي كانت تغض النظر عنها وكانت توفر لتجار السلاح طرقا آمنة  لإدخال الأسلحة التي كانت مفقودة في قطاع غزة تماما , حيث بالكاد كانت البنادق الآلية والطلقات تصل لقطاع غزة وفجأة امتلأ القطاع بقاذفات الآر بي جي , والهاون , وأدوات التصنيع , والرشاشات الآلية الثقيلة  من طراز برجنيف وغيرها وملايين الطلقات تم تسهيل دخولها لقطاع غزة من خلال الأنفاق في رفح ومن خلال معبر كارني أيضا والمرتبط بالأراضي المحتلة عام 1948 , وهو المعبر الذي يصعب تهريب إبرة منه دون أن يفحصها جنود الاحتلال , فكانت معالم المؤامرة واضحة أن الجميع يريد أن يصل الفلسطينيون لنقطة اللا عودة في حربهم الداخلية .

وبرزت معضلة وزير الداخلية  وتم اختيار  القواسمي الذي شعر أنه سيكون مجرد كبش فداء في الصراع ما بين الطرفين وقدم استقالته وقد أجاد في قراره حقا فهو لا يريد لاسمه أن يرتبط في أي جرائم قتل بين الإخوة .

وتغذت الفتنة وبدأت الحرب تشتعل بعمليات اغتيال هنا وهناك وتصفيات, وعانى أبناء قطاع غزة الأمرّين خلال هذه الحرب وفقدوا أبناءهم وأطفالهم وفقدوا أموالهم وممتلكاتهم التي تدمر جزء كبير منها في الحرب الدائرة .

وانتصرت حماس ,  وهذا كان متوقعا في ظل  هروب قيادات المعركة , فأي دافع سيقاتل  عناصر الأجهزة الأمنية من أجله ؟ , إنه ليس قتالا من أجل الوطن , ولا يجب أن يموت أبناؤنا من أجل حماية عروش زائفة فرّت من غزة وتركتها لمصيرها  فقد كان الهروب يشبه  هروب الفئران التي تسارع لمغادرة السفينة حين توشك على الغرق .

لقد نجحت حماس في السيطرة على قطاع غزة بالكامل بكل مؤسساته وكل منشآته ومواطنيه وفئاته أيضا بالقوة والحرب والقتل والنتيجة انتصار الأقوى عسكريا في الحروب وهي نتيجة طبيعية ,  و لكن السؤال هنا ماذا بعد  ؟

لقد أخطأ الجميع بلا استثناء, أخطأ الرئيس عباس حين وافق على انتخابات فازت بها حماس وبعدها عرقل سير الأمور في مسارها الطبيعي, حيث كان من الصواب أن يسلم الرئيس كل شئ إلى حماس وهو الرئيس الدستوري الشرعي والذي عليه أن يتابع عمل الحكومة , كان واجبا أن يترك الأمن وكل شئ للحركة التي انتصرت في الانتخابات ويفسح المجال لها لتعمل , فإن نجحت  وحققت الأمن للمواطن وفرضت النظام بشكل منطقي ووفرت حياة جيدة للشعب فهذا ما يأمله أي فلسطيني , وإن فشلت فالمواطن وحده هو صاحب الحق في قول كلمته من خلال انتخابات حتى لو كان الاستفتاء  هو الحل في الذهاب لانتخابات مبكرة من أجل الخروج من الأزمة وكان هو الحل الأنسب بدلا من إقالة الحكومة الآن وتشكيل حكومة طوارئ بعد فوات الأوان وبعد أن  ذهب خيرة أبناء الشعب ضحية للقتل والإعدام والحرب التي دمرت كل شئ .

وأخطأت حماس فقد كان الأجدر بها  أن لا تذهب أبدا للحسم العسكري فهي خاسرة قبل فتح في هذه المعادلة فالآن تقع على عاتقها مسؤولية مليون ونصف المليون من أبناء قطاع غزة بشتى انتماءاتهم وتوجهاتهم , وكان واجبا التفكير ألف مرة قبل الاندفاع في مخطط السيطرة العسكرية والقول أن هذه خطوة اضطرارية فهنالك من الأخطاء والجرائم  التي ارتكبت خلال هذه المعركة ما يعكر محيطات العالم أجمع , وسيستمر الحصار وتضييق الخناق على قطاع غزة في الوقت الذي تمنح الضفة الغربية كل الامتيازات من قبل أمريكا والتي بدأت بفك الحصار عن حكومة الطوارئ التي شكلها الرئيس عباس وهكذا سيصبح لدى المواطن العادي الغير منتمي لحماس ولا لفتح تساؤلا عن ذنبه في صراع  ما بين حماس وفتح وأن يعيش في الضنك والفقر في حين يعيش أبناء الضفة الغربية في أحوال جيدة , وهكذا  يستفيد العدو أيضا بأن يرسخ الفوارق العنصرية ما بين الضفة وغزة والتي سعى إلى ترسيخها بكل قدرته خلال أعوام الاحتلال حتى الآن , حيث نزعة الغزاوي والضفاوي هي نتاج لسياسة صهيونية خطيرة جدا , وإن اكتمل المسلسل الآن سوف يصبح الأمر خطيرا قد يصل بأن يعتبر الغزاوي الضفة  وأهلها شعبا آخرا  ونحقق الانقسام الكامل الذي يريده لنا أعداؤنا .

أخطأت فتح بأن أهملت السرطانات التي تنامت داخلها  خلال احد عشر عاما من الحكم , وكان واجبا أن تستفيق من الغيبوبة , فتح التي نحبها , فتح الثورة التي قدمت وبذلت الكثير الكثير من الشهداء وكانت الشرارة الأولى في رفض الظلم وتحدي الاحتلال , نسيت أن عوامل الزمن تؤثر على الجبال أيضا ما لم تصقل ويحافظ عليها و كان حرياً بفتح بعد فوز حماس أن تعيد هيكلة الحركة , وترفض الفاسدين وترفع الغطاء التنظيمي عن اللصوص وعن المستوزرين وعن كل من تسبب في هزيمة فتح , ولكنها فعلت العكس , تمسكت بقادة الهزيمة في حالة غريبة من نوعها حدثت  مرة واحدة في التاريخ العربي , وتركت كل شئ على حاله , بل سعى المتنفذون فيها إلى قتل أي رغبة شابة جديدة في البروز من أجل التغيير والتعديل وإصلاح ما فسد وترميم ما تهدم من جدران الحركة مما جعل هذه الجدران هشة  آيلة للسقوط عند أول ضربة حاسمة .

وأتساءل مثلي مثل أي فلسطيني ماذا لو أن فتح أصلحت هيكلياتها واتخذت خطوات حاسمة تجاه التصحيح وقدمت معونات اجتماعية وتواصلت مع المجتمع والناس وعادت للشارع في كل كبيرة وصغيرة , أما كان هذا حافزا يجعل الشعب ينتظر بلهفة أن تعاد الانتخابات ليكون فيها خلاصه من الحصار ؟

معظم أبناء الأجهزة الأمنية المناصرين لفتح  انتخبوا حماس كونهم بحاجة للتغيير وملوا من الأحوال الراكدة و من العصابات المسيطرة على مقدرات الحياة الفلسطينية والآن أبناء الأجهزة الأمنية باتوا لا يجدون قوت يومهم عدا عن تعرضهم للقتل والتدمير من أجل ماذا ؟ وبأي ذنب ؟

ويكتمل سيناريو الأخطاء الفادحة بحق فلسطين وقضيتها بما وقعت به دول العالم والدول العربية في فرضها حصارا جائرا ظالما على شعب بأكمله  لأنه انتخب سعيا لتحسين وضعه وأحواله , فعوقب من الجميع حتى ممن انتخبهم وممن لم ينتخبهم ومن أحلاف كل طرف منهما والخاسر دوما كان الشعب المغلوب على أمره في كل هذا الصراع الذي نأمل حقا أن يزاح همه وأن يعوض الله  هذا الشعب بقائد واحد , يمثل كافة فئات الشعب الفلسطيني , يتحدث بلسان واحد ولغة واحدة هي لغة الوطن , لغة الأرض والتحرير وأن لا يخشى في قول الحق لومة لائم حتى لو حاصره العالم أجمع وأنا على ثقة أن الشعب بكامله سيصطف من خلفه لو وجد , وسيسانده ويتحدى الجوع والحصار مهما كان دون أن يتنازل قيد أنملة عن ثوابته .

 

 

 




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home