مقال

 

الانحدار السريع الأيام حبلى بما هو قادم والمخاض عسير

تحسين أبوعاصي



الانحدار السريع

الأيام حبلى بما هو قادم والمخاض عسير

أ / تحسين يحيى أبو عاصي – غزة فلسطين -

تعتبر حركة فتح وحركة المقاومة الإسلامية حماس ، من أقوى التيارات الفاعلة والمؤثرة على ساحة الفعل الفلسطيني بجميع أصعدته ، وقد تولد عن هذا الفعل المتنامي مزيدا من التنافس الحاد بين الفصيلين الأكبرين على الساحة الفلسطينية ، بتأثير تراكمات محلية وعربية ودولية ، كان لها انعكاساتها على إعادة صياغة تفكير وثقافة وسلوك ليس فقط المقاوم الفلسطيني ، بل المواطن الفلسطيني البسيط .

يختلف التنظيمان فيما بينهما اختلافا حادا في النهج والرؤية والتفكير ، وأصبح كل فصيل في حقيقة الأمر، هو المنافس الأكبر للفصيل الآخر ، كل من منطلق رؤياه في المحافظة على  الحلم الفلسطيني ، لدرجة أن أصبح الوفاق بينهما حتى في القواسم المشتركة أمرا بعيد المنال .

 

 ولا يخفى على مراقب ، أن تحقيق أي نجاح مهما كان نوعه وعلى أي صعيد كان لطرف منهما ؛ سوف يكون نجاحا على حساب الطرف الآخر ، ففتح حركة وطنية علمانية ليبرالية ، وحماس حركة جهادية أيديولوجية عقائدية ، وبينهما ما بينهما  .

ومن غير المتوقع في نظري وفي نظر الكثير من المحللين السياسيين ، أن يتعايش التياران ، أو أن يتفقا على برمجة رؤية سياسية تجمع بينهما ، وذلك لأسباب كثيرة منها : عدم استيعاب التاريخ ، والجهل في مقومات المرحلة ، وعدم الفهم السيكولوجي للآخر ، كما أنه لا يمكن أن يهمش أو يلغي تيار منهما التيار الآخر ،  بسبب ثقل تواجد كل منهما على الساحة الفلسطينية .

 

أصبح كل منهما يشكل تحديا استراتيجيا وتاريخيا للتيار الآخر، فيما يؤمن به من رؤية ، وليس ذلك فحسب بل يمكن لنا أن نذهب أبعد من ذلك بكثير إذا ما تعلق الأمر بتهديد وجود أحد الفريقين للآخر ، مما جعل من إمكانية الصدام بينهما أمرا حتميا  لا مفر منه ، وربما ضروري لا بد منه ، فجميع الاتفاقات التي أبرمت مع الإسرائيليين بما فيها خارطة الطريق ، واتفاق أوسلو من قبل ، تدعو إلى ضرب الإرهاب ، وتفكيك بنيته التحتية ، الأمر الذي يعني وقوع صدامات مسلحة تأخذ أشكالا مختلفة ، بحجج وذرائع متنوعة ، للوصول إلى ما تم الاتفاق عليه ، ولتنفيذ المخطط المعدود سلفا منذ بوش الأب ، عندما أعلن عن ضرورة إعادة صياغة وترتيب منطقة الشرق الأوسط ، لمائة عام قادمة إبان حرب العراق والكويت .

 

فتح وحماس كل منها تحرص على عدم سحب البساط من تحت أقدامها ، حتى لو كلفها ذلك مئات الشهداء وآلاف الجرحى ، خاصة أن حماس اليوم ليست حماس الأمس ، فبفعل تنامي قوتها المتزايدة ، واتساع قاعدتها الجماهيرية ، وكونها حركة شابة يانعة النشاط ، لم يصب جسدها عفن الفساد والتآكلات ، وهي حريصة كل الحرص ، ووفقا لرؤيتها الأيديولوجية ، على عدم تفرد فتح في لعبتها السياسية ، والتحكم بمصير الشعب الفلسطيني ، وعدم فتح باب التنازلات والتفريط ( وفق رؤيتها ) وضياع الحقوق ونهب الثروات ، ولعل تجربة المفاوض الفلسطيني مع نظيره الإسرائيلي ، أثبتت بأن الإسرائيليين لا يحترمون اتفاقا ، وأن ما حدث للإسرائيليين مع حزب الله  يمكن أن يتكرر أكثر من مرة ، باعتبار أن الإسرائيليين لا يفهمون لغة الحوار بل لغة البنادق ، كما عزز ذلك ظاهرة الفساد العلني والمقنع ، التي تفشت في جسد فتح والتي لا زال ينخر في جسدها ،  وعجزها حتى الآن عن وضع حد لظاهرة الفساد ، كما عجزت عن محاسبة  ومساءلة أولئك الفاسدين ، مما أظهرها في الشارع الجماهيري على شكل الشيخ العجوز المريض ، أمام ذلك الشاب اليانع القوي ، فكيف يكون حالهم عندما يتحملون مسئولية مصير شعب بأكمله في داخل الوطن وخارجه ( من خلال رؤية حماس ).

 

حركة حماس لا تسمح بأن تنفرد حركة فتح في الساحة الفلسطينية من جديد ، كما كانت تنفرد من قبل ، كما أنها حريصة أشد الحرص على عدم استثمار دماء شهدائها لمصلحة المشروع السياسي المنبثق عن فتح ، لأن ذلك يعني إلغاء وجودها الفاعل والمؤثر على الساحة ، خاصة أن حماس أصبحت رقما صعبا لا يمكن شطبه ولا تجاوزه .

 

كل فصيل سيظل عقبة كأداء أمام الآخر، وليس من باب الاستهلاك أن تنطلق دعاوي الاجتثاث لحركة حماس ، والتصريحات الأمريكية حول ضرورة نزع أسلحة حماس باعتبارها حركة إرهابية ، وما أكدته حماس في تصريحاتها الأخيرة حول وجود مؤامرة لتصفيتها ، تتورط فيها قوى إقليمية ومحلية وفلسطينية .

فحكومة إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية تضغطان من أجل تحقيق هدفا استراتيجيا ، طالما حلموا به وهو تفكيك البنى التحتية للمقاومة ، وجمع أسلحتها .

 

لقد أعلنت إسرائيل في السابق تجميد عملياتها العسكرية ضد الفلسطينيين ، فما هو الثمن الذي سندفعه من وراء هذا الإعلان ؟ وهل جاء هذا الإعلان من فراغ ، أم أن له شروطه وارتباطاته ؟

 

إسرائيل رفضت منذ البداية مشاركة حماس في الانتخابات التشريعية، وقامت بتنفيذ ما أعلنت عنه ، حيث اعتقلت العشرات من مرشحين حماس ومن أعضاء المجلس التشريعي والفائزين في الانتخابات البلدية والقروية ، وإسرائيل تعرقل تحركات قادة حماس المنتخبين ديمقراطيا ، وتفرض الحصار ، وتقتل وتصادر ، وتعتقل وتهدم وتجرّف ، وتضغط بكل قوتها من أجل أن يبقى الملعب مفتوحا في لعبتها السياسية ولقد صرح دور فايسغلاس كبير مستشاري شارون  أن الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني بينهما تناغم في المصالح لم يكن من قبل !!!

 

إن الأحداث المؤسفة التي نشهدها بين الفينة والأخرى بين الفصيلين الأكبرين ، تقف من خلفها مجموعة تديرها بشكل مباشر وبذكاء  وتخطيط  ، لتأكيد ذلك التناغم الذي صرح به دور فايسغلاس ، كما جاءت بتوقيت متزامن مع تصريحات رايس في ظل عجز جميع القوى والشخصيات والفعاليات الوطنية ، عن إيقاف ما يجري ، فقد انعقدت لجان التحقيق بمطالبة من حسن خريشة ، وأبو النجا ، وقادة التنظيمات الفلسطينية الأخرى ، للتحقيق بما حدث في غزة ، وإظهار النتائج للعيان ، و تكون النتيجة كلام في الهواء ، واجتمعت لجنة المتابعة العليا للفصائل الفلسطينية مرات عديدة وناقشت ، ووقعت على مواثيق شرف كثيرة ، وكانت كلها مجرد حبر على ورق .

 

 أسرى الحرية في السجون يناشدون ، وكأن مناشدتهم فقاعات في الهواء ، ورابطة اللاجئين الفلسطينيين في أوروبا تطالب بوقف فوري للأحداث ، وتتدخل المخابرات المصرية لحل النزاعات المسلحة بين الطرفين من خلال الاتصالات واللقاءات التي يجريها الوفد المصري ، لم يُجدِ اتفاق مكة نفعا ، ولم تنجح الوساطة القطرية ، ولم تجد دعوات الفلسطينيين في الأقاليم لوقف الاقتتال آذانا صاغية ، وكأن شيئا من كل ذلك لم يحدث !!! .

 

 في الوقت الذي  يلتقي فيه مئات من المفكرين والعلماء والأكاديميين والسياسيين الإسرائيليين لمناقشة مستقبل إسرائيل سنة ( 2020 ) ليضعوا حلولا للمشاكل المتوقعة في الدولة ونحن يقتل بعضنا بعضا .

 

أيها السادة المتنفذون والمنتفعون ، ويا من تقفون وراء هذه العمليات المؤسفة : يبدو أن هموم الوطن والمواطن ، والدماء التي أُريقت على أيديكم قد هانت عليكم ، ومن الواضح أنكم لا تعيشون حقيقة الواقع بل إنكم تنظرون لشعبكم من خلال أبراجكم العاجية ومقاعدكم الإفرنجية ، وغاب عن تفكيركم أن الخسائر التي تكبدها الفلسطينيون في الأرواح والممتلكات خسارة كبرى يجب أن ندرك أبعادها جميعا ، إن كنتم نستطيع الإدراك .

 

 هل أنتم على قدر من الوعي والمسئولية التي تؤهلكم للتفكير أن عدوكم يتربص بكم ، ولا يغفل عنكم لحظة واحدة ، ويخطط جاهدا لتحقيق ما تم تحقيقه على أيديكم من دمار وقتل وتدمير، أيها الفدائيون الوطنيون الشرفاء .

 

تحريض واتهام ، وكل يضمر الحقد والكراهية للآخر ، ويحمله المسئولية ، والأجواء مشحونة بالتوتر ، فمتى تفهمون أن الشعب الفلسطيني ليس بردعة تركبونها ، وأنه قد بلغ الرشد منذ زمن طويل ، ولا يمكن أن يضحك عليه أحد .

 

بالله عليكم كيف يمكن لشعبكم أن يثق بكم ، ويسلمكم زمام القيادة والتحكم بمصير الأمة ؟

لقد افتقرتم إلى الحد الأدنى من المسئولية ، فهل تصل الأمور بنا نتيجة لهذا الافتقار إلى حرب أهلية بكل معانيها بين الأشقاء والجيران والأهل ، ومن الرابح فيها يا أصحاب الأدمغة الثورية !!! ؟

إن الاشتباكات التي تكررت بينكم ، تثبت أن الدم الفلسطيني هان عليكم ، ورخص ثمنه عندكم ، وأن الاعتبارات الفئوية والحزبية أعظم عندكم من اعتبارات مستقبل شعب محتل مشرد ، ووطن لا زال يثخنه الجراح .

اشتباكات مسجد فلسطين ، وحي الزيتون وبيت حانون ، وحي الصبرة وجحر الديك والشيخ رضوان ، وجباليا ومعسكر الشاطئ ، وأبراج المقوسي ، وأبراج النور والصالحي ، واعتلاء الأبراج والهجوم على المواقع ، واعتقالات وخطف ، أذاقت شبابنا أصناف العذاب .

 

امتلأت السجون في الحقبة السابقة من عمر السلطة بالمناضلين والأحرار ،  بتهمة انتماء الشرف و مقاومة العدو ، وسلموا الخلايا المقاتلة والفاعلة للمخابرات الاسرائلية ، وعلقوا عمل المؤسسات التي تقدم خدماتها للمواطن .

 

إن معالم المخططات المقبلة والتي تهدف إلى صياغة المنطقة من جديد ، تظهر بوضوح ، فليس من  باب المصادفة أن يتعرض حزب الله في لبنان لهجمة إعلامية سياسية عسكرية شرسة ، تطالب بسحب سلاحه وتحويله إلى حزب سياسي ،  كما ليس مصادفة أن نسمع دعاوي تهجير الفلسطينيين إلى كندا واستراليا ومناطق أوروبا ومنهم من يدعو إلى ترحيلهم بالقوة أو قتلهم ، ودعاوي توطين اللاجئين الفلسطينيين في أماكن سكناهم ، وتسييس العملية التعليمية والإعلامية في النظام العربي الرسمي  ، و الهجمة الشرسة التي تتعرض لها قوى المقاومة هنا في فلسطين ، من خلال الفلتان الأمني على أيدي فئة منتفعة ضالة خارجة عن الصف الوطني ، وأصوات داعية إلى جمع سلاح المقاومة ، وتفكيك بنيتها وافتعال الاقتتال معها .

 

إنني أؤكد حقيقة أن المؤامرة على شعبنا بانت معالمها واضحة لا تحتاج إلى دليل ، وإنني أحذر كل أولئك الذين يلعبون في النار ، أن افتعالهم للأحداث لا يصب بمصالحهم ، وأن الأيدي التي تلعب في النار لا بد من أن تحرق أصحابها ، وأن أرضنا مقدسة بقدسية تجعلها تكشف عن أماكن خفافيش الظلام .

 

 د.أ.د

 

 

 

 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home