قصة

 

سارق النور

العباس الفراسي



سارق النور

 

العباس الفراسي

 استوى  سارق النور على ظهره منتشيا بآخر قطرة من كاس المدام ، جبينه الفاحم ينز عرقا, وأصابعه بالكاد تلتئمان على القنينة الفارغة, اشتم رائحتها التي اختلطت مع نتانة إبطيه, أطفأ المصباح وألقى بالقنينة بعيدا عنه, ثم انطلق شخيره يملأ الحجرة المعتمة.

 

في نفس الليلة كان الطفل مسعود في المشفى مستلقيا على سريره, يعيش ظلاما دامسا, كان الضماد يملأ محجري عينيه. للتو استفاق, ولا يزال مفعول المخدر يربك حركة يديه النحيلتين, لا أحد يؤنسه في وحدته غير دقات الساعة الكبيرة المعلقة على الجدار, فهي آخر ما احتفظت به ذاكرته الصغيرة قبل ان يدخل غرفة العمليات. هو أيضا وجه وردة ذو ابتسامة بريئة, لا زال يتذكره, فتاة قروية في عمر الزهور, رمت بها الأقدار هنا بعد معاناة مع المرض, لا يعرف كيف حالها الآن, وهل سيستطيع رؤيتها بعينيه مرة أخرى, أم انه سيفقد نورهما إلى الأبد.

اشتعل الحي بالصراخ والعويل, خرج الجميع إلى الشارع, أم مسعود تبكي, أخوه الصغير يصرخ, الجيران يملأ ون البيت صخبا.

ماذا هناك يا أم مسعود؟ ماذا حدث؟

الفتيات ينظرن من الأسطح ورؤوس تشرئب من النوافذ, عيون تسترق النظر بفضول, همهمات هنا وهناك, كلام خافت, مسعود قتل‼ مسعود خطف, مسعود سرق مسعود مات.

 

 يا عالم اسمعوا انتقموا لمسعود, أهدروا دم من تجرأ على مسعود, التفت الجمع جهة المنادي, كان الصوت ينبعث من قرب الحديقة, من خلف كوخ سارق النور, هرول الكل إلى هناك , كسروا الباب الأزرق الحديدي, وجدوا سارق النور نائما, وكزوه بقوة, لم يشأ الاستيقاظ, ضربوه لم يشأ الإجابة ,كان ممددا على بطنه, ورائحته الكريهة تزكم الأنوف, قلبوه على ظهره, ترنح فجأة و انطلق في نوبة هستيرية من الضحك, ثم صرخ كخنزير جريح, انا لم اقتل أحدا لم أجهز على مسعود أنا سرقت نظارتيه الجميلتين فقط, استوليت عليهما لاشتري النبيذ.

 لن أخفيكم قولا أنني حينها نسيت كل شيء, نسيت المبادئ نسيت القيم نسيت الأفكار التي قرأتها في الكراس أياما خلت,.... ربما لأني أصبحت مدمنا على الشراب على بيع الذمم على نهش لحم الرفاق, استرخصت مسعودا.

 لم تكن خطيئتي هي الأولى, أبونا آدم كان أول الخطاءين, يهوذا الاسخريوطي خان المسيح قبل صيحة الديك, انا لست آدم ولست يهوذا ولست آخر من خان او سرق.

 

 اندهش الجميع لونه الاسود تغير اصبح ابيضا ناصعا كالثلج, انتفض كشاة مذبوحة, نقلوه الى الساحة الشرفية, قبالة المحكمة, نظر اليه أحد الصبية مشدوها, سال امه من يكون هذا المخلوق؟

قالت وهي تجر طفلها من تلابيبه, انه سارق مسعود يا بني, عفوا سارق النور.

في الطابق العلوي من المستشفى, كان مسعود يضحك وهو يمسك بأنامل وردة ويلعبان ويشربان اللبن.




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home