القلم العلمي

 

العقلية العربية ..التطور والثبات

عبدالله أحمد الباكري



 

العقلية العربية 0000التطور والثبات

عبدالله الباكري

 

كانت اليابان تعيش إلى منتصف القرن التاسع عشر في حالة عزلة تامة عن العالم وانقطاع كامل على خارجها بينما كانت مدينة مثل عدن تطل على العالم كله في ذلك الوقت ومعروفة لأغلب تجار ورجال العالم أجمع ، حيث كانت السفن والبضائع العالمية تصل وتغادر عدن بشكل مكثف ومستمر يوميا مما أهلها لتكون ثالث أكبر ميناء في العالم بعد نيويورك وليفربول وسأترك للقارئ الكريم فرصة المقارنة بين وضعها السابق والحالي !!!

 

إن من أهم ما يثير التساؤل لدى الباحثين ويضع علامات التعجب على وجوههم بل ويثير الدهشة والإستغراب فيهم أن ميناء عدن ظل الثالث بين موانئ العالم منذ منتصف القرن الثامن عشر وحتى يوم الإستقلال إذ هبط ترتيبه عالميا بمجرد تسلم الإدارة اليمنية مقاليد الأمر والنهي فيه إلى المرتبة الثالثة والستين ثم عاد وهبط إلى ما فوق التسعين بعد الوحدة بالرغم من أن الموقع يعد الأفضل حيوية واستراتيجية على مستوى العالم 0

 

كثير من الناس ومن المتابعين يتوهم بأن الإستقلال هو السبب أو أن الوحدة وراء هذا التدهور ، ولكن الحقائق التي تظهر بعد التدقيق والفحص تؤكد أن العقلية العربية وراء هذا الخلل فموانئ عربية أخرى قد هبطت مراتبها هي الاخرى بعد الإستقلال كالإسكندرية واللاذقية وغيرهما والسبب الجامع لهذه التدهورات يكمن في خلل العقلية العربية وعجزها عن الإدارة الفاعلة وفشلها في حسن التعامل مع الآخرين وذلك لأنها استوردت نظم التفكير والمعيشة من بيئتها التي تتوجس من الغير وتلقي التهم وتنزه ذاتها عن الخطأ والزلل فالعقلية العربية كل منحت المزيد من الصلاحيات والسيادة كلما أمعنت في الفشل الذاتي والتجني على الغير وإقصاء المخالف في الرأي ونفي الوطنية عنه مما يفاقم الوضع سوءا ويزيده تخلفا 0

 

دخلت اليابان عصر الإصلاحات بكل ما أوتيت من قوة وإرادة ما بين الاعوام ( 1868 – 1920م ) ونجحت في ذلك رغم تخلفها نسبيا عن بقية العالم المتحضر إلا أنها استطاعت النجاح وتمكنت من التفوق بسبب أنها انتهجت الشفافية الصادقة  بين الحاكم والمحكوم واستقدمت جميع النظم الحديثة التي ابتكرها الغرب المتحضر في تطوير حياته والاهم من ذلك أنها لم تتخلى عن ثقافتها وهويتها أما عقليتنا العربية فقد كانت وما زالت تتوجس من الآخر وتفكر بنظرية ( المؤامرات ) وتستخدم وتسخر إعلامها وغثاء الناس في دعم هذا التوجه الذي أثبت فشله على مر التاريخ 0

 

فمن النظور النقدي الحديث نستطيع القول بأن العرب لن  يستطيعوا القيام بأي نهضة حقيقية شاملة لأن المسألة ليست إمكانيات بالدرجة الأولى والدليل ( دول الخليج العربي ما زالت متخلفة ) بقدر ما هي مسألة ( استيعاب للحضارة ) ومسألة الإستيعاب تتطلب عقول واعية ومدركة بالوضع العالمي ومتابعة للشؤون الدولية أي تتطلب العقلية العالمية التي تتعامل معها الشعوب والدول المتحضرة  وليس العقلية المحلية التي نحتكم إليها في بلداننا وما زالنا نستخدمها في العلاقات الدولية ، إننا نحن العرب كما يقول أحد المفكرين " نعيش خارج التاريخ بل إننا نعرقل حركة التاريخ لأننا نفكر بعقلية ما قبل التاريخ " لأن الوضع الاهم يتطلب منا تربية الاجيال القادمة على أنماط حديثة توفر لهم مساحات من الحرية والإبداع وان نزرع في بيئتنا المحلية وحتى على مستوى الاسرة مسألة النقد والنقد المضاد ونقوم بتغيير مناهج التعليم التي تتأسس على التلقين والإجترار والحفظ ونستبدلها بالمناهج اليابانية والامريكية ( باللغة العربية طبعا ) التي تعتمد على الشغف العلمي وحب البحث وتقديس العمل وتقدير الوقت ورفض الخداع والصفات الرذيلة  وخلق السمات والأخلاق الحميدة واعتقد أن هذه التربية لو تفعلت كما هو حاصل لدى الثقافات العالمية الاخرى  سيحصل للجيل الناشيء فهم حقيقي للقرآن الكريم وتطبيق فعلي لسلوكه وممارسة حقيقية لمعانيه حتى انهم سيتفوقوا على أقرانهم من الأمم الاخرى لأنهم سيكونون  بالفعل ( خير أمة أخرجت للناس ) 0   




  أرشيف القلم العلمي

اطبع الموضوع  

Home