قصة

 

عيد ميلاد

محمد ابراهيم محمد عمر



سأحتفل اليوم بعيد ميلادي.. سأحتفل بذلك رغم أنف الجميع.. وقد نصحني بعضهم بأن لا أفعل ذلك.. هذه المرة الأولي التي سأحتفل فيها بعيد ميلادي.. لقد مضت سنوات عمري السابقة دون أن إحتفل بهذه المناسبة.. ولم تكن ظروفي المادية تسمح بذلك.. ولا محيطي الإجتماعي كان يهتم بذلك.. ولكن في الفترة الاخيرة تغيرت أشياء كثيرة في المجتمع.. وقد طرأت زيادة طفيفة براتبي.. وخشية أن أنعت بالبخل.. أو أوصف بالتخلف.. ومواكبةً مني لروح العصر.. قررت أن أحتفل اليوم – السابع من مارس – بعيد ميلادي.. وذلك لأول مرة في حياتي.. أعددت كل شئ.. بدءاً من تهيئة البيت للمناسبة السعيدة.. وحتي تجهيز التورتة الكبيرة.. وكذلك الشموع الملونة.. وقد صار كل شئ معداً للإحتفال.. وكنت قد أخبرت أصدقائي وشددت عليهم في الدعوة.. فوعدوني بالحضور..

      أقبل المساء.. داخلني إحساس بأنني إنسان مهم ورقم لايمكن تجاوزه.. أحسست بذلك وأنا أحصي الكراسي البالغ عددها ثلاثون كرسياً.. وقد إستعرتها من بعض جيرتي.. لقد صار المسرح أعني البيت معداً للمناسبة الهامة.. وهأنذا في كامل إستعدادي لتلقي الهدايا وتهنئة الأصدقاء.. الآن بدأت أدرك معني أن يحتفل الإنسان بعيد ميلاده ..


      أشارت عقارب الساعة إلي التاسعة مساء.. ولم يحضر أحد !!.. بدأت أقلق.. ولكن بددت قلقي بإبتكار أعذار لتأخر أصدقائي.. وخاصة أولئك الذي يقطنون بعيداً عن مسكني هذا.. وإن ظروف الطريق قد تأخر الشخص ساعة أحياناً عن موعده.. ولكن ماسبب تأخر اولئك الذين يقطنون قريباً من مسكني؟!.. أن اغلب اولئك الذين يسكنون علي مقربة من سكني متزوجون.. وان للمتزوجين ظروفهم الخاصة.. إن اولئك الرجال المتزوجون لايمكن للمرء أن يثق بوعودهم ودقة مواعيدهم.. إذ أن مثل هذا الحضور إلي مناسبة كهذه يحتاج إلى خروج من البيت بعد ساعات العمل الرسمية.. وذلك الخروج يحتاج إلى إذن مسبق من الزوجة.. وغالباً مايكون هذا الإذن مقروناً بتهديد صارم.. ويكون محدداً بوقت معين( من- الي).. بدقة واضحة لا تقبل التأويل.. هذا طبعاً إذا كانت الفرصة مواتية.. وإلا فإن الزوج سيتودد لمانح الإذن.. زوجته.. بكل السبل بدءاً من كلمات الغزل الرقيقة التي لم يستعملها منذ عشرة سنوات مروراً بالقبل المتلهبة.. وتقديم وعود معسولة بهدايا لأعياد ومناسبات لم يحن وقتها بعد.. سيصيبها_ زوجته_ الغرور.. تصم أذنيها عن سماع كلماته وغزله الرقيق.. وعن وعوده المعسولة والمفرحة.. ستصد عن قبلاته المتلهبة ببرود.. بل أن هذه الجرعة المضاعفة من الحب ستزيدها شكاً وهي متشككة أصلاً.. إذ تنفق يومها في تفتيش جيوب ملابسه.. وحتي ورق أعماله..اذ أنها تعتقد ان ينسي الغبي دليلاً خلفه..


      بقايا أحمر شفاه مثلاً.. أو منديلاً نسائياً مطرزاً.. أو ربما رقم هاتف محبوبته الخفية.. إذ لا توجد جريمة كاملة.. أنها ترى أن جريمة الخيانة الزوجية لا تقل عن جريمة القتل.. لأن الأمر يتعلق بقتل قلب مفعم بالحب والرومانسية.. حينها ربما يغيظ الزوج تجاهل زوجته له.. ولكن يكتم غيظه..لأنه يعلم أن مثل هذا المشكل يجب أن يحل بهدوء.. ثم إن الوقت لايسمح بالشجار والمناقشة الساخنة.. يحاول أن يتجاهل تجاهلها له.. تشغل نفسها - وهي ممسكة بيدها جهاز التحكم عن بعد- بتصفح القنوات الفضائية.. بل تحاول أن تبدو مندمجة مع مايعرض عليها.. فيستغل الزوج المناسبة.. مناسبة توقفها عند هذه القناة الفضائية بالذات.. يثني علي إختيارها.. وأنها دائماً ماتجيد الاختيار.. وأنه سعيد الحظ إذ منحه الله زوجة تجيد الاختيار في كل شئ.. ويثني أيضاً علي دقة توقيتها الذي إختارت فيه التوقف عند هذه القناة الفضائية.. ويثني كذلك علي حسها الفني الموجه وحسن إختيارها هذا الفلم الاجتماعي التربوي الهادف.. وستتجاهل زوجته كل ذلك.. وسيفطن إلى سذاجة السبل- المراهقية – التي مازال يتبعها مع زوجته.. وسيبدو له كل ذلك سخيفاً.. سيفكر .. وسوف يهديه تفكيره إلى ان الحب بعد عشرة سنوات من الزواج يجب أن يتخذ طابعاً عملياً وقد مضي ذلك الجانب الرومانسي الحالم منه.. يشرع في تنفيذ ذلك عملياً.. يحمل أطفاله إلى الحمام.. يغسل أطفاله بإتقان.. ثم يغير لهم ملابسهم.. يشد عليهم حفاظاتهم ويلبسهم ملابس النوم.. إذ أن الاعمال المنزلية تثقل كاهل زوجته.. يجمع أواني طعام الغداء والتي لم تغسل بعد مع أن الساعة تشير إلى التاسعة مساء.. يجمع الأواني ثم يشرع في غسيلها وتلميعها.. لاشك أن ذلك سيعجب زوجته.. وسترضي عنه بسبب هذه المساعدة الزوجية الفاعلة.. وتسمح له بالخروج.. علي ذكر الخروج.. يلقي نظرة علي الساعة التي علي معصمه.. يفطن إلي أنه لم يخلعها أثناء الغسيل مع أن ذلك قد يعرضها للتلف.. يلقي عليها نظرة.. يجدها تشير إلي الحادية عشرة مساء.. يجد أن الوقت قد مضي.. وأن كل جهوده قد ذهبت سدي.. يترك بعض الأواني لم تغسل بعد.. ينفض يديه اللتين بدأتا تتجعدان من الغسيل.. يذهب إلي فراشه غاضباً ..


      ولذلك أحمد الله كثيراً علي أنني لم أتزوج بعد.. بالرغم من أن الرغبة في الزواج موجودة.. وأن الظروف المادية هي التي تحول دون ذلك.. وقد كان هذا البيت يحوي يوماً ما أربعة رجال غير متزوجين.. بما فيهم انا طبعاً.. وقد كانوا ذوي عقول نيرة.. وقد تفتقت عقولهم ذات يوم علي معاهدة.. معاهدة عدم الزواج.. وذلك إحتجاجاً علي الظروف المادية والاوضاع المتردية.. ونسبة لغلاء المهور.. وعدم تفهم أولياء الأمور هذه الاسباب التي تحول دون إتمام الزواج.. بالرغم من أن المعاهدة لم تكن مكتوبة.. ولم يبصم عليها أحد بإبهامه ..أو يوقع بالأحرف الأولي من إسمه.. تقيدوا بها لفترة طويلة.. بل قرروا أن يدعو جميع الشباب للإنضواء تحت مظلتها.. بعد فترة تحسنت ظروفهم المادية.. وبدأ الإخلاص للتقيد بالمعاهدة يتلاشي.. والرغبة في خرقها تكبر.. حتي خرقها أكبر هم سنا.. وقد إكتشف أن عمره قد بلغ الأربعين.. بل إكتشف بأنه لم يتبقي من شعر رأسه سوي بعض الشعيرات في ركن منزوي من رأسه علي شكل شارب متواضع.. خرق المعاهدة.. تزوج.. ترك لنا سريره خالياً.. وقد كان الثاني – بترتيب سنوات العمر- ينتظر فرصة كهذه لخرق المعاهدة .. بل كان متعطشاً إلى ذلك.. لولا أنه يحتاج إلى مبرر اخلاقي لخرق المعاهدة.. وقد وجده .. خرقها هو أيضاً .. تزوج وترك لنا سريره خالياً.. تبقي الرجل الثالث وأنا!.. وقد أحسست بأن لديه رغبة صادقة في الزواج بل خرق المعاهدة.. ولولا أنه يشفق علي.. من الوحدة.. لتزوج وتركني.. وقد تبدي ذلك من جمعه لأثاثات ومتطلبات الزواج.. وكذلك مبيته خارج البيت قد صار كثيراً.. بل صار يبتعد عني بل ويخرج من البيت عندما يرن جرس هاتفه -المحمول- منبهاً بوجود مكالمة واردة.. وقد كان فيما مضي يرد علي مكالماته بحضوري.. حين ذلك بدأت أشعر بالذنب الذي إرتكبته بحقه.. إذ أنني صرت أحول بينه وبين الزواج.. أخبرته بلهجة مهذبة ومحايدة.. وأفهمته بأنني لا مانع لدي من أن يتزوج.. وأنني لن أعتب عليه لذلك.. وأنه في حل عن المعاهدة التي خرقها الرجلان الآخران قبله.. وقد منحته درساً مجانياً عن المعاهدات والمواثيق.. وكيف أنها تفقد أهميتها بفقدها النصاب المحدد لإستمرارها.. وكيف أن معاهدتنا تلك فقدت نصاب الأكثرية الذي يضمن إستمرارية التقيد بها.. وذلك بخروج صديقينا الاخرين منها سلفاً.. يبدو أنه كان ينتظر ذلك.. وقد انتظر طويلاً.. غادرني في ذات اليوم وقد جمع أغراضه المعدة مسبقاً للزواج .. وقد تزوج.. وترك سريره خالياً أيضاً.. تبقيت أنا وسريري وثلاثة أسرة خالية لقد صرت الوحيد الذي تبرأ من خرق المعاهدة.. وأنا في حل منها.. ومع ذلك أتقيد بها رغم أنفي.. إذ أن ظروفي المادية لم تسمح بالزواج بعد ..


      لم أعد أراهم من ذلك اليوم إلا نادراً.. وعن طريق الصدفة.. وقد طرأ عليهم التغير.. لم يعودوا أولئك الشباب الذين يهتمون بمظرهم وأناقتهم.. بل كان بعضهم يحسدني علي حياتي هذه.. وقد كنت أشفق عليهم عندما يتندرون ويرون عن حياتهم الزوجية.. وقد كنت أحياناً أتعمد إستفزازهم.. إذ أذكر لهم بأنني إنسان حر لايقيد حريتي أحد.. أذهب إلى البيت متي أشاء.. وأنفق من الوقت والمال ما أشاء.. وأنام وقت أشاء.. لا أحد يحاسبني علي أفعالي وتصرفاتي.. ولا أقدم قائمة بتحركاتي وأقوالي لأحد.. بل لا أحد يسألني عن سبب تأخيري.. ولا أحد يشك في إحمرار شفتي ويصر علي إتهامي.. ولست مطالباً حينها بالقسم المغلظ.. ولا أخضع لعملية التأكد من هذا الاحمرار بأن يتذوقه أحد.. ثم يكشف فيما بعد بانه بسبب تناولي بعض الحلوي الملونة.. كما أنني أضمن بحريتي الحرية لها تفى المحمول.. إذ أنني لست مضطراً لمسح بعض الرسائل التي ترسل إلي.. ولن يتعرض هاتفي لتفتيش مفاجئ من أحد بين كل فترة وأخري.. ولست مطالباً بوضعه- هاتفي المحمول- في متناول يد أحد إدعاءاً للنزاهة والشفافية.. فيزداد حينها حسدهم لي علي هذه الحرية المطلقة.. إلا أن لهذه الحرية بعض المساوئ.. أنني بلغت الأربعين من عمري ولم أتزوج بعد.. الإحساس بالوحدة يجثم علي قلبي فيذيدني إكتئاباً وحزناً.. وقد بدأ الأصدقاء ينسلون من حياتي القاحلة التي لا تروق أحد.. لا زوجه تشاركني أفراحي ومسراتي.. مللت من العودة المتأخرة ليلاً.. وقد طال شوقي لزوجة تنتظرني ثم تعاتبني وتغضب لعودتي المتأخرة.. سيجعلني ذلك العتاب والغضب أحس بأن هنالك من يهمه ويقلقه تأخيري.. لولا الظروف المادية الحرجة لتزوجت الآن وتنازلت عن تلك الحرية المغشوشة طائعاً.....


      صدم قدمي- من الإنفعال- أحد أطراف المائدة.. أهتزت لذلك.. سقطت منها الشموع علي الأرض.. رفعتها ووضعتها في مكانها علي المائدة.. ألقيت نظرة علي الساعة الحائطية.. وجدتها تشير إلى الحادية عشرة مساءاً.. ولا أحد حضر من المدعويين !.. ولا احد .. من المدعويين كلف نفسه مشقة الاعتذار بالاتصال علي هاتفي المحمول !!.. علي ذكر الهاتف.. أخرجت هاتفي المحمول من جيب القميص.. وجدته في وضع صامت #.. وقد كنت أخترت له هذه الوضع عندما ذهبت إلى المسجد لأداء صلاة العشاء.. وجدت علي شاشة الهاتف ثلاثين رسالة نصية !.. بعدد المدعويين.. قد كان محتوي الرسائل متشابهاً.. من نوع آسف لايمكنني الحضور.. وقد غضبت لذلك غضباً شديداً !..


      هممت بدهس الشموع بقدمي.. والقذف بإناء التورتة والتورتة علي الحائط.. ولكن تراجعت عن ذلك بصعوبة.. وهدأت غضبي.. ماذنب هذه الشموع- التي ستدهس بالقدم- وقد كانت علي إستعداد وأريحية تامة علي الإحتراق من أجل الإحتفال بعيد ميلادي !..


      وماذنب هذه التورتة حتي يضرب بها الحائط.. وقد كانت علي إستعداد وكرم علي أن تجود بنفسها لإلتهامها بمناسبة عيد ميلادي !.. بل ماذنب راتبي الذي أنفقته علي شراء الشموع والتورتة ومستلزمات الإحتفال.. حتي يذهب سدى !!.. بل ماذنبي أنا – صاحب المرتب المغلوب علي أمره والمنفق علي شراء كل هذه الاشياء – حتي أغضب وأفعل براتبي كل ذلك !!!.. كل ذلك لأن بعض الأصدقاء لايقيمون وزناً للدعوة !.. أو لم تسمح لهم زواجاتهم بالخروج !!.. ربما لست مهماً.. أو ربما لايقيمون وزناً لحريتهم الشخصية والمشاركة في مناسبات أصدقائهم.. أعتقد أن السبب الأخير مناسباً ولكن الأول مستحيل !.. إذ أن الرجل الذي يحتفظ بحريته أربعين عاماً.. لا يقل منزلة عن اولئك الذين يمنحون وسام الجمهورية .. جمعت الشموع وقد إستعدت هدوءي.. ستكون مفيدة أثناء قطوعات الكهرباء.. قضمت من التورتة.. ثم وضعتها بإنائها داخل المبرد.. ستكون مفيدة جداً بإلتهامها مع شاي الصباح.. أغلقت بابي.. أويت إلي فراشي.. ثم سحبت الغطاء لرأسي.. ولم أنس أن أقول لنفسي :


      عيد ميلاد سعيد يا (.................. ) ...لاداعى لذكر أسماء..اذ لاأحد يقيم وزنا لذلك.





  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home