قصة

 

بقايا كسرة خبز يابس

رضوان بسداون السوسي



بقايا كسرة الخبز اليابس

 

   بالأمس القريب كانوا يجلسون في حرج شجرة السنديان وراء دور الصفيح، هناك كان الزمن يخاطبهم بلغة فجة سكتوا جميعا حتى رحل ، فتنهدوا.

   كنت واقفا قريبا من بيت قصديري استمع إلى كلامهم، ألقيت التحية فنظر إلي شاب نظر المقلوب إلى منجده وقد سمعت له زفيرا كزفير الثور حين يطعن غدرا في ساحة الفرجة.

 سألته عن كلام الزمن له وخطابه الفج..

رفع رأسه وقال : " ولدت فيه خطأُ ،مات والدي قبل أن ابلغ الخامسة من عمري فأتت بنا أمي إلى هذه الأرض لنستجدي بها كسرات الخبز اليابسة... في احد أيام الحصاد بلغ عمري الخامسة عشر قررت العمل فطلقت الدراسة ثلاثا، فحملتني الأقدار إلى الميناء ، هناك تعرفت على أناس تجرعت منهم المرارة، كان اسمي "سعيد" فصاروا منذ ذلك الحين ينادونني" علقم" فذقت علقم الحياة و مرارتها، خرجت من الميناء كخروج الأسير من سجنه تاركا خلفي الخزي و الضغينة و العار، جئت بيت أمي ملاذ الحنان و العطف وأنا عالم ما سيقوله الناس لكن مشيئة الخالق لم تجعلني أضحوكة و لم تأمرني بأن اقطع جناحي بيدي وأرتمي على النار لأحترق.

سكت الشاب ثم عاد يقول بهدوء:" هذا هو البيت الذي لم ارض أن اتركه... هذه هي الصخرة التي كنت اجلس عليها و أنا انظر إلى أمي العاجزة وهي تغسل بقايا ملابسنا.. هذه هي كومة الزبالة التي كانت ملاذنا الجميل أبدعت فيه عقولنا، وأخرجنا من علب السردين سيارات فاخرة، ومن قطع القصب و بقايا القماش عرائس جميلة.. هذه هي العربة التي كنا نستسقي بها الماء من صنابير جاد بها علينا أحبتنا ذووا القصور الفارهة.

 هذه هي الجنة التي عشت بها حتى بلغت قمة سعادتي و لو جاء الموت و اختطفني الآن لوقفت روحي أمام العرش الأعلى بلا خوف و لا وجل ، بل بفرح و أمل... فانا بطل كره الخزي و العار ... حياة نقية كالثلج الابيض، و الذنب الذي ارتكبته أنني انتظرت.. فأنا لم أفعل غير المشيئة اللاهية... هذه حكايتي ، يحسبها سكان الجنان لعنة في فم الحياة... أعلنها احتجاجا أمام السماء ... لن أبقى عبدا لشريعة الزمن الفاسد.. سأتحرر من هذه الحياة... ولن أحدق بعد الآن في أحلامي السعيدة ... أرادني الزمن بائسا ، سأكون كذلك ...لن ادع جسدي بين الأشواك و لدغات الأفاعي لن اتركه أضحوكة       " لسوداوي القفا" أنا سأتحرر .. أنا سأموت.

 انسحبت ببطء وودعتهم بغير الكلام حتى لا أظهر تأثيرات نفسي.

 ذات مساء ، أردت أن اتخذ لنفسي موضعا بينهم قائلا لذاتي مستفتيا أخبارهم وباحثا ومستقصيا حالتهم.

جاءني النبأ كالصاعقة ..." سعيد" أو" علقم" مات..كيف ذلك ..بضغطة زر.

 احتبست أنفاسي.. وراح ذهني ينشغل بمعرفة رأي الآخر فيه... حرم علي السؤال.. استفهمت كومة الزبالة (الأحلام) من هو المجرم ومن هو البريء ؟ الزمن أو علقم أو سوداوي القفا؟

 

رضوان بسداون السوسي




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home