القلم النقدي

 

نقد أدب الأطفال -عدلي عبد السلام نموذجا

د أميمة منير جادو



قراءات في بعض نتاج أدب الأطفال

(عدلي عبد السلام – نموذجاً )

دراسة  د / أميمة منيرجادو

 

يُعَدُّ عدلي عبد السلام واحد من هؤلاء الكتاب المثقفين القلائل الذين جمعوا بين الإبداع والنقد في عدة مجالات (المسرح- السينما-الأدب-أدب الأطفال) فضلاً عن الترجمة فهو خريج كلية الألسن- إيطالي ،لذا فقد ترجم العديد من القصص من وإلى اللغة الإيطالية خاصة بجانب اللغة الإنجليزية .

ولعل ثقافته المتنوعة أَثْرَت وأثَّرَت في نتاجه الأدبي الإبداعي والنقدي معاً وقد نشر له الكثير مما كتبه في الجرائد والمجلات وعبر الإذاعة والتلفاز لكنه في رأينا لم ينل حقه من الشهرة التي تنبغي له ، ربما لأنه لم يسع لا للأضواء ولا للشهرة رغم عمله في الرقابة الصحافية – قبل خروجه للمعاش - وفي الإخراج المسرحي ورغم علاقاته الواسعة بالأدباء والمثقفين ورغم تواجده في المحافل الأدبية والمسرحية والسينمائية ومنتديات الحوار المختلفة ومناقشاته التي تنطوي على ثقافة واسعة .

ومن أشهر ما نشره عدلي عبد السلام للأطفال هو القصر المهجور وأشباح آخر شقاوة وأرنوب المغرور وعجائب وطرائف ومجموعة كبيرة من القصص المترجمة التي نشرت متفرقة في جرائد ومجلات متنوعة .

وعلى الرغم مما يتميز به كاتبنا من ثقافة واسعة رفيعة بحكم الدراسة والهواية والخبرة معاً إلا أنه لم يكن دءوباً  كغيره من أنصاف المثقفين وأنصاف الموهوبين الذين كانوا أكثر متابعة ودأباً وإلحاحاً على النشر وبالتالي أكثر حظاً منه رغم أنه يفوقهم ثقافة وخبرة وفهماً وإنتاجاً مكدساً بأدراجه مثله مثل الكثير ممن لا يسعون إلى الأضواء ولا يلحون على المسئولين في مواقع النشر ولا ينتمون إلى الشلل والروابط النفعية المعروفة فهو كاتب ليبرالي حر يتمسك بكرامته ويعض عليها بالنواجذ طيلة عمره وله مواقفه المشهودة من بعض خصومه والحاقدين عليه ممن هم دونه . ولعل حماسي للكاتب مبعثه الوحيد أنني شاهد عصر على مرحلة طويلة من زمنه وشاهد عصر على متابعته ثقافياً وفنياً ، لذا أرجو ألا يعول على حديثي أني ذكرت ما ذكرت من قِبل المحاباة أو التحيز بل من قبل التميز الذي يتمتع به كاتبنا.

والآن بين أيدينا قصة بعنوان (أرنوب المغرور) للكاتب عدلي عبد السلام صدرت عن الهيئة العامة المصرية للكتاب سنة 2007 للأطفال في عمر مابين (7:10) سنوات ، وهي تقع في عشر صفحات من القطع الكبير ورسوم رمزي مجاهد المخرج والرسام المتميز .

*  فكرة القصة :

تدور فكرتها الرئيسة حول (عاقبة الغرور) والتي وردت بالنص منذ البداية كقيمة واضحة ومباشرة (مَطَّت البطة منقارها في أسف لأنها تعرف نهاية كل مغرور) ص3

* ملخص القصة :

أما ملخص القصة فهو يحكي عن أرنوب المغرور المعجب جداً بنفسه ويختال في مشيته متعالياً عن كل من حوله بما فيهم بندقية الصياد ، ولا يستمع لنصح أحد من أصدقاء الغابة مثل البطة والببغاء والعصفورة ، وبالتالي فقد أصابته فعلاً رصاصة الصياد ومات وبذلك يكون قد لقي جزاءغروره و رفضه النصيحة  وتكبره وتعاليه عمن حوله ، وبذلك يلقى كل مغرور جزاءه .

* نوع القصة :

يلاحظ أن القصة تنتمي إلى أدب الأطفال الرمزي الذي يتخذ من عالم الحيوانات والطيور مسرحاً للأحداث وهو عالم محبب للأطفال ، كما وردت القصة في سياق حكي بسيط سهل يناسب عمر أطفال هذه المرحلة ويرافقها رسوم واضحة جميلة معبرة عن أرنوب في حالاته المختلفة ( الخيلاء والغرور – رفض النصح- نهايته المحتومة ) .

* مكان القصة :

القصة تدور في الغابة وتعتمد على الرمز وحيث عالم الطيور والحيوانات المحببة للطفل وهي من الأنواع الأليفة المستأنسة التي يشاهدها في بيئته ويعرفها عن قرب فكل الأطفال يعرف الأرنب والبطة والعصفورة والببغاء وبالتالي فليس هناك حيوان أو طير غريب على الطفل ومن من الأطفال لا يراه في بيئته إن كان من أبناء المدن فعلى الأقل شاهده عند أصدقاءه أو أقاربه وجيرانه أو حتى في التلفاز

*  أسلوب القصة :

يلاحظ أيضاً على الأسلوب خلوه من الكلمات الصعبة والغامضة التي تبعد الطفل عن حالة الانجذاب القرائي أي حتى لا يمل الطفل القراءة ويستمتع بالقصة فقد جاءت مناسبة وسهلة للغاية مشوقة جذابة . ويعتمد الحكي على استنطاق الحيوان والطير أو أنسنتهم وهو مناسب جدا لطفل هذه المرحلة الذي يحب اللعب الإيهامي ويجد فيه متعته الكبرى فهو يكلم كل من حوله ويجري معهم حوارات ويتخيل أنهم يردون عليه ويكلمونه وبالتالي يسمعهم حيث اللغة اللامرئية التي تتجاوز الزمان والمكان عند الطفل في لعبه الخيالي فهو يتقمص أدوار ويعيشها معهم والعكس صحيح لذا فإن القصص التي تدور في عالم الحيوان والطيور تلقى في نفسه متعة وصدى وتأثيراً .

 

·        القيم والمضمون التربوي في القصة :

 

تنتمي هذه القصة إلى القصص الأخلاقية أو التي تبث قيمة ذات مغزى أخلاقي وديني في نفس الوقت وهي ( نبذ الغرور) وفي مقابلها تأتي قيمة التواضع بشكل ضمني ، وتعد هي القيمة الرئيسة والمحركة للنص .

 

وردت قيمة الغرور بشكل مباشر وصريح عبر النص القصير أربع مرات بأسلوب تقريري دونما أي التباس أو غموض وذلك لتأكيد القيمة التربوية المغايرة المرجوة عبر القص ، فنقرأ :

( لأنها تعرف نهاية كل مغرور) ص3

( لكن أرنوب استهتر بكلام البطة وقال في غرور ...) ًص 8 .

( قالت الببغاء : يالك من مغرور يا أرنوب ) ص9 .

( ولم تستطع الببغاء السكوت فقالت له : هذا جزاء الغرور) ص10 .

كما وردت نفس الفكرة بشكل ضمني في النص في موقف الببغاء الساخر منه بشتمها لأرنوب : ( أبوك السقا مات ...) ص 4 .

وفي استسلام البطة لرفض أرنوب الاستماع للنصيحة فتركته ومضيت عنه لتختبئ من رصاص الصياد لتحمي نفسها ولتربي صغارها ( قالت البطة : لقد خلصت ضميري وأخبرتك والآن أتركني لأختبئ فمن سيربي صغاري من بعدي ؟ ) ص8 .

وهذا يعني أنها( نفدت بجلدها) وهربت من الخطر المحدق بهم وقد استمعت لنصيحة العصفورة التي حذرتها من الصياد وذلك لتحمي ذاتها وصغارها وقد تركته ليلقى مصيره المحتوم برصاص الصياد ، لتكون الخاتمة متسقة كعقاب لكل مغرور لا يستمع لنصح أحد .

 

تأتي مجموعة أخرى من القيم الثانوية في النص وإن كانت لا تقل في أهميتها عن القيمة الأولى ومن هذه القيم : التعاون بين الأصدقاء والجيران وتقديم النصيحة لمن يحتاج إليها ، ومثل قيمة الأمومة حيث البطة تخاف على صغارها و قيمة حب الحياة والحرص عليها مقابل الخوف من الفناء والموت الذي يتمثل في الفرار من الصياد وهي تعبر في ذات الوقت عن غريزة البقاء ( من سيربي صغاري من بعدي ) ص8 ، وحيث كل طيور وحيوانات الغابة خافت من الصياد وابتعدت عن الخطر إلا أرنوب المغرور ، كما نلمح أيضاً قيمة الشكر على تقديم النصيحة وإن وردت عابرة ( شكرت البطة العصفورة )ص7 ، وقد تضافرت هذه القيم جميعا ضمنياً وتصريحياً داخل السياق القصصي .

ومن المعلومات التي ترد في النص عبر توظيف الحوار بين الببغاء والأرنب في بداية الحكي، أن الببغاء تقول لأرنوب ساخرة " أبوك السقا مات " وهي مقولة مشهورة عن الببغاء يقولها لأي أحد ونلاحظها خاصة في حديقة الحيوان عندما يلعب الأطفال مع الببغاء أو يغيظونه فإنهم يقولون له : أبوك السقا مات ، حتى يقلدهم  ويردد نفس الجملة ، وكما اشتهر عن تقليد الببغاء للأصوات وهي جملة متوارثة فولكلورياً وشهيرة . وبهذا يمكن القول أن الكاتب قد وظف أحد المفردات الفولكلورية الشهيرة لخدمة القيمة التربوية التي يعني ببثها في الأطفال. وهو توظيف جيد ومحمود عبر استلهام المأثور الشعبي المتوارث داخل الحكي . تحياتي للكاتب المتميز عدلي عبد السلام

 

 

         




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home