قصة

 

أكذوبة -قصة قصيرة

د أميمة منير جادو



 

قصة قصيرة

 

أكذوبة

 

د/ أميمه منير جادو

 

وتركت عطري لديها ..

 

امرأة متشحة بالوقار والإنسانية والرقة .. ولما عدت من أكذوبتي – التي ادعيتها سبباً للرحيل – وجدتها بين زمرة وحشد راحوا يسألونني : كيف الطقس هناك ؟ كيف البحر ؟

 

قلت على الفور : شديد البرودة بينما الماء دافئ . لم يسألني أحدهم عن لون بشرتي ، بينما تطوعت بالإجابة : أنت لا تحتاج إلا لساعة واحدة على الشاطئ المشبع ببخار الماء وأشعة الشمس الشديدة حتى تصير برونزياً هكذا مثلي .

 

 ترى هل صدقوا الأكذوبة ؟ لنا فعل السحر أحياناً ..نحن ال... .

 

انفلتُ من الزمرة لحجرتها الخاصة .. هل كنت أبحث عن عطري ووشاحي و.... ( أشياء أخرى كثيرة لم أتركها لديها) لكن يبدو أن هناك زمرة أخرى... لمحت هذا الوجه الذي يُسر إليها بشيء ما .. هذا الوجه تداعى من الذاكرة بسرعة لم أتعب أبدا في التعرف عليه ، امرأة تشي بي عندها .. بكل حقد السنوات الماضية كلها وإلا فلماذا صمتت عند دخولي ؟

 

تغيرت نظرتها الإنسانية  لي ، أو لعلي أحسست ذلك .

 

كانت تعلق( تاييرها) أو بزتها  الرسمية ذات الثلاث قطع المغسولة بماء وقارها على أحبال مشدودة بين جدران الحجرة ..لماذا ؟ لا أدري

 

أعفيتها من المهمة ، فأنا – بالرغم من صحتي المعتلة- أخف منها أحيانا وأكثر نشاطاً وحيوية.

 

تناهى إلى سمعي جرأة الأخرى كعادتها تقول بتصميم " بس خمسة آلاف في إيه بس ؟؟ " حينها أدركت بما لا يدع مجالاً للشك أنها كانت تتحدث عني أو تشي بي عندها ، فهذا هو الرقم الذي أعلنته صراحة عن تكاليف جراحتي الأخيرة ؟! لكن ماذا يعنيها في هذا ؟ وماذا يهمها حتى لو كان الأمر هو الآخر أكذوبة ؟؟ مثل أكذوبة البحر.

 

نزلت بقدمي حينها من فوق المقعد الخشبي إلى الأرض لكني قبل أن أنطق ( والله العظيم خمسة آلاف بالتمام والكمال) تداركت أنه ليس من حقها – الآن- تقديم كشف حساب .. وتذكرتُ ..

 

وبينما كنت أعلق لسيدتي الموقرة ملابسها وأفردها لها بالمشاجب فوق الحبال ، كانت تتداعى الذاكرة في يسر وسهولة .. بينما رحتُ أسعل بشدة ..أسعل .. أسعل بلا سابق إنذار أو داعٍ .. حتى لم تسعفني مناديلي الورقية لأبصق البلغم فمضيت أجمع أوراق الجرائد المتناثرة أمامي وأصنع منها أكياساً وقراطيس لأبصق فيها .. وكان حقدها الأسود يلاحقني ، كلما زاد حقدها اشتد سعالي ، والذاكرة تتداعى ..تتداعى ..

 

بينما أبحث عن عطري ووشاحي في أدراج سيدتي الموقرة الديبلوماسية الرقيقة .. أحاول فصل فم الأخرى عن أذنيها .. واندفعت كشلال أقدم كشف حساب .. وأعترف بكل شيء : (هذه المرأة سيدتي قدمت لها خدمة العمر وتنصلت لي !

 

هذه المرأة سيدتي ضحيت من أجلها أعظم وأجل تضحية ولم تفهم !

 

هذه المرأة سيدتي خسرت لأجلها الكثير وتنازلت عن الكثير باسم الصداقة باسم الأخوة في الإنسانية ، حتى تقوم لها قائمة ،وحتى أحمي لها بيتها وأولادها ،حتى أفتح عينيها على الحقيقة ، وأزيل عنها غشاوة الكبرياء والجحود والصلف ، لكنها للأسف راحت تفضح ما قلته لها عند زوجها المُدان وعند أهلها وأهلي وكل الناس حولي حتى العمل ..هذه المرأة سيدتي قدمت لها خدمة العمر وقدمت لي ندم العمر ، لأنها ببساطة لم تصدق ما قلته لها بل رفضت أن تصدقه وأرادت أن تتحقق فلما واجهت زوجها ،فماذا عساه أن يخبرها؟ ! هل كان يُصَدِّق على أقوالي ويتهم نفسه أمامها في لحظة كان الثمن مشروطاً مقدماً هو ( الطلاق) ؟؟!

 

بالطبع لا .. فاتهمني مدافعاً عن نفسه : إنها كاذبة ..إنها مدعية ..وإنها مجنونة !! ولم أكن سيدتي يقينا بواحدة من هؤلاء ، نعم اتهمني كذباً ليبرئ نفسه..وهو يعلم تماماً أني الصادقة وهو الكذوب  وأنها الحقيقة التي أخبرتها بها ورفضت أن تصدقها . أردت أن أحميها وبيتها وأولادها وأن تداوي أخطاءها كي لا تأخذه غيرها لكنها غمت عينها ودفنت رأسها في الرمال كنعامة غبية ).

 

            والآن حين تسألني لن أخبرها بأنها الحقيقة ولا حتى بأنها أكذوبة ولن أخبرها أبدا بعدد النسوة اللاتي ملأن حياته وقلبه وشغلنه بل وعاشرهن معها بينما كانت قانعة بأنها لن تأكل حتى يأتي إليها بالخبز كل يوم وكان يأتيها بكل شيء ليس آخرها ولا أولها الخبز لكنها لم تدرك أبدا أنها ما استطاعت أن تأتيه أبدا بالفرح الذي كان يبحث عنه ويجده معهن ... أبدا لن أخبرها بأي شيء هذه المرة سأدعها لغبائها وعنادها وجبروتها سأقول : أنا لم أرك من قبل أبدا ً أبدا ً .

 

ويستمر سعالي ..

 

ويستمر بصقي في قراطيس الورق ...

 

ومازلت أبحث عن عطري ووشاحي وأشياء أخرى لديها ، بينما نفسي لا تندم كثيراً على أكذوبة البحر الأولى فلا شيء يلهينا ولا شيء ينسينا !!    

                                                              30 /8/97

 

***

ك.خ

 

 




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home