قصة

 

ليندا

جلال التازي



 

        أنا سعيدة ... سعيدة إلى درجة لا توصف ... في السابعة من عمري وجدت نفسي طفلة صغيرة، يتيمة لا أب ولا أم ولا بيت ولا ... ولا ... ولا أي شيء... مجرد ملابس ممزقة قديمة ألبسها ... وشعري منكوش ... لا أعرف من أين أتيت ولا إلى أين أنا ذاهبة، فقط كنت أحس بالسعادة  لم أكن أدري من أين كنت آتي بكل تلك السعادة... كنت أجري وأقفز وأينما  أتاني الليل أنام... وقد تجود علي إحدى العائلات بعشاء فاخر ... من فضلات مائدتهم أو ببعض النقود ... وفي مرات عديدة كانت تجرحني بعض الكلمات وقد تضطرني لأن أبكي للحظات ... ثم أنسى وأضحك ... كان يقال لي مثلا : " إمشِ أيتها الجربانة من هنا " ... أو  " إبحثي عن أمك بعيدا  يا بنت الحرام " ... لم أكن أعرف وقتها لماذا تقال لي مثل هذه الكلمات ؟ ولا حتى  ماذا تعني بنت الحرام ؟ ... في يوم قررت أن أذهب بعيدا ... وذهبت فعلا ... ذهبت إلى حي من الأحياء التي تتوسط المدينة.. هناك اكتشفت عالما آخر ... اكتشفت أنني لست وحدي، وجدت عالما من الصبيان يعيشون مثلي، وماكانوا ليقبلوا بانضمامي إليهم بسهولة، كان أول شيء صادفني معهم هو أنهم وقفوا صفا واحدا في طريقي، وهم ينظرون إلي في نظرات أوحت لي بخوف شديد... وحاولت اجتنابهم ولكنهم ضيقوا علي الخناق ... ووجه إلي الحديث كبيرهم :

- ماذا تفعلين هنا ؟ ...

- نفس ما تفعلونه أنتم ...

- وما شأنك بما نفعله نحن ؟ ... هذا حينا ... نحن فقط.

- الرصيف ليس ملكا لأحد...

        وهنا أشار لعصابته، فأشبعوني ركلا ورفسا وجروني  إلى خارج ذلك الحي ورموني رمية الكلاب، ولم أصرخ ولم أبكِ، فقط بدأت أتحسس بعض  الكدمات على وجهي ولمست خيطا رفيعا من الدم تدفق من أنفي وفي نفس الوقت بدأت تتساقط قطرات المطر، ورأيت من بعيد وقد غابت الشمس،     " أولاد الشارع " هكذا كانوا يسمون أنفسهمن مجموعة من الأطفال المشردين ... يجرون ويختبؤون من المطر في خربة بعيدة وقد أشعلوا نارا، ولم أفكر في الذهاب إليهم فيكفيني مانلته منهم ، وفي تلك الأثناء سمعت صوت عجلات سيارة تحتلك بالرصيف المقابل وعندما حاولت الإلتفات إصطدم رأسي بعمود النور وأغمي علي ... ولم أعد أدري كم مر علي من الوقت هكذا إلى أن إستيقظت ووجدت نفسي وسط    " أولاد الشارع " وقرب النار، وقمت أحاول الفرار إلا أنني تراجعت عن محاولتي لأنني وجدت نفسي تحت الغطاء عارية تماما، ووجه إلي رئيسهم الكلام :

        - لقد إضطررنا إلى أن ننزع عنك ثيابك فقد كانت كلها مبللة ... المهم ما إسمك ؟

        - ليلى ...

        - من الآن فصاعدا إسمك هو ليندا ...

- ومن أعطاك الحق في أن تعطيني مثل هذا الاسم ؟ أو حتى تغير إسمي ؟ ...

وهنا وقف وقفة واحدة، وقال :

- إسمعي، أمامك حل من إثنين إما أن تنضمي  إلينا، أو ترحلي بعيدا ... وفي حالة ما إذا كنت ستبقي معنا  فيجب أن تعرفي أنني أنا الزعيم هنا ... ما رأيك ؟ ...

- إسم ليندا إسم جميل، سأحتفظ به ...

        وكان هذا كافيا لأن يعرف أنني قبلت الانضمام إليهم، وعندها عرفني على باقي الأولاد

- أنا إسمي سمكة... والفيل هناك ... وهذا شوشن... والآخر زاراف و ... وكلنا   أولاد الشارع ... وهناك خيل إلي أنني أعيش السعادة الحقيقية...

        تعلمت لغة الشارع، تعلمت أن أسرق، تعلمت أن أسب وأن أتعارك، وكل " أولاد الشارع " يحبونني وأنا أيضا أحبهم  كانوا هم أسرتي، وكان أبي هو الشارع وأمي هي الخربة، بيتنا هو الرصيف ... وبقي هناك مشكل وحيد، هو أنني فتاة ... وكلهم أولاد وسني 13 سنة، وكانت تظهر على جسدي أشياء كانت غريبة بالنسبة لي، ثم أصبحت أحب أن ألتصق بسمكة أو بأحد " أولاد الشارع "...

        وفي يوم... أغتصبت ... إغتصبني سمكة، ولم أغضب، كنت أعرف أن هذا سيحدث عاجلا أم آجلا... ولكن للأسف لم تكن تلك هي النهاية، بل كانت البداية ... بداية شقائي ...

        رجعت في يوم إلى الخربة ومعي بعض ما جمعته، وكان كل  " أولاد الشارع " مجتمعين فيما عداي، وأخرجت العشاء وطلبت منهم أن يأكلوا ... ولم يجبني أحد، فقط سمكة قال :

- كلي أنت يا ليندا ...

ولم أبالي .. وأكلت ... وبعدها أخرج لي سمكة ثيابا جميلة، قلت :

- الله ... جميلة يا سمكة ... من أين سرقتها ؟ ... هل سرقتها لي ؟...

        ولم يجبني أحد ... وفهمت ... فهمت كل شيء ومزقت الثياب، مزقتها في وجههم، لقد إكتشفوا مني مصدرا أكثر ربحا، لقد أرادوا المتاجرة في لحمي، وذهبت  غاضبة ... ونمت، وفي الصباح هربت ... هربت بعيدا  عن " أولاد الشارع" ... لم يعد لدي مكان بينهم ... لقد حرمت من السعادة ... وكان سني عندها 16 سنة  وكلي أنوثة، كنت كاملة النضج... وسافرت ... سافرت بعيدا، وكانت المدينة التي إستقبلتني هي " كازابلانكا "... وجدت نفسي غريبة عن هذا العالم الجديد، وجدت نفسي عاجزة عن العيش... عاجزة عن إيجاد لقمة واحدة، وصبرت طيلة يومين وبعدها لم أجد بدا من أن أبيع جسدي ... وحتى هذا لم أعرف كيف أمارسه، وجلست على الرصيف إلى أن أتى بجانبي أحد السواح وجلس أيضا على الرصيف رغم ملابسه الأنيقة في نظري ونظر إلي نظرة طويلة فهمت مغزاها وقلت :

- هه ... ماذا تريد ؟..

وأجابني في مكر :

- أريدك...

وقلت في سذاجة :

- هيا بنا ..

        وذهبنا إلى أحد الفنادق، ودخلنا إلى الغرفة ... وبدأت أنزع ثيابي...، إلا أنه نهرني وقال :

- أنا لا أريد جسدك...

- وماذا تريد إذن ؟

        قال :

- أريد... أريد حياتك... من أنت ؟ ... كيف وصلت إلى هذه الحالة ؟ ... وحكيت له ... حكيت له كل شيء... وبعدها لم يمنعه هذا من تذوق جسدي، أنا أيضا كنت في حاجة لأن أعطي جسدي لأي كان ...




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home