القلم النقدي

 

قراءة في ديوان الصوت الهامس -لعلي عبد الفتاح

د أميمة منير جادو



هي رمز للوطن والطهر البراءة

تحليل وتعليق د. أميمة منير جادو.

علي عبد الفتاح يقف على الحافة الغارقة بي الشعر والنثر، الشعر بعذوبته وموسيقاه وأنغامه المحلقة وبحوره الساكنة والهائجة والثائرة، والنثر بألوانه المختلفة يبدع لونًا جديدًا قديمًا من الأدب ينتمي إلى ما يسمى بـ "النصوص النثرية".

كتابه "الصوت الهامس" يجئ إضافة إلى المكتبة العربية في هذا اللون من الإبداع الأدبي، وقد سبقه إليه جبران خليل جبران ومي زيادة ومصطفى صادق الرافعي وغيرهم.

جراح وعذاب

"الصوت الهامس"، كتاب يجب ألا يقرأ هذا من وجهة نظر شخصية وذاتية جدًا، فهو كتاب ألم وإن كان عذبًا، وهو كتاب وجع وإن كان رقيقًا شفافًا، كتاب مؤلم لروح القارئ وموجع لحياة من يقترب منه بإحساس مرهف، يفجر هذا الألم الذي ينتاب القارئ الغارق في تجارب حياتية بها جراح وعذاب وشقاء، فالكتاب يقف على الجرح الكامن فيعيد فتحه وتمزيقه من جديد. عباراته تنسل كسكين بارد فوق بحيرة الذكريات للقارئ فيتألم من جديد ويذبح من جديد لينزف من جديد. وهو كما قال عنه الأديب فاضل خلف: "يحلق في مستويات رفيعة من حلم رومانسي يطمح إلى تحويل هذا العالم إلى جزيرة من الحب والإنسانية والروح الشفافة، تلك هي المدينة الجميلة التي تعيش فيها كائنات رقيقة من البشر تسبح في فضاء الوجود وتحلم بالسفر إلى أقاصي النفسي حتى امتداد شهقة الروح ولمس أعمق الأحاسيس والمشاعر الخفية".

تمرد

وأنا أتفق مع فاضل خلف في هذه الرؤية، ولكن أضيف إليها إن الكاتب نثر نصوصه وحفرها على الصفحات البيضاء بالخنجر بالذبح بالنصل الحاد. فهو يتمرد على الواقع وينساب إلى الذكرى والحلم. وتخرج من ذاتك إلى عالم اللاوعي حيث تختزن أحلام وطموحات ورغبات الإنسان وأمنياته التي لم تتحقق.

وهنا أختلف مع الأخ فاضل خلف حين قال أن علي عبد الفتاح: لا يرسم صورًا في العشق أو المناجاة مع امرأة خاصة، وإنما يكشف عن أسرار النفس وغربتها والروح وهجرتها وتمردها على واقع معتم قاس. فالكتاب في رأيي- حوار حلم دافئ مع امرأة خاصة وهي رمز للوطن واليقين والطهر والبراءة والقداسة، وكل القيم النبيلة الجميلة، وتجربة الحب والمقاومة الواضحة بين السطور هي العشق الشفاف الفريد النادر الخليق بأن يحول آهات الحياة إلى إبداع حقيقي.

أسرار الروح

إنه بوح حميم عن أسرار النفس ولوعة الروح، وهذا البوح العميق يميز فئة خاصة من البشر هي فئة المبدعين، شاعرًا كان أو كاتبًا أو رسامًا أو موسيقيًا.

وحتى على مستوى رجل الشارع. فهناك بعضهم ينبض قلبه بالمشاعر الرقيقة وإن كان لا يستطيع التعبير عنها، ولهذا اكتسبت هذه النصوص السمة الإنسانية بعيدًا عن المعاني والمصطلحات التي بدأت تغزو عالمنا. إذن فالنصوص تخاطب عشاق الذوق الرفيع وأدب الأحاسيس الرقيقة، ونجد ذلك منذ البداية في الإهداء حيث يقول الكاتب: إليها وطن ومنفى حلم وميناء إليها وطني وانتمائي الأخير.

إنها امرأة خاصة جدًا في حياة رجل، امرأة هي الحلم والمنفى والميناء أيضًا بمعنى الخلاص الأخير ذلك الأمل المنشود ليحط ركابه عليه ويتنفس آهة الارتياح الأخير وما بين الإهداء وحتى آخر سطور الكتاب حيث نقرأ: لماذا تباد الزهور الجميلة أمامنا؟ أي استحالة تحقيق الحلم الرومانسي في غمار اليأس القاتل والسمت المطبق الذي يطوي عدم وجود تفسير منطقي للسؤال.

ولذلك كان علي عبد الفتاح موقفًا تمامًا بدءًا من الإهداء إليها في المقدمة وانتهاء بالنص الأخير: آنين زهرة. سواء فعل هذا بوعي أو بوعي اللاوعي لأن ما بين الإهداء والنهاية تقع تفاصيل الوجع والألم والحب والحرمان والبحث عن خلاص وحيث لا خلاص، وتلك ليست دعوة للتشاؤم ولكنها إقرار لواقع قاس وحقيقة مضنية يمكن خلاصها في ذاك الحلم الرومانسي العذب الجميل.

امرأة الضوء والمستحيل

في نصوص "الصوت الهامس" يخاطب الكاتب امرأة حقيقية هي: سيدة القمر والنجوم اليتامى، والقمر الحزين، ويأتي صوتها الهامس ليسأل: هل نسيتني بهذه السرعة؟ ثم السؤال الآخر يطرحه الكاتب: من أنت يا أميرة النهار، ساكنة حروف الضوء وآفاق المستحيل؟ وتشعر أن روح الكاتب في لوعة والهمس لديه في ألم، ويختم النص بأن رياح الفناء تزروه وموجات الغضب تدمره. فهو لا يعلم أين يذهب عنه ملاكه الوديع وامرأته الخاصة جدًا القادرة وحدها على بعث الكاتب من الرماد.

وفي نص "يا عمري" نلمح الكاتب مهمومًا بالوطن الجريح حين طعنت براءة الأطفال في الجنوب ودير ياسين وصبرا وشاتيلا والقدس والخليج، وأحلامه هناك ضائعة ومن يرد أحلامه؟ من ينقذه من ضياعه؟

ويؤكد الكاتب أن صوت الحبيبة هو الأمل الأخير حين يسترجعه: أموت فيك يا عمري، خليك معايا لا تتركني، فهذا صوت امرأة دافئة بالحنين يبعثه من رماده ومن همومه ليمنحه هذا الأمل المنكسر في ثنايا روحه وخلجات نفسه، فهذه المرأة هي الإنقاذ الوحيد الذي يمنحه الصبر على زمان الفجيعة




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home