قصة

 

طلقات بنادق فارغة...

ابراهيم أوحسين



 

أمسكت العنان...بدأت أجر قوافل الفراق.. لا الحقيقة  حقيقة.. لا الليل ليل.. لا الزمن زمن.. ولا الأنثى أنثى.. القلب قحط مدقع، إلا من شرايين قليلة تحمل قطرات ماء.. أزقتي خالية إلا من مهملات وبقايا .. طريقي ثوب طرزته ذكريات بخطوط حريرية من لهب.. كنائسي عاصفة هوجاء تهصر بعزمها الأغصان.. الخضراء واليابسة معا.. هذه نكبتي التي جعلتني حقيرا أمام نفسي وأمام الأشباح التي يصنعها الليل.. هذا ما أسقطني في مزبلة كنت أسميها الحب.. لا الحقيقة  حقيقة ولا الأنثى أنثى.. أعلم أنك عثرت أخيرا على شفرة قلبي.. من أعطاك إياها؟.. لا يهم.. فتحت  شباكه.. قرأت حروفا كتبها الوريد والشريان.. قرأت أسطرا كتبها القلب بالخفقان.. قرأت قصائد كتبتها طلاسم هيمان.. أعلم هذا كله.. لكنني.. نسجت هودجا للنسيان.. ودعت العواطف التي ارتشفتها من فنجان لهفتي عليك.. أضرمت النار في مجلدات حطت بها أسراب تواقيعك.. كسرت كل اللوحات التي رسمتها بريشة العشق تحت ضوء القمر، المزينة بالدرر.. نزعت رداء الهيام الذي ألبستني إياه حين بكت الغيوم مطرا.. انهارت قنوات الحب وتمزقت أشرعته وكل شيء بيننا تحول إلى جثث وبقايا أطلال.. لا زلت أذكر كل شيء.. لا زلت أذكر عندما شربت من شطآن بحرك المالحة.. لا زلت أذكر عندما أرقت دمي أمواجا يستمتع فيها المد والجزر بالمد والجزر.. لا زلت أذكر باقة الورد التي أهديتني إياها، فجرحتني الأشواك، ثم نثرت في شقوق الكلوم ملحا أجاجا.. وهل ينسى الشاطئ اختطاف البحر لحبيبات رماله؟ لا الحقيقة حقيقة ولا الأنثى أنثى.. من القلب للقلب رسول.. الحكمة النبوية تقول: الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها إختلف.. أرسلت لك ملائكة تهدهد روحك وتداعب خصلات شعرك.. فأرسلت شياطين تنخرني بحرابها المسمومة.. فأصبحت جثة تتهادى على هامش الحب.. مزبلة الحب.. تجمع مهملات كل أنثى تتقن تمزيق القلوب ورسم الجراح.. جثث كثيرة.. ضحايا كثر.. قتلى وجرحى.. إنها حرب الحب.. إنها الأطلال المهدمة.. إنه الوهم النفسي.. إنها الحقيقة العارية.. هكذا أبدو كسطر باهت غامض لا معنى له على ورقة صفراء قذرة.. هكذا إذن.. لا الحقيقة حقيقة، ولا الأنثى أنثى..

أنظري لجراحي فقد زرعتها.. كنت أسقيها بالصبر والحلم.. كبرت.. ها هي النتيجة.. ورود متلألئة.. زئبقات وبنفسجات مشرقة.. الجراح قوة.. الجراح نواة عزيمة وإصرار.. أعلم أن الإله لن ينساني ما دمت أغطي الأشجار العارية.. ها هي ذي النتيجة.. حياة أخرى.. أفق آخر يلوح من بعيد.. شمس أخرى.. أشعة مستقيمة تقبل موطئ قدمي.. لكم بعثت روحا في الفيافي بعد أن زرعتها أزهارا وورودا تنبض بالحياة.. لكم بعثت روحا في الأوراق بعدما خططتها بسيل من الحروف والكلمات.. ولكم بعثت في قلبك روحا حين علمتك كيف تحبين.. هل نسيت ذلك؟ هل تنكرين أنني من علمك كيف تحفرين إسمي في هيئة قلب على جدع شجرة؟ هل تنكرين أنني من علمك إرسال زجاجة تتوسطها رسالة أسطوانية على ضفة النهر؟ هل تنكرين أنني من علمك كيف تمزقين صمت الليل كلما ألقى وشاحه على جفنيك؟ هل تنكرين أنني من علمك كيف تقضين على التردد، وكيف تدفئين بقايا الأشجان إلى الأبد؟ كيف تنكرين أنني من علمك الجلوس تحت الشمس في وضوح وقوة وصراحة؟ كيف تنكرين أنني من علمك خفق القلب بخفقات حلوة وبمذاق خاص، وخطو خطوات رشيقة بإيقاع موسيقي جميل، وتحويل شحوب الوجنتين إلى حمرة خفيفة توحي بالحب والحياة والأمل البسام؟ كيف؟ لا الحقيقة حقيقة ولا الأنثى أنثى.. سأظل أردد مقاطع الحزن من أغنية الحب اليائس حتى تفقد حدتها.. سأظل أتذكر الصفحة التي بعثت في قلبي حقدا عاتيا كالشيطان لا يموت.. سأظل أتذكر لحظة الحلم..مرت خاطفة حلوة.. تحولت فيها لحظات الحب إلى آلام ومأساة.. أحزان.. مأثم.. سأظل أتذكر قيود الخيانة التي أثقلت سيقاني النحيلة، وألصقت قدماي الحافية بالأرض حتى أصبحت معاق الحركة.. سأظل أتذكر الآذان الصماء التي رفضت سماع صيحاتي.. عقلك المغلق الذي رفض أن يفهمني.. سأظل أتذكر حينما وجت فوهات المدافع باتجاه صدري.. والموت لا يحتاج إلا إشارة بسيطة لأكون هباء منثورا في الفضاء.. سأظل أتذكر عندما أخذت مناجل الموت، فحصدت عروقي.. الموت شيء تافه ولعبة طريفة.. تمنيت أن يكون ما رأيته معك مجرد حلم من الأحلام المزعجة التي أراها في منامي كثيرا.. لكن الدم يصرخ.. لا بأس.. لا الحقيقة حقيقة.. لا الأنثى أنثى.. ولا البنادق الفارغة تطلق رصاصا!!!





  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home