مقال

 

ألوان الطيف تحترق ! .

م. زياد صيدم



منذ أن بدا وعينا بفهم لغة الألوان وأدركنا حقيقة الخطوط الحمراء و ما تعنيها لنا بوعي سياسي كامل للمعنى، وبدأنا نرددها في حديثنا اليومي حتى أصبحت كالخبز على موائد الجميع دون استثناء أو تمييز في ثقافاتهم وطبقاتهم وأحلامهم...... وتراكمت شيئا فشيئا فوثقت تجاوزات هنا وأخرى هناك، لم يتم معالجتها بشكل جذري وتم القفز أحيانا عن تلك الخطوط وتراكمت تسجيل التعديات على المفهوم المتفق عليه والملتزم به أخلاقيا وأدبيا، فلم يتم احترام لذلك المفهوم شبه المقدس وكم تجاوزنا خطوطنا الحمراء ؟؟ فكم قلنا بأن دم الفلسطيني على الفلسطيني خطا أحمر...وكم قلنا دم المسلم على المسلم خطا أحمر ومحرم شرعا...وكم قلنا حق العودة خط أحمر ...وكم تحدثنا وقلنا وتغنينا حتى سئمت وملت الخطوط من الحديث عنها وزنت أذنيها مجازا...فهل صحيح أننا كنا قدر هذا الحديث والطرح الكبير الذي فاق وسبق أحلامنا حتى وقفنا على حافة الهاوية في أحلك الظروف التي تعصف بنا فالشواهد كلها دلت على ذلك حتى أصبحنا نراها باللون الأخضر ولم نكتفِ بهذا الحد ، فتجاوزناها إلى الخطوط البيضاء فكل محرم أصبح محلل ؟؟ ولم يعد بمقدورنا أن نرى اللون الأحمر خطا معنويا وإنما لمسناه دماء مراقة على مذابح الطمع والأنانية هنا وهناك وعشنا العذابات والألم التي تصاحبها، والمعاناة والفواجع والحسرة في عيون الأمهات والزوجة والأخت والابنة وتفرسنا الضياع في عيون الأطفال، والتشرد في عيون الشيوخ الحائرة والمتسائلة عن سبب في تكرار قهر الزمن فأيقنا عندها أن هذا هو اللون الأحمر وأدركنا كم كانوا السابقين لنا كبارا، وكم كان الأولون منا على قدر كبير من الحكمة !! لطالما سمعنا عن خط أخضر يفصل قطاع غزة عن مناطق فلسطين التاريخية المحتلة، ولطالما سمعنا عن خط الهدنة الفاصل بين الدول العربية المجاورة والكيان الغاشم ، ولطالما سمعنا عن الخط الأزرق الفاصل بين شمال فلسطين مع دولة لبنان الشقيق وقد خطته الأمم المتحدة وهى اليد التي خطت بنفسها تلك الخطوط واختارت لها الألوان....إلا خطوطنا الحمراء فلم تخطها لنا ولم تلونها أو تختار لونها فعلى العكس تماما فقد اخترناه نحن ولوناه بأيدينا وأذواقنا الغريبة !! ولهذا تدخلوا دوما في تغيير ألوانه وتعديل مساره بتعديل تعرجاته، حتى أصابت كل مكان وموقع كنا قد حددناه لها كخط أحمر؟.... وضعوا خطوطا وأسموها ولونوها بألوان الطيف الناصعة الزاهية فاحترمناها حتى أصبحت حدودا شائكة وأسوارا مشيدة في القرن الحادي والعشرين .... فتسابقنا كالأغنام إلى الكلأ في الصحراء الغربية حتى تعدينا خطوط الإنذار ودخلنا حقل الألغام فكيف لنا أن نقرأ ما كتب على يا فطه التحذير ؟ فلم نتبين حتى إشارة الموت عليها ؟؟؟ وها نحن في منتصف الحقل القاتل نفتقد إلى خريطة توزيعها الأصلية، فمنا من زور ويزور، وأضل ويضلل فلم نعد قادرين على إيجاد المخرج ؟؟ فجازفنا مرارا وتكرارا للخروج وكان مصير من حاول أن قتل أو تشوه وكأنه حلم أو كابوس مزعج مخيف، كلما استيقظنا منه على ضوء صباح جديد وجدنا أنفسنا حقيقة أننا ما زلنا بعد داخل دائرة الموت نفسها. صحيح أننا نسمع عن وفود ومحادثات هنا وهناك بين الأخوة للم الشمل ولكن نرى تحشدا في الشوارع واعتلاء الأبراج من جديد في ظاهرة تتكرر بعد كل انفراج ؟؟؟ فإلى متى نظل كالأغنام بلا خطوط حمراء تكون لنا دستورا نلجأ إليه وقانونا نحتمي به ، وسقفا نهدف إليه أهدافنا السياسية ونحقق به آمالنا وأحلامنا بالتحرير والهوية. فإلى متى يظل هذا الشعب متفرجا على من يغذى استمرار العبث في خطوطه الحمراء حتى أضحت بيضاء وخضراء وصفراء وسوداء وزرقاء و...و.... فإلى ممثلي الشعب ؟؟ متى تعيدوا رسم خطوطنا باللون الأحمر فعلا ...لا قولا ؟؟ فإننا نرى شواهد لخطر قادم سيكون حارقا لكل ألوان الطيف التي تتغنون بها ورسمتموها في عقولكم  ، فخطر التدويل أو التعريب قائم ويطل برأسه علينا فمن خولكم تغيير ألوانها ومسارها وتعاريجها فالحريق ستؤججه الرياح ، ولا تنسوا طبيعة هبوب الرياح هنا في قطاع غزة إنها متغيره الاتجاهات على مدار اليوم فالحريق إن اشتعل، سيحرق كل ألوان الطيف والتي هي مكونات الأطياف السياسية جميعا فلا أحد بمنأى من الخطر، وهى نفسها مكونات ألوان العلم الفلسطيني الذي يبتعد شيئا فشيئا مع إطلالة شبح التعريب أو التدويل

د.أ.د . .




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home