قصة

 

الهدية

محمد ابراهيم محمد عمر



الهدية

      أقبل العيد وفرحة مشوبة بالحزن والترقب تسيطر علي (الحى العربى) بمدينة القدس.. ثمة بقايا بيت فلسطيني متهدم.. آثار القصف والتنكيل تبدو علي كل حجرة من أحجاره.. بالداخل رجل يضع أمامه طست من الألمونيوم.. بجانبه إناء لماء الإستحمام.. يبدو علي الرجل أنه منهمك في غسل جسد ابنه- غسان- إبن الست سنوات.. لم يكن سويلم يشغل نفسه فيما مضي من حياته بمثل تلك الأمور.. لولا أن رصاص العدو- الذي انتزع منه زوجته-اجبره علي التفرق لمثل هذه الامور.. لقد خلف رحيل زوجته- ليلى- فراغاً هائلاً في حياته وتصرفاته ..

      حمل ابنه من علي الطست ثم وضعه علي السرير.. وقد لفه بثوب تركته المرحومة أمه.. وبعد أن جفف جسد الصغير من الماء أخرج سروالاً صغيراً شده علي وسط الصغير.. ثم أغلق زرار القميص علي صدر البراءة المطلقة.. ثم شد حذاء- يبدو عليه التقادم- علي قدمي الصغير.. ثم قال وهو مبتهجاً لذلك :

      -والآن ماذا تتمني أن أشتري لك ياغسان يا إبني ؟..

      يبدو علي الصغير- بالرغم من صغر سنه- أنه غير مسرور لذلك.. بل ليس لديه أي رغبة في إمتلاك أي شئ..

      لايسر ذلك اباه فيقول محمساً :

      -هل أشتري لك عروساً؟!.. أم أشتري لك سيارة ؟! أم قطاراً أم طائرة ؟!..

      يحملق غسان في وجه أبيه.. يبدو أنه لايرغب في امتلاك أية لعبة من تلك الألعاب التي يتمناها الأطفال ويسروا لمجرد سماع إسمها.. أحس سويلم بفداحة فقد زوجته( والدة هذا الطفل).. وان قتلها أمام عيني صغيرها جعله يعزف عن الحياة ومسراتها.. يحتضن سويلم ابنه.. يربت بيده علي رأس الصغير.. تغلبه الدموع.. فتنهمر علي رأس الصغير.. فيرفع رأسه مدهوشاً بقوله :

      -هل تبكي يا أبتاه ؟! لقد قالت أمي أن الرجال لايبكون !..

      ضم سويلم جسد ابنه إلي صدره.. وقد راقه وأثلج صدره مانطق به ابنه.. وقد ضاعف سروره وأجتث حزنه ما قاله غسان بعد ذلك :

      -إن كان لابد من ذلك يا أبتي أشتر لي مسدساً..

      بالرغم من أن سويلم قد سر لطلب ابنه و رغبته في هديه العيد.. إلا أنه يعلم أن تحقيق ذلك ضرباً من المستحيل تحت هذا الحصار المضروب على الحي.. ولكن لديه رغبة عارمة في إحضار الهدية حتى ولو كلفته هذه الهدية حياته.. يقبل ابنه ثم يطلب منه عدم الخروج من الحجرة إلى بهو المنزل مهما كانت الظروف.. ثم غادر سويلم الحجرة بعد أن حصل علي وعد من ابنه بعدم الخروج ...

            إسترق سويلم النظر عبر الفراغات التي خلفتها القذائف على سور المنزل.. أبصر ناقلة جنود تمر على مقربة من سور المنزل.. ترجع برأسه إلى الداخل.. وبعد أن مرت ناقلة الجند أخرج سويلم رأسه من فراغ بالسور.. أحس بهواء الحرية يعبر من أنفه إلي صدره.. فمنحه ذلك دافعاً قوياً إلى الخروج.. أخرج نصف جسده عبر الفتحة التي بالسور.. أقبلت ناقلة جند من الطريق المقابل بسرعة نحوه.. تراجع بجسده كضب متمرس.. يبدو أنهم لم يروه وقد مروا بالطريق.. وقد مل هو من الإنتظار.. تذكر بانه قد قطع عهداً علي نفسه بأن يحضر لإبنه الهدية التي يرغب فيها.. وقد وعده ابنه بعدم الخروج من الحجرة فوفى بعهده.. وقد مرت نصف ساعة وهو يتوجس خيفة من الخروج ولم يفِ بوعده بعد.. وقد آلمه أن ابنه في انتظاره..تذكرأن الفرحة التي ستشع بعيني غسان تستحق المخاطرة.. أخرج سويلم جسده دفعة واحدة عبر فتحة بالسور.. لم يكن يعتقد أنه يمتلك شجاعة كهذه في وقت كهذا.. ولكنه وجد نفسه مرغماً على ذلك.. ثم أنه يحس بأن الحياة بعد أم غسان لا تطاق ...

      يركض سويلم وقلبه يضطرب من الانفعال.. يجتاز الشارع المقابل لبيته.. وقد سره ذلك لأنه يعلم لو أنه إستطاع أن يجتاز الطريق المقابل فسيدخل الحي اليهودي وستقل فرص ملاحقته هناك.. ولم يكد أن يقترب من اجتياز الطريق الثاني.. أبصر ناقلة جند تنطلق نحوه بسرعة مجنونة.. أحس بالخطر وقد شل ذلك تفكيره.. أبصرعلى مقربة منه جرافة إسرائيلة متوقفة علي انقاض بيت فلسطيني.. يبدو علي قائدها أنه نائم وقد فرغ من المهمة التي أوكلت إليه.. لم يتردد سويلم كثيراً.. ألقى بنفسه علي الأرض.. ثم حشر جسده في الفراغ بين الأرض وهيكل الجرافة وقد ردد الشهادة بقلبه أكثر من مرة.. توقفت ناقلة الجنود على مقربة من الجرافة.. يبدو أن الجنود قد أبصروا ما أثار ريبتهم.. ترجل ضابط من الناقلة ثم قال مخاطباً قائد الجرافة

      -هل أبصرت شخصاً مر من هنا ؟!..

      صوت الضابط الجهوري وسؤاله الصارخ أيقظ سائق الجرافة.. فأدار مفتاح المحرك متصنعاً النشاط والإنهماك في العمل.. فإنتفضت الجرافة علي الأرض.. وانتفض جسد سويلم بعنف.. وقد ثار الغبار مغطياً جسده والموت تحت عجلاتها يهدد حياته.. وقد كان يتوقع الموت برصاص الإحتلال في كل لحظة.. ولكن في أبشع كوابيسه لم يحلم بأن يفرم لحمه وهو حي.. هم بأن يصرخ بأعلي صوته.. ويخرج من مكمنه.. لأنه يعلم حينها لن يتعدي الأمر رصاصة في الرأس ثم ينتهي كل شئ.. ولكنه لم يفعل بالرغم من أنه قد كاد أن يفعل.. وقد تراجع الضابط إلى ناقلة جنوده بعد أن أجابه السائق بقوله :

      -لم أر أحد يا سيدي.. ربما رأيتم كلباً أو قطاً أو ربما شبه لكم !..

      ولم يقنع الرد الضابط ولكنه مع ذلك عاد إلى جنوده وقد انطلقت بهم الناقلة مبتعدة عن المكان.. وقد أوقف سائق الجرافة هدير المحرك.. ثم عاد إلى نومه.. وقد خرج سويلم من تحت الجرافة زاحفاً حتي إبتعد عن المكان ..

       **********

      تناهت إلي مسمع غسان طرقات عالية على الباب الخارجي للبيت.. دفعه الفضول إلى الخروج من الحجرة مخالفاً بذلك نصيحة وأمر أبيه.. فتح الباب الحديدي.. وجد ثلة من الجنود يتقدمهم ضابط شاب.. تبدو عليه دلائل القسوة والإستهتار.. أحس غسان بغريزة الطفل أنهم يريدون شراً.. إلا أنه لم يرتجف.. وقف في منتصف الباب وقد بسط زراعيه وباعد بين رجليه كأنما يمنعهم من الدخول.. وهو يقول :

      -ماذا تريدون ؟!..

      وقد أعجب الضابط من جرأة الطفل فقال متجاوباً :

      -إننا نبحت عن أبيك ..

      فرد غسان بحدة :

      -أنه غير موجود بالداخل ..

      فقال الضابط :

      -دعنا نتأكد من ذلك ..

      - لن أسمح لكم بالدخول ..وقد قلت لك انه غير موجود..

      قهقه الضابط حتى إهتزت معدته من الضحك .. وقد هم أحد الجنود بإطلاق النار على الطفل.. ويبدو أنه كان سيفعل ذلك لو لم يلتفت إليه الضابط وهو يقول :

      -إياك أن تفعلها يا شاؤول.. إن الطفل لم يكذب.. مادام قد قال أن أبيه غير موجود فذلك يعني أنه غير موجود بالفعل.. ثم أن هذا البطل الصغير يستحق مكافأة من نوع آخر ..

      قال ذلك ثم حمل غسان بيديه وألقي به بعيداً داخل المنزل.. فسقط الصغير علي الأرض والدم ينزف من جسده.. وقد أخرج الضابط جهازه اللاسلكي ثم قال مخاطباً :

      -من ق (1) .. إلى النسر (24) .. هل تسمعني ؟

      فأجاب عليه صوت عبر الجهاز :

      -نعم أسمعك بوضوح يا ق (1)

      -لقد تم تحديد الموقع ش ق (13) .. نفذ

      -علم .. سنفذ

      غادر الضابط وجنوده المكان بعد ان أغلقوا الباب خلفهم ..

       ************

      

      دخل سويلم إلي متجر أحد اليهود.. ثم سأله :

      -هل أجد عندك مسدسات الأطفال ؟! 

      فأجاب صاحب المتجر :

      -نعم ..

      -كم ثمنه ؟

      - ثمانية شياكل ..

      وجد سويلم ان المبلغ أكثر من كثير على لعبة اطفال.. بل أنه يكدح نهاره وليله نظير مثل هذا المبلغ.. ولكنه يعلم الجشع اليهودي.. وأن المبلغ لن يغلى علي ابنه غسان.. أخرج سويلم النقود.. ثم نقد التاجر الثمن.. فناوله الأخير المسدس.. فدسه سويلم تحت إبطه.. ثم خرج من المتجر مسرعاً ..

      إجتاز سويلم منطقة الحي اليهودي وطرقه.. وبينما هو يهم بالدخول على الحى العربى ..أطبقت عليه دورية راجلة للجنود.. لم يدر متى تم إنزال الجنود بهذا الموضع.. لقد مر به قبل قليل ولم يكن به أحد منهم.. لم يعد امامه مفر وقد سقط في قبضة يد العدو.. لم يهتز ولم يخف.. ولكنه حزن على أنه لم يستطيع ان يوفي بوعده لإبنه..

      أمره أحد الجنود أن يرفع يديه عالياً.. فإمتثل سويلم للامر.. وقد صوب الجنود مدافعهم الآلية عليه.. وأصابعهم المتوترة تربت علي الزناد.. إقترب أحدهم منه.. ثم فتشه جيداً.. وقد وجد الجندي المسدس الذي سقط من سويلم علي الارض.. تناوله الجندي من الارض وبعد أن تفحصه بإمعان.. قذف به بعيداً.. ومن ثم ركل بطن سويلم بعنف.. سقط سويلم علي الارض يتلوي من الألم.. ثم ركل الجندى سويلم علي وجهه بعنف.. فسالت الدماء من وجهه على الارض.. وقد كان بإمكانه أن يقاوم وربما تمكن من قتل الجندي بيديه العاريتين... ولكنه يمني نفسه بإيصال الهديه إلى ابنه الذي طال انتظاره.. إكتفى سويلم بمسح الدماءالتي تسيل من فمه وأنفه.. وقد طلب منه القيام.. وقف على قدميه بصعوبة.. تشاور الجنود فيما بينهم.. اخرج أكبرهم رتبة قطعة معدنية من جيبة ثم استهموا عليه.. فصار من نصيب الجندي- إيزاك- ابن العشرين عاماً.. فقال مخاطباً سويلم بصلف:

      -سأغمض عيني .. ثم أعد من واحد إلي عشرة.. ثم سأطلق النار.. عليك أن تبتعد هيا..

      لم يصدق سويلم أذنيه .. أنطلق مسرعاً.. وقد بدأ العد التنازلي لإطلاق النار.. تذكر أن طلقات المدفع الآلي ستلحقه لا محاله.. ولكنه حث نفسه علي التفاؤال وهو يركض.. وكأنه قد نسي ان حياته معلقة علي بلوغ الجندي للرقم عشرة.. ونسي رصاصات القنص التي ستلاحقه حينها ..

      أحسن إيزاك بأن طريدته تبتعد بسرعة.. خشي أن يفلت الصيد من مرماه.. ولم يكمل بعد.. وقد نطق بالرقم ثمانية.. لم يتمالك نفسه.. أطلق رشقة من مدفعه الآلي.. وقد انحني سويلم في ذات اللحظة لإلتقاط المسدس اللعبة.. فسمع أزيز الرصاص يكاد يصم أذنيه فسقط على الاراض في ذات اللحظة التي انطلقت فيها الطلقات بموضع رأسه قبل أن ينحني.. ضج إيزاك من الفرح.. وقد أصاب الهدف.. ثم تحرك هو وصحبه.. إذ أن الامر كان معتاداً عليه بالنسبة إليهم.. ولم يكلفوا أنفسهم مشقة التأكد من موت الضحية بالفعل.. تحركوا بخطوتهم العسكرية النشيطة.. إذ أن امامهم الكثير من المهام التي يجب ان تنجز اليوم ..

       .********************

      وقف غسان علي قدميه.. مسح الدماء عن وجهه و عن جروح وخدوش يديه.. وقد قرر أن لايخبر أباه بذلك.. ثم تذكر وعده لأبيه.. عاد إلى حجرته مسرعاً.. هم بأن يستلقي علي السرير.. أبصر حية ضخمة تتربع علي السرير لم يتردد غسان كثيراً.. خرج..ثم عاد يحمل عصا كانت خارج الحجرة.. رفع العصا عالياً بكلتا يديه.. ثم هوى بها علي السرير.. انطلقت الحية نحو الباب وقد افلتت من الضربة.. خرج غسان خلفها.. فخرجت بفتحة كبيرة على سور المنزل.. لم يتردد غسان وقد خرج خلفها وهي تتجه نحو انقاض المنزل المجاور لبيت غسان وأبيه.. وقد دخلت تحت احجار البيت المتهدم وغسان يبحث عنها هناك ..

      لم ينظر غسان إلى ( الأباتشي) التي تحلق على فضاء بيته.. كما لم يبصر قائد المروحية غسان بين أنقاض المنزل المجاور لبيته.....

      دارت (الاباتشي) دورة كاملة ثم اطلقت صاروخاً موجهاً نحو المنزل.. ثم انطلقت مبتعدة عن المكان ..

      سمع سويلم هدير المروحية.. أحس بالخوف يعتصر قلبه.. وهو يخشى على ابنه من نيران المروحية.. عض سويلم لسانه من الندم.. لأنه قد أمر طفله بأن لا يغادر الحجرة.. ركض سويلم نحو البيت مسرعاً.. فأبصره حطاماً.. وقد سوي بالأرض.. فهادت الأرض به وكاد أن يسقط مغشياً عليه من الحزن على موت ابنه ..

      ومن بين انقاض البيت المجاور خرج غسان وقد أبصر أباه.. انطلق نحوه فرحاً.. حينها أبصر سويلم ابنه فطار إليه من الفرح.. وهو ينطلق نحوه كالسهم ولم يبالِ بالحجارة التي تتطاير من مكونات البيت ..

      ثمة جنود إسرائيليون كانوا يراقبون الحدث.. وقد أبصروا الرجل قد انحنى يعانق ابنه.. تحمس أحدهم.. أطلق صلية من مدفعه الرشاش على الرجل وإبنه.. تأرجح الجسدان في الهواء من كثرة الأعيرة النارية التي إخترقتها.. طارت الروحان الي السماء.. وقد سقط الجسدان علي الارض يحتضنان المسدس اللعبة.




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home