قصة

 

ليلة مقتل المتنبي

حسام سفان



ليلة مقتل المتنبي

                                                                                  حسام سفان

 

  أخيراً .. بعد عناء عامين كاملين استطاع أن يحصل منها على موعد في الخامسة من مساء اليوم. يراقب عقارب الساعة المسلولة . ستون دقيقة تفصله عنها. وقف قبالة المرآة . ابتسم . مدّ يده مصافحاً الهواء ...

- أهلاً وسهلاً .. تفضلي بالجلوس .

هرش ذقنه بأصابع حائرة . كيف أفتتح الحديث معها ...؟!

أأحادثها في السياسة أولاً ؟.. لا يجب أن أبدأ الحديث عن المتنبي ، فكم من المرات رأيتها تحمله .. أقصد تحمل ديوانه... بل سأدخل في الموضوع مباشرة ...سأقول لها :

- أحبك ..أحبك ... فما نفع السياسة والأدب وكلّ العلوم أمام عاطفة الحب..الحب الذي يجتاح كل شيء ليسكن القلوب.

- أيها الإبليس من أين جاءتك الشطارة هذا الصباح لتستوقفها, و تطلب منها موعداً ( أريد التحدث معك في موضوع هام ).

- هام يا رجل . لا هام ولا سام. لا يوجد موضوع من أصله .

 

  على أي حال لقد فهمت عليك ...نعم فهمت وإلا لما وافقت بهذه البساطة . ربما هي مثلك تريد التحدث في الأمر نفسه, لكن حياءها يمنعها .

 

سنتان يا رجل .. سنتان وأنت تفكر بها. تنتظر لحظة كهذه . لو كنت طلبت موعداً في أول مرة استوقفتها فيها لوفرت عاماً ونصف من عنائك ، لكنها أول ما حدّقت بك أضاعت توازنك .تخربط كيانك . سألتها عن الوقت ومضيت . قالت لك  : الثامنة . رغم تجاوزها العاشرة. ماذا كانت تقصد حينها ، بل لماذا ابتسمت ...هل رأت الساعة بيدك ... أم كانت تقصد شيئاً آخر ....؟!سيّان عندك ، لكن لو كنت تعلم أنها ستوافق بهذه السهولة
لتشجعت وصارحتها منذ لقائك الثاني بها ، لكنك كما في المرة الأولى ارتبكت ، وتعثرت بكلماتك .لما كلّ هذا الوجل ....أوتظنها ستأكلك..!؟ لو قلت هذا الكلام لنفسك منذ زمن لطلبت موعداً ،على الأقل ، في لقائك الثالث بها.لكن هكذا شاء القدر.

 

لقد انتصرت على نفسك هذا الصباح، فمنذ اليوم لم تعد بالنسبة لك طيفاً يؤرقك. يسبي عقلك ، ويتركك تائهاً في سحب الدخان . بعد دقائق يصير الحلم حقيقة .

 خمس وأربعون دقيقة تبعدك عنها ، فماذا سترتدي ..؟

- يجب أن أظهر أنيقاً ، فالانطباع الأول هو الذي يستمر طويلاً ...سأرتدي البنطال الأزرق الأسود  والقميص الأخضر ..الأبيض ... الأبيض والأسود . ( فالضدّ يظهر حسنه الضدّ)تك ..تك ..تك ..أربعون دقيقة ...يرتدي ثيابه .

يسرح شعره .يضع قليلاً من العطر الفاخر .يضع علبة (المارلبورو) في جيب قميصه ، رغم أنه من مدخني (اللف) . ينظر إلى الساعة الكسيحة .


       عشرون دقيقة . الشوارع تلتهمك ، والأرصفة تتقاذفك ، لتحط بك عند الـ(الكوفي شوب). لقد وصلت في الموعد المحدد . تدخل بقدمك اليمنى .تختار طاولة منزوية ،وتغيب برهة مع النغمات الهادئة. ها هي قادمة نحوك بقدها الرشيق ..شعرها الأسود
المنسدل على كتفيها..عينيها النجلاوين .. تبتسم . تحييك .ترد التحية .

- تفضلي.

-  شكرا.ً

تجلس قبالته. يطلب فنجاني قهوة، ويغرقان في لجة من  صمت. تحدق فيه ملياً

- ما الأمر الهام الذي أردت التحدث فيه ..؟

-  خمّني..

-  أخي .الموضوع له علاقة بماجد . كنت معه في المعتقل نفسه ..

-  لا ..الموضوع لا يتعلّق بماجد ، فأنا لا أعرفه ، وإنما ...

 يسرق النادل لحظات منهما بينما تحاصرها إشارات الاستفهام . بريق خاتم الزواج يخنق أنفاسه .. يحاصره

-  إذاً . ماذا تريد أن تخبرني ..؟

تتشظى الكلمات بحنجرته . حباله الصوتية تعقد مشنقة لحروفه...

لم يجد سوى المتنبي مخلّصاً له .

-  أحقاً قتل المتنبي بيت شعر.؟

 عيناه ساهمتان في احتراق سنتين بنى خلالها قصوراً من الوهم انهدمت في لحظة واحدة ...لحظة واحدة أبصر فيها إصبعها مقيدة بخاتم الزواج. لم يعد يحس بالمكان من حوله ، ولا بدندنات الموسيقا، ولا بهمهمة الرواد ... لم يشعر بها أيضاً حين غادرت المكان ، ولما أفاق من شروده وجد فنجاناً خاوياً ترتسم على جدرانــه خطوط سوداء كأنها قضبان حديدية لزنزانة أسرته سنتيـن كاملتين .. إنها الشيء الوحيد الذي يدل على أنّ امرأة كانت تجلس قبالته قبيل لحظات. ضرب الطاولة بقبضته .لا ..مستحيل ..لا يمكن أن يُقتل المتنبي ببيت شعر .

 

 

 

 




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home