القلم السياسي

 

التحليل والتخمين في معضلة " فتح الاسلام "

زياد أبوشاويش



التحليل والتخمين في معضلة"فتح الإسلام"

بقلم : زياد أبوشاويش

لابد في البداية أن أعترف بأن ما دفعني للكتابة في هذا العنوان خبير ، أو هكذا أسمته فضائية العربية عندما استحضرته اليوم السبت 26 / 5 / 2007 ليعلق ويحلل كلمة السيد حسن نصر الله أمين عام حزب الله وما ورد فيها حول طريقة حل المعضلة المتشابكة والمعقدة لنهر البارد وجماعة "فتح الإسلام" التي تتحصن به وتستخدمه ساتراً للقتال من خلفه ومن وسطه ضد الجيش اللبناني، واضعة كل القوى أمام معادلة صعبة ومحرجة . فماذا قال الرجل وكيف حلل واستنتج ؟ وقبل أن أبدأ في تناول ما ورد في حديث (الخبير) المصري المعروف والذي تستدعيه العربية بين وقت وآخر أراني مضطراً لإلقاء بعض الضوء على موضوع الخبرة والتحليل، والذي ربما يساعد في فهم أفضل لما يتم تناوله في موضوعات السياسة وغيرها من عناوين التحليل والاستنتاج، كما يساعد كهدف في الوصول للحلول وليس فقط الإيضاح .

والتحليل السياسي لا يختلف كثيراً عن التحليل الذي يجريه المخبريون في مختبراتهم والذين يستخدمون حكماً أدوات التحليل والمواد الضرورية لمعرفة وتشخيص المادة المطلوبة والخروج بالنتيجة الضرورية لتحقيق الهدف المتوخى من هذا التحليل سواء كان الأمر يتعلق بطبيب يعالج حالة محددة أو مادة نرغب في معرفة مكوناتها وغير ذلك من الظواهر الطبيعية المادية والتي أوصلت البشرية لهذا المستوى من التقدم العلمي والحضاري .

وبهذا القياس نتناول موضوعة التحليل السياسي والذي يستهدف قضايا أشد خطورة وأكثر تعقيداً وتأثيراً في مستقبل الناس والدول والجماعات البشرية على اختلاف تصنيفاتها .

إذن لابد من أدوات معرفية وجهاز للتحليل السياسي يمتلكها المحلل ويستخدمها بحرفية وأمانة لتقديم صورة أقرب ما تكون للحقيقة ، ومن ثم اقتراح حلول تستند لهذا التحليل وتحمل أقل قدر من التناقضات واحتمالات التزييف أو التخمين الذي يستند عادة لموقف مسبق أو مشاعر مسبقة ، مما يؤدي لفساد التحليل والنتيجة .

وفي هذا السياق يأتي في سلم الأولويات للقدرة على التحليل، امتلاك المعلومات الكافية حول القضية المحددة ، وبغيرها لا إمكانية إلا للتخمين .

وفي الأدوات المعرفية التي ذكرنا وبدونها لا فائدة كبيرة من المعلومات توفر منهج للتحليل يقوم على فهم عميق للتناقضات والتطابق في المصالح والقدرة على رؤية المتواري خلف الظواهر من الدوافع والرغبات والأسباب .

وأخيراً وفي القسم الثالث من المكونات الضرورية لتحليل علمي سليم امتلاك الثقافة والخبرة اللازمة لرؤية القضايا بكليتها كما بجزئياتها الصغيرة ، أو بتفاصيلها وأهمية كل قسم في هذه القضية أو ما يمكن تسميته مربط الفرس ، أو الحلقة المركزية .

وعلى ما تقدم وبسبب التحليل الغريب والمغرض الذي قدمه الخبير المشار إليه آنفاً سمحت لنفسي أن أكون خصماً لهذا الرجل ولكل خبير أو محلل لا يمتلك الأسس المعرفية لتناول قضايانا المصيرية باستخفاف يدعو للغضب ويقدم للناس السم في الدسم والذي يؤدي في الأغلب الأعم لإرباك المستمع وتزييف وعيه  وربما خلق حالة من الإحباط تضر بمجتمعاتنا العربية وتبرر العدوان عليها ،أو تحدث فتنة لا يعلم نتائجها أحد ، وربما لا نستطيع وأدها .

وربما يثار سؤال منطقي وبديهي هنا واستناداً لما قدمت يقول : كيف يمكن للمستمع أو القارىء التعرف على التحليل العلمي والقريب من الحقيقة ، والتحليل الخاطىء والأقرب للتخمين ؟ وفي الإجابة لابد أن أعيد تكرار ما تناولته حول أدوات التحليل ومكوناته ، وعلى الخصوص توفر المعلومات لدى المحلل من خلال تقديمه للقضية موضوع التحليل ، وأين تكمن مصالح الأطراف المختلفة فيها والتي تشكل الدافع الرئيسي للسلوك السياسي .

يقولون أن السياسة هي فن الممكن ، أو فن تحقيق الأهداف بأقل التكاليف ، وتعريفات أخرى لاداعي لتناولها ، لكن هذه كافية لإدراك ورؤية البوصلة التي تتجه صوبها كافة أطراف المعادلة السياسية المطروحة للنقاش والتحليل . وبالعودة للسؤال حول ما قاله الخبير في الجماعات الإرهابية والذي قاطعه حتى المذيع أكثر من مرة بسبب الفجاجة الظاهرة في سوق التهم وإلقاء المسؤولية على هذا وذاك دون تبصر، فما الذي قاله ؟ يقول الخبير بيقين مدهش أن جماعة فتح الإسلام صناعة إيرانية ، وأن السيد حسن نصر الله يخادع ويكذب عندما يتبرأ من معرفته أو دعمه لهذه الجماعة ، وهو بهذا يموه على حقيقة موقفه المسخر في خدمة السياسة الإيرانية المشتبكة الآن مع الأمريكيين حول بعض العناوين ، وأنه من الأفضل للسيد حسن نصر الله أن يقول الحقيقة لان الناس تعرفها ... هكذا .

وأن العبسي وجماعته هم صنيعة المخابرات السورية وبدعم وتسليح إيراني ، ثم يستطرد في الرد على أمين عام حزب الله الذي أكد بأن لبنان لا يجب أن يخوض الحرب على القاعدة نيابة عن الأمريكان وأن أمريكا دأبت في الآونة الأخيرة على استدراج هذه الجماعات لبعض المناطق من أجل الاشتباك معها بدل أن يكون ذلك فوق الأراضي الأمريكية فيقول : أن ما يقوله سيد المقاومة غير صحيح وهي كلمة ملطفة عما قال هذا الخبير ، وأن العكس هو الصحيح حول الاستدراج حيث تقوم هذه الجماعات باستدراج أمريكا للقتال بين ظهرانينا وضرب مثلاً على ذلك بإعلان "القاعدة" في الحجاز عن نيتها ضرب مصافي النفط ومنابعه في الخليج العربي مما يستدعي حضوراً أمريكياً للدفاع عن هذه المصالح ، كما لو كانت أمريكا هي صاحبة هذه المنابع وهذه المصافي وليس الدول العربية . كما قال الخبير أن حزب الله يطرح خطوط حمراء لإبقاء التوتر قائماً في لبنان لمصلحة تخفيف الضغط على إيران أو في سياق الصراع القائم بين أمريكا وإيران الآن حول العراق وقضية المشروع النووي الإيراني  .

ولو أخذنا المعايير أو الأسس التي يجب أن يقوم عليها التحليل العلمي والمنطقي في كل هذا التحليل المغرض والغير منطقي لهذا الخبير فماذا نلاحظ وماذا نجد ؟

المعلومات التي اشرنا لها كأساس لتحليل صائب تقول أن هذه الجماعة هي جماعة سلفية سنية قريبة من القاعدة منهجاً وأسلوباً في العمل وهي بذلك لا تشترك مع النظام السوري في أي مصلحة ذات بعد قومي أو عقائدي ، بل تشكل في حال استفحال شانها في لبنان خطورة بالغة على الأمن السوري الداخلي ، ناهيك أن زعيمها شاكر العبسي كان معتقلاً في سوريا لعدة أعوام ، كما لم يعرف عن الرجل(أي العبسي) صفات تشير لإمكانية ولائه لجهاز مخابرات ولا حتى لدولة ، وهو من منبع فكري فتحاوي جهادي اقتنع بعد سنوات من العمل في صفوف الحركة بان الوعاء الديني الجهادي هو الأنسب وعليه انسلخ عن فتح الانتفاضة وشكل تنظيمه الخاص . وفي ذات السياق نجد أن معظم أعضاء التنظيم لا صلة لهم بأجهزة الأمن لهذه الدولة أو تلك وليسوا من نسيج اجتماعي واحد أو دولة عربية واحدة أو حتى من مخيمات الشعب الفلسطيني بالعموم وهو ما يشير لغياب تخطيط مركزي موزون الأمر الذي نجده في ترتيبات أجهزة المخابرات لدى الدول ومن بينها سورية ، واستطراداً ما هي مصلحة سوريا من كل هذه المعركة ؟ لأن عذر الانتقام الذي يورده بعض أقطاب الأكثرية في تفسير الدعم المفترض من دمشق لهؤلاء يرتكز على نظرية الانتقام الغير علمية ، خصوصاً إذا تعارضت مع المصلحة ، ويؤكدون في السياق أن تصريحات الأسد ونائبه ووزير خارجيته تؤشر إلى هذا .

والحقيقة أن سوريا لو أرادت إرباك لبنان أو الانتقام منه فهي قطعاً لن تلجأ لخلق ودعم جماعات من هذا الطراز لأسباب عديدة ، وبالحد الأدنى لفتحت حدودها أمام دعم هؤلاء ودفعتهم باتجاه التمدد لمناطق بعيدة عن المخيمات التي يشكل الاقتراب منها حساسية بالغة وخطيرة أمام الجميع . كما أنها تستطيع وعبر حلفائها تخفيف الطوق عنهم ، وهي لا تفعل لأنها ترى في وجودهم ومعركتهم خسارة لها وضرب لمصالحها في عموم المنطقة وليس لبنان فقط . وقد عبر عن هذا أكثر من مسؤول سوري ، ناهيك عن الإعلاميين والمحللين السوريين .

وفي المعلومات أيضاً سنجد أن حزب الله لم يكن له أي صلة بهذا التنظيم ، بل أزعم أن حزب الله كان يرى فيه خطراً عليه ، وهو من لفت إلى خطورته وعلاقته المذهبية بأطراف لبنانية .

وربما المشترك الوحيد بين حزب الله و"فتح الإسلام" هو عداؤهما ل" إسرائيل" وهذا أمر مشترك بين كل مكونات المجتمع اللبناني وقواه السياسية وكذلك كل المجموعات المكافحة ضد الكيان الصهيوني ، وضد النفوذ الأمريكي ، المتطرف منها والمعتدل .

وفي المعلومات أيضاً أن هؤلاء كانوا على صلة طيبة بأهالي طرابلس، وخاصة السنة السلفيين وأن قسماً هاماً من أعضائه هم من أبناء المنطقة ولبنانيون عموماً ، وأنهم لم يبادروا للهجوم على الجيش اللبناني ، بل إن اللواء ريفي قائد قوات الأمن العام في لبنان ذكر أن عملية مداهمة مشتركة مع الجيش كانت تعد لضربهم في طرابلس وبعض قواعدهم ، وأن هذه العملية تم تقديم موعدها على ضوء سرقة البنك التي اتهم فيها العبسي وجماعته ، رغم نفيهم لهذه العملية ، وقد تم في المداهمة التي بكرت بها قوات الأمن إلقاء القبض على مجموعة من أعضاء التنظيم ، الأمر الذي أشعل شرارة المواجهات ، وليس عملاً مدبراً بتوقيته ووقائعه كما تحاول بعض الجهات الترويج له لرمي الكرة في الملعب السوري أو الإيراني وحزب الله على حد زعم الخبير المشار له ، والذي دفعني حقيقة للكتابة في الموضوع .

وفي رؤية جزئيات المعضلة ومصالح الأطراف المختلفة ، نرى أن الجماعة لا تستطيع الصمود طويلاً في ظل المناخات السائدة في المنطقة وهي في النهاية لابد أن تختفي سواء بالقتل أو الذوبان في المجتمع المحيط والاختفاء ، ولهذا لا يمكن تكبير الحجر فنرميهم بتهمة استدراج الأمريكيين لمعركة هنا بالذات ، والعكس هو الصحيح ، ذلك أن الأمريكيين هم من يستغل وجود هذه الجماعات التي تنشأ في الأغلب للرد على ظلم الإدارات الأمريكية المتعاقبة تجاه قضايانا العربية المحقة ، وأن المنطق والمعلومات أيضاً تشير إلى حاجة أمريكا وحلفائها في العراق والمنطقة عموماً لبؤرة توتر أو بؤر توتر تخفف الضغط عنها .

وفي الجزئيات أيضا ، فان كل الإعلانات عن مساندة هذه المجموعة لم تترافق مع ممارسة عملية، مما يشير لعدم وجود مرجعية لهذا التنظيم ، وأن الأمر الذي أربك صانع القرار في لبنان والفصائل الفلسطينية وحزب الله وغيره من القوى السياسية على مختلف مشاربها السياسية هو وجود هذه المجموعة في وسط مخيم للاجئين الفلسطينيين ، والا لانتهى أمرها مبكراً . إن الدعم اللوجستي التسليحي الذي تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية للجيش اللبناني وفي هذا التوقيت يحرج القوى اللبنانية التي تتبنى نظرية المؤامرة السورية وحزب الله ، وهي تجرح التحليل المغرض والخاطيء الذي قدمه الخبير المذكور .

وربما ستظهر في الأيام القليلة القادمة العلامات الكافية لتحديد طبيعة المشكلة التي انطلقت صعوداً على أرض مخيم نهر البارد المنكوب ، لتصل إلى هذا الحجم الكبير الذي ينذر بأشد الأخطار على لبنان وسوريا والقضية الفلسطينية ، ونأمل أن يؤخذ كلام السيد حسن نصر الله بعين الاعتبار عندما يبادر المعنيون لحل المعضل ، ونعم خط أحمر بلون الدم المسفوح ظلماً من أبنائنا وبناتنا في المخيم ، خط يحيط بالمخيم فيحميه ويحمي شعبنا من الموت والتشرد من جديد ، ولتنتهي تحليلات الفتنة والدمار وتتعاون كل الأطراف لإيجاد مخرج مشرف للجيش اللبناني ، وتتحقق فيه العدالة، وتحمى فيه أرواح شعبنا في المخيم وعموم لبنان ، وتتجه كل الجهود والبنادق نحو العدو ولردع العدوان المستمر على شعبنا في غزة والضفة ، كما السعي لوأد الفتنة في لبنان ، وعودة السلم والأمن له ولشعبه الكريم والأبي .

زياد أبوشاويش

Zead51@hotmail.com

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home