قصة

 

بيوت للفرح

ركاطة حميد



نص قصصي: بيوت للفرح

=1=

فتح باب البراكة ، وصفقه وراءه وهو يسب ويلعن في غضب شديدين ، كان يسير وحيدا في الزقاق ، يحسب خطواته وينصت إلى وقعها المتردد، يفكر في وجهته الجديدة .أدخل يديه في جيبه بحثا عن سيجارة فلم يجد شيئا ، بصق على الأرض في سخط يلعن ويسب الظروف التي أوصلته إلى حضن تلك المدينة ، فقبل سنوات كان ذا شأن كبير ، موظف في الوكالة البنكية الوحيدة بالمنطقة ، كان حلمه أن يصل يوما إلى مرتبة مدير ، لكن موته المهني كان يوم اختلس من رواتب بعض الوكلاء ليطرد بصفة نهائية ..كان يسير وصور الماضي تقض مضجعه ، تقتله.

وصل ساحة الشهداء ، لاح له من بعيد طابور طويل أمام الشباك الأوتوماتيكي للبنك، تساءل إذا ما كان قد انقضى شهر آخر ، أشاح بوجهه نحو الجهة الأخرى ، فبدت له مقاهي السوق البلدي غاصة ، فكر في شرب فنجان قهوة ، فتذكر أن الليلة التي قضاها بالأمس في بيت حادة ، كانت جد مكلفة ، وأجهزت على كل مدخراته . ضرب  الأرض بقدمه في غضب وقال :

لماذا لا يزدحم زقاق وهران مبكرا ؟

اتجه نحو حائط مؤسسة عمومية ، وأسند ظهره إلى مخدع هاتفي عمومي في انتظار أن تنشط حركة المارة.لاح له شرطي المرور يدخن في سهو قرب المدارة ، انطلق نحوه كالسهم ، سلم عليه وعاد وهو ينط من الفرح ، التفت إلى السيجارة التي أعطاه ، وقال في نفسه مازحا " لم أكن أتصور أن الصدقة تخرج من يد الشرطي بكل سهولة " عبر الشارع بحذر وعيناه زائغتان تبحثان عن مغفل قادم لسوق المدينة ، يفتتح به يومه البائس .

عاد لمكانه أحس أنه كالعصفور في قفص ، ينظر إلى المارة ، وهم متجهون إلى أعمالهم ، وهو رغم عدم ارتباطه بأي شيء ، يشعر وكأنه يحمل أثقال المدينة على ظهره ، لا يمر يوم بدون عراك أو مطاردة ..لام نفسه كثيرا  على مغامرته بالأمس ، لم يعرف كيف تجرأ على المقامرة في لعبة واحدة بكل مدخراته ، وهو الذي يحتاط كثيرا في مثل تلك المواقف ، فالتمس لنفسه الأعذار محملا السكر المسؤولية ، ولحظة ابتسم  في خبث وتساءل  إذا ما كانت صديقته العجوز قد تآمرت عليه وتسببت في إفلاسه ..فقد ضايقها بالأمس كثيرا ، وأغضبتها كلماته .نظر حوله ، وفكر في الرحيل عن المدينة وتركها للأبد ، لكن بمجرد ما نبقت الفكرة في دهنه وأدها إلى الأبد . تساءل عن وجهته الجديدة ، وتراجع عن أفكاره السوداء قائلا :

لمن سأترك المدينة ؟

مر من أمامه ماسح أحذية ، فأمره بتلميع حذائه ، تساءل الصبي وهو جالس القرفصاء ومنهمك يعمل في صمت إذا ما كان "رامبو "سيؤدي له مقابلا...

=2=

اخترقت خديجة زقاقا ضيقا ، وانعطفت يمينا ثم يسارا باتجاه الشارع الرئيسي ، أحست بالشفقة على ذلك الرعديد الذي كان يلاحقها لمسافة طويلة ، دون أن يتجرأ على النبس ولو بكلمة واحدة ، كانت تحس أن نظراته تكاد تغرس في مؤخرتها المتراقصة ذات اليمين وذات الشمال ، لم يكن الوحيد ، بل رواد مقاهي الشارع جميعهم ، كانت تستفز رجولتهم تثير في أعماقهم ذلك البركان المكبوت ، لتسخر من توترهم وتصرفاتهم الصبيانية ، كانت تبرر حركاتها قائلة في نفسها " ما العيب في ذلك ؟ الشارع ليس ملكا لأحد بالتحديد ، والتفرج  لا تؤدى عنه ضرائب كالتي يؤديها أصحاب المقاهي للصندوق البلدي " كانت تشفق على بلادتهم ، ووداعتهم ، وانحباسهم عن طواعية في بضعة أمتار مربعة كحيوانات أليفة لكنها مريضة ، وكسولة .

أضحى في مرورها تزجية للوقت ، ولحظات لفرجة مجانية ، وعرض للأزياء وإثارة من كل الأنواع .كانت تتمنى لو تتحول عروضها إلى ضريبة تقتطع كل صباح من رواتب رواد المقاهي مع تقديم عرض خاص لكل من يستطيع أن يدفع بسخاء . تساءلت وهي تذوب وسط جحافل من الناس ما الداعي إلى ما تفعله ؟ لكن سرعان ما عادت إلى وعيها لتجد نفسها مضايقة من طرف أربعة مراهقين أحاطوها وحاصروها بكلماتهم الطائشة ، فذوبت عنفهم بابتسامة ، وتابعت رحلتها باحثة عن صيد ثمين على رصيف قصي وهادىء .

مرت من أمامها سيارة فخمة ، فلاحقتها بعينيها إلى أن اختفت تماما ، تمنت لو كانت جالسة قرب سائقها ، خطرت ببالها صورة رجل هادئ ووديع يوشوش في أذنها بعذوبة ، فزادت رغبتها اتقادا  ، فتحت عينيها ألقت نظرة سريعة على محياه فوجدته مخدوشا ، تقززت وارتعبت وانكمشت متحصنة بالصمت ، فسحبها بوداعة إليه ، فتمنعت في أدب ، اعتدل في جلسته  ، وأدار محرك السيارة بعدما نقدها بورقة مائة درهم بحالها ، رفضت ، فدسها بأدب ، فتحت باب السيارة وهمت بالخروج ، فشدها من الخلف التفتت إليه فقدم لها رقم هاتفه وغادرت .

فتحت نجمة عينيها فوجدت نفسها لا تزال في موقف سيارات الأجرة الصغيرة ، جالسة فوق كرسي إسمنتي بارد جدا ، أحست بالبرد وبالفتور ، مسحت كآبة الشارع بعينيها طولا وعرضا ، فلمحت شابا واقفا في الجهة الأخرى ، كان متكئا على مخدع هاتف عمومي ، وهو يدخن في سهو .أحست بقوة تجذبها إليه ، همت بعبور الشارع ثم ترددت ، تساءلت "ماذا يحدث لي بحق الله؟" ربطت جأشها وانطلقت نحوه غير حافلة بمنبهات السيارات وشتائم سائقيها . وقفت بجانبه ، همت بسؤاله ، فسألها :

هل أنت خائفة ؟

ظلت صامتة ، نظر إلى حقيبتها ، ابتسم في خبث مدركا أن الحظ قد ساق إليه "همزة' هدية رائعة لم يكن ينتظرها و لا يفكر فيها ، ثم دعاها إلى شرب فنجان قهوة ، فقبلت دعوته في الحين ودون تردد.

=3=

وهما يسيران جنبا إلى جنب ، دس يده في جيبه بحثا عن سيجارة فخاب أمله ، أحس بنوع من الضيق ، وأخذ يفكر في حل للتراجع عن العرض الذي ورط نفسه فيه ، توقف بغتة ، أخذ يفتش كل جيوبه ، سألته إذا ما كان قد نسي حافظة نقوده ، فصمت ، ثم تابعا طريقهما غير حافلين بالمقاهي والناس والجدران ، نحو حديقة عمومية .

جلسا جنبا على جنب متكئين على جدع شجرة ، وهما غارقان في صمت قاتل . لم يتجرأ أي منهما النظر في وجه الآخر ، ولا هم بالكلام لتكسير طوق الجليد الذي لفهما فجأة ، ولحظة تشابكت أصابع أيديهما بقوة منتزعة معها بعضا من العشب الأخضر .نظرت إليه ، أخرجت علبة سجائر وأمدته بواحدة ، تسلمها صامتا وأشعلها على الفور .كانا يدخنان ، يتأملان الأزهار والأشجار والظلال والدخان ، مالت نحوه ووضعت رأسها على كتفه ، سألها بصوت خافت :

كم مر من سنة على آخر لقاء لنا ؟

خمسة عشر سنة أو أكثر ..

حسبت أننا لم نفترق إلا بالأمس فقط !

مر سرب من العصافير فوقهما ، فسألته :

أما تزال تربي الحمام الزاجل ؟

تأمل السرب المحلق طويلا إلى أن ابتلعه الأفق وقال :

ذات صباح صعدت لتفقد الخم ، فوجدته فارغا ، انتظرت عودة حمامي طويلا حتى فقدت الأمل ، وفي أحد الأيام بينما كنت مستلقيا على مصطبة فوق السطح ، لاحظت حركة داخل أحد الأقفاص تلاها هديل متواصل ، أسرعت فرحا نحوه فوجدت به حمامة هزيلة ووديعة ، لكنها ليست لي ، فتجاهلتها ، فاستفزتني بهديلها المقلق ، فتركت السطح والخم والحمامة .

سألته:

ولماذا فعلت ذلك ؟

أتعتقدين أنه قد عاد بوسع المرء أن يهتم لأمر شيء لا يعنيه !.

لكن كان بالإمكان أن تتوطد علاقتكما مع مرور الأيام .

لو كان الأمر كذلك ، لكان حدث منذ أزيد من خمسة عشر سنة ، أرجوك لم يعد بوسعي الاهتمام بالحمام أو بأي شيء آخر ...

طرقت كلماته أذنها ، تساءلت وهي تفكر في الأسباب التي دفعته إلى عدم تغيير أسلوب تعامله معها ولو مرة واحدة ..وكيف لم تحالفها حتى الصدف ولم تقف إلى جنبها ومؤازرتها ، ضحكت في صخب ، نظر إليها مندهشا سألها عن السبب ، فقالت:

قبل أن ألتقي بك ، كانت لي أمنية ، أحسست أني عشتها ، كانت كالحلم لذيذة ووديعة  ،لكنها انتهت بكابوس ، فأحسست بالخوف وبحاجة إلى حماية وظل رجل قوي ، وبمجرد ما فتحت عيني رأيتك واقفا أمامي كالمارد ، وبدون شعور خاطرت بنفسي وعبرت الشارع نحوك ، غير آبهة بكل شيء ، ولكن  اللحظة أحسست بتبخره.أتساءل لماذا التقينا ؟  وماذا نفعل هنا ؟

وقفت غاضبة بعدما تركت بقربه ورقة نقدية هي كل ما كان بحوزتها ، أخذها ودسها في جيبه دون أن يلتفت إليها . برحت المكان ، فتمدد على العشب وبدأ ينظر إلى أشعة الشمس المتسللة من بين وريقات الأغصان ، أعجبه المنظر أغمض عينيه ونام .

=4=

في طريق عودتها ، انتشلها زبون مخمور قرب حانة ، ورافقته ضاحكة نحو وجهة مجهولة . وهي تداعبه ، تذكرت وجه صديقها العابس ، تمنت لو لم تفارقه ، لكنها كانت مضطرة للبحث عن مورد رزق يومها ، وإلى جرعة من الحب ، فهي لا تستطيع العودة إلى البراكة دون زاد أو مؤونة ، أو نقود، ثم إن ما كان بحوزتها قد قدمته له دون تردد وعن طواعية ، أمدها الرجل بقنينة جعة فأخذتها شاكرة وصارخة في أعماقها "وداعا أيها الحزن"

=5=

فتح عينيه ، أحس بالجوع ، نظر حوله فلاح له عجوزان يجلسان فوق كرسي خشبي يلعبان الورق ، وهما يحتسيان الشاي من قنينة مربى صدئة / دنا منهما فرمقاه بنظرة قاسية ، أدار لهما ظهره ولعنهما في نفسه ، كره أن يصير في أرذل العمر مثلهما .

وصل الساحة لاهثا منهوكا تحت لهيب شمس الظهيرة المحرقة . باعة الكتب المستعملة ينشون الذباب ، ويفترشون مساحات كبيرة من الأرض بالكتب والمجلات ، بائعو السجائر بالتقسيط والكلمات المتقاطعة يجوبون المقاهي المجاورة ككلاب مسعورة / ماسحو الأحذية يضايقون الباغيات والسكارى بكلماتهم النابية ، وعلى جنبات سور خارجي لمؤسسة عمومية ، كانت زمرة من الأطفال المتشردين مكومين كالقمامة تحت ظل سورها الذي تفوح منه رائحة البول  النتنة والمزين بالجداريات الجميلة . نظر إلى مقاهي السوق البلدي المكتظة بالكسالى ، وهم يهتكون مؤخرات المارة بعيونهم ويجسون نبض الساحة البطيء .مدخل الزقاق التجاري الحيوي والوحيد بالمدينة  لم يكتظ بعد ، لكن عارضي الفواكه  ، والمتسولين يتواجدون في أماكنهم وكلهم على استعداد للعمل . نظر وجهة شارع محمد الخامس فوجده عابسا وباهتا ، تم توجه نحو اقرب مقهى وتهالك فوق كرسي منتظرا حلول الظلام .

نشب عراك داخل المقهى ، هب مسرعا لفضه ، وأثناء ذلك تمكن من نشل حافظة نقود أحد المتعاركين ، ثم تبخر في حمأة الصراع ، فكر في التوجه نحو اقرب حانة ، لكنه سرعان ما عدل عن ذلك ، خوفا من محاصرته من طرف دورية للأمن بغتة ، أحس بانقباض كبير وكأن ستائر أسدلت عليه.

في الطريق أحس بلذة عارمة ، وبدفء يجوب أعماقه ، كان يتساءل لماذا تفجر الخطيئة ينابيعها في أعماقه ، وتلقي بظلالها البائسة على حياته ؟ والنساء ! ما سر سحره لهن ، وهو لاشيء !  لا مستقبل ، لا عمل لديه ..جلف قاس ، خائن ..لا يعرف عن الحياة سوى جوانبها السلبية ، وأفكاره دوما شيطانية ، ..تقلصت عضلات وجهه ولم يجرؤ على التفكير في نفسه ، وأخذ يحلم بمسائه الذي يرتقب أن يكون أحسن من صبحه فحاول السيطرة على أحزانه وكابوسه .

=6=

استقبلته "مامة" ، بالترحيب ، وأخذت منه الأكياس برشاقة ، استوى في جلسته ، داخل الغرفة، ثم سرعان ما وافته الخادمة بطاولة صغيرة وأثثتها بأنواع من الفواكه الجافة وبعض المخللات ، تبسم وهو يمد يده محتارا أيها يتذوق ، وبينما هو كذلك دخلت عليه شابة حسناء ممشوقة القوام ، دنت منه وجلست بجانبه فحفته بعطرها الأخاذ ، ظل ينظر إليها صامتا، تجلت له صورة  "نجمة "منقبضة التقاسيم فكسر سهومه بضحكة مفتعلة صاخبة أعادته إلى وعيه .

تعجب كيف تنفلت اللذة من قيود الزمن وتسكت ذاته البائسة مخترقة بكل طياتها للأخلاق ومكسرة الطابوهات والمحرمات لتحتفي بالجسد فقط وتحرره من كل القيود والمكبوتات .

غادرته وهي تمشي في غنج ودلال ،  حاول نبذ أفكاره فتوقف بريق الكلمات ، فطمر رأسه تحت وسادة ، أحس بصداع رهيب ، أطفأ أنوار الأباجورات بالغرفة ولحظة تناهت إلى سمعه أصداء همس خافت غير بعيد منه ، اعتدل في جلسته وعاد للتدخين .يقارن بين حياته في زحمة الأزقة ودخان السيارات وضوضائها ، ومطاردة رجال البوليس له كل مرة ، وبين حياة الظلمة الجميلة داخل بيوت الفرح  ، تمنى لو يصيرا ثريا جدا ليحقق أحلامه ، ويعيش حياة باذخة  ليدفن ماضيه الأسود وفقره المدقع وحياة الصعلكة للأبد .قطعت عليه "مامة" تفكيره رحبت به مرة أخرى قدم لها ورقة نقدية محترمة تسلمتها مصدرة ابتسامة خفيفة وشاكرة إياه ، كيف تفعلين ذلك و أنت ساحرة وقوية ..أنت الأقوى على الإطلاق . هيبتك ترغمني على إعادة كتابة تاريخي الموغل في الخداع والخبث  ومحاولة اكتشاف نفسي من جديد ، أنفث ما نرسب مع مرور الزمن من أحقاد وكبت ،أنظف ركاما من الكلمات البائرة في قاموسي بعدما صارت  كأوراق الخريف فاقدة للقوة وللنضرة وعاجزة عن الاستمرار .أنا اليوم برعم صغير في غصن من أغصانك في حاجة إلى شمس تدفئه وإلى نسيم وندى يمدانه بنسغ جديد ، بالأمل .

صمت فجأة ، وكأن الكلمات توقفت ورفضت أن تخرج من فمه محدثة شرخا وجرحا بليغا بداخله ، تمتم قائلا :

أنا بحاجة إلى امرأة تغسل حزني ، وتبدد كلماتي وتغرقني بحبها في أعماق الليل .

 

-          حاول الكلام ،لكنها قاطعته ، وأردفت قائلة :

-          لقد حولت هذا البيت إلى زاوية من نوع آخر ، مقرا لحل كل المشاكل المستعصية ، لو تكلمت هذه الجدران المتآكلة ، لنفثت ما صدأ عليها من هموم . لو تكلمت باحتها لرأيت الأمل مشرقا يانعا كأزهار الياسمين ، ممتلئة بحب الحياة . كل الذين توافدوا إلى هنا من اجل الفرح، كانوا يلقون بهمومهم خارج عتبة المدخل كما تلقى القمامة في الأكياس السوداء ، لا يعرف أحد ما بداخلها ، كل الذين حضروا إلى هنا كانت لهم حياتهم الخاصة، وأسرارهم المفزعة والمفجعة ، ومثقلون بأحمال ، لكنهم في هذا المكان بالذات كانوا مجرد أطفال صغار في روضة معلمة عجوز ، يشاغبون ، يتمردون على المألوف ، والواقع تماما كما تفعل أنت اللحظة...

-          تنهدت بعمق ، وسرحت في ذكرياتها لكنه فاجأها قائلا :

-          أريد معرفة كل شيء عنك ..

فحدجته بنظرة خاطفة ، أخذت منه ما تبقى من "الجوان" أوقدته من جديد وصارت تدخن وتتعقب الدخان المتصاعد في سهوم ، وقالت له :

-          هل تحبني فعلا ؟

-          نعم

-          لقد علمتني التجارب ألا أثق في رجل ، كثير الثقة بنفسه ، ومعتز بمكانته .

-          لكن ، أنا لا مكانة لي ، أنا أكبر صعاليك هذه المدينة !

-          كلامك يثير الاندهاش ، لم تروم تغيير مجرى الحديث ؟

-          أحاول فقط أن أنتزعك من صمتك ، لتعيري كلماتي اهتماما يليق بها ، البيت نابض بالفرح ونحن بحديثنا نغوص في قعر يم هائج .

-          فقاطعته قائلة :

-          كم أنت ظريف وغريب الأطوار ، نحن نتشابه في كوننا نركب العناد ، ونتحدى المستحيل ، لكن أتساءل هل فعلا ما يحكى عنك من قصص ونوادر قد لا تصدق أحيانا حقيقية ؟

-          ماذا يحكي عني الآخرون ؟

-          كل زبنائي لا حديث لهم في أماسيهم وسهراتهم إلا عن مقالبك ، لقد شككت لحظة في كونك شخصية واقعية ، لكن ما كان يؤثر في دوما هو إيثارك وسخاؤك وحبك للمستضعفين والفقراء .لقد  كنت أتمنى أن تزورني يوما وها أنت قد فعلت .

-          لو كنت أعرف أن لي كل هذه السمعة الطيبة والعجائبية في نفس الوقت ما كنت تجرأت حتى على الدخول ، والآن أتساءل كيف سأتجرأ على الخروج بين كل هؤلاء الذين حولوني إلى بطل ونسجوا عني حكايات ، أجهل تفاصيلها .أنا يا سيدتي رجل بسيط ، قهره الزمن ، وتكالبت عليه الظروف وتنكر له كل الأصدقاء ، لما قدمت إلى هذه المدينة ، كانت فرصي في حياة ناجحة كبيرة جدا ، لكني حدت عن مسار الواقع وأحرقت أحلامي بالأخطاء .

-          ماذا حدث ؟

-          لقد كان السر في الخسائر التي تكبدتها والانتحار الطبقي الذي عشته "امرأة"

-          امرأة ؟

-          نعم إمراة ، فاتنة الجمال ، قابلتها في بداية المشوار ، في أول تجربة حب حقيقية وصادقة ، لكن تهوري حول حياتي إلى جحيم ولست أعرف ماذا كان يحدث لي ، لكن كل ما أذكره هو أنني تركت كل شيء ورائي وتهت لسنوات ، تشردت ، ونبذت ، واختفيت ..وبعد ما نسي الناس أمري ، عدت في هيئة  أخرى وبفكر مغاير ، أزرع الرعب في المدينة وأحيائها ، فحولوني إلى بطل أسطوري لكنه حي . رغم هذا المجد الذي رسمه لي الآخرون ، أشعر إنني أتعس إنسان في هذه الدنيا .  

 

نظرت إليه ضمته ‘إلى  صدرها ، والدموع في عينيها .تعالت رنات وتر شارد مرة وحزين ، وصدح صوت مغنية من غرفة أخرى ، بموال كسر الحزن والهشة والكآبة معلنا بداية الاحتفال .

=7

نزلت من سيارة الأجرة في الصباح الباكر بعيدا عن الحي ، ترجلت قليلا نحو مطعم بائس ، طلبت صحن "بيصارة" فول بزيت الزيتون،والكمون ، وأخذت تلتهمه بنهم شديد ، أحست بلذة غريبة ، تذكرت رحلتها الأولى إلى طنجة من أجل البحث عن العمل ، ووقوفها كل صباح في طابور طويل أمام محل لبيع "البيصارة " ومغامراتها الطائشة . لعنت حالتها  . أغرقت ذكرياتها في الصحن من جديد ، وأخذت تحتسي وجبتها باكية ، تذكرت "عليلو المرنيسي " ذلك الشاب الذي عرض عليها حياة أفضل بمرافقته إلى مدشرهم ، والزواج به ، لكنها كانت تركب عنادها وتنظر دائما إلى أعلى من طاقتها ، كانت مصرة على أهدافها ، غير أنها عادت ذات يوم هاربة وخائفة من ملاحقتها من طرف أحد صبيان بارونات المخدرات بالمضيق و ظلت مختفية عن الأعين لأشهر  .

طلبت كأس قهوة سوداء مركزة بدون سكر ، عبتها بسرعة تم سارت باتجاه الحي ، وهي شاردة الذهن مشتتة التفكير وحائرة ، تفكر في عزيز ، وفي صمته ، يخالجها إحساس كبير أنه لم ولن يتغير ، فهو سيظل مجرد لص حقير ، ورعديد وجبان .عناده ،غموضه ، نواياه ، غور أعماقه برودة أحاسيسه ، طرافته ، تهوره ، كل ذلك يجعله مختلفا عن كل الذين قابلتهم أو تعاملت معهم ، بل وأركعتهم بجاذبية جسدها المرمري البديع وحلاوة لسانها  القاتل أحيانا وبقوة شخصيتها ، بساديتها أحيانا أخرى . كانت تحتقر كل الرجال إلا هو ، كرهتهم جميعا إلا هو ، احتارت ، احتقنت ، تساءلت عن السبب في ذلك  الضعف الذي يصيبها أمامه رغم مرور كل تلك السنوات ؟ لماذا انهارت كقصر رملي على شاطئ كبير ، توقفت لحظة وجلست على حافة سور مطل على نهر أم الربيع ، أشعلت سيجارة وصارت ترشفها بعمق ، وهي تنظر إلى الماء وهو منساب في هدوء ، وإلى طيور النغاف وهي تقيم احتفالاتها الصباحية فوق أغصان الأوكاليبتوس الباسقة . مسحت بعينيها جانبا من الحديقة التي كانت فارغة إلا من آثار دخان موقد في أحد الأركان ، ضحكت وأكملت طريقها نحو المنزل ، تذكرت كيف كانت هي وذلك الحقير "عزيز" الذي أهانها بالأمس ، يتسامران في نفس المكان  ، مسحت شفتيها  .أحست أنها متوترة رغم قضائها ليلة مرحة وجميلة ، صارت في الزقاق النتن ببطء تنط من بقعة والى أخرى تحاشيا لتلويث حذائها الجديد بمياه الصرف الصحي التي تحاصر الممر الوحيد المؤدي إلى البيت . انتبهت إلى الأبواب القصديرية الصدئة والجدران الطينية المتآكلة ، والزرائب الملحقة ببعض البيوت ، بصقت ساخطة على وضعها الكريه ، ولحظة لمحت سيارة سيمكا 1100 مركونة قرب باب منزل بنت "ابراهيم" وأدركت أنها فوتت عليها ليلة "قصارة" مشهودة ، ولا غرو أن، الشيخة" مينة " قد أتحفت ضيوفها بوصلات من العيطة "المرساوية والحريزية ومواويل  أمازيغية رائعة "..

تذكرت كيف كانت تهرب من المدرسة لتحضر تداريب الجوقة بذلك المنزل الذي وشم ذاكرتها الفجة بكثير من الندوب والذكريات الحلوة والمرة في نفس الوقت ، كيف كانت تقوم بكل أعمال السخرة والتنظيف مقابل حضور تلك الطقوس التي كانت تسحبها من عالم البراريك إلى عوالم تمتح من سماوات التصوف والسفر إلى ما لا نهاية مع روائح الكيف  المسروقة  وفضلات الموائد التي كانت تتولى مهمة جمعها وتنظيفها ، ودمعت عيناها وبكت في صمت يوم طردتها "المعلمة" من المنزل لعدم التزامها ببعض القواعد ، تنهدت وضربت بحقيبتها جدار الزقاق صائحة في  أعماقها " لقد كنت بحاجة ماسة إلى تلك الدريهمات التي سقطت سهوا من جيب ولد المقدم إدريس ". لماذا التقطتها وانسحبت ؟

لم تكن تعرف أن البيت كان  كله عيون ترصدها  وآذان تلتقط أخفت الهمسات خلف الأبواب . ورغم عاداتها السيئة كانت مميزة جدا بصوتها الرخيم وملكة الحفظ السريع والأداء المتقن ، مما أثار حفيظة بعض الشيخات  عليها وحكن الكثير من المؤامرات ضدها .

كل الوافدين على المنزل كانوا يطلبون سماع صوتها داخل مجموعة "مينة الحريزية" مما أفسح لها مكانا بات من الصعب التغاضي عنه مع مرور الوقت .

ابتسمت في صمت ، تذكرت "علال الكوامنجي " لما كان يتمرن ذلك المساء على مقطع من رائعة "خربوشة " فأطلقت العنان لصوتها يكسر كآبة الغرفة / مؤنسا وحشة الليل  ، لكنها سرعان ما توقفت عن الغناء وهبت مسرعة نحو الخارج ، خائفة ومرعوبة من أن تلحق بها "مينة" مكروها ، فهي طردتها من البيت بصفة نهائية ولم يسمح لها بالعودة حسب قوانين بيوت الفرح . لكن لماذا كان  علال يتمرد على كل القوانين والأعراف ويدعوها للحضور من حين لآخر ..؟

فتحت بوابة المنزل وتسللت إلى غرفتها على رؤوس الأصابع حاملة حذاءها . جلست أمام مرآتها المكسورة ، أو ما تبقى منها وجالت بنظراتها تتملى في صورتها المنعكسة ،  أحست ببرودة يديها ، مسحت وجنتيها محاولة إزالة ما علق فوقهما من مساحيق فهالتها صورتها البشعة ، شتمت نفسها وبصقت على المرآة متسائلة ، ماذا يعشق الرجال في ؟ تنحت بوجهها نحو صورتها المعلقة في إطار كبير أمام باب غرفتها ، ازدرت نفسها وتهكمت صارخة " أنتِ مجرد رقم هاتف في مذكرة "!

ظلت  تتقاذفها أفكار سوداء ذلك الصباح ولم تتمكن من التخلص منها إلا بالنوم ، فتناولت مسكنا وأوصدت باب الغرفة بالمفتاح ، فأظلمت الغرفة من جديد ، لكن ثقوب السقف اللعينة كانت تدخل خيوط نور شاردة تمزق سجاقة الظلام وتسقط بعضا من أشعتها على وجه المرآة الصقيل وتعكسها نحو سريرها . في الخارج دبت حركة غير عادية ، أدلوجات الماء المحمولة من و إلى السقاية كانت تحدث بعض الضجيج ، سمعت أمها تتحدث إلى جارتهم "رابحة" حول أحداث الأمس بمنزل بنت ابراهيم وتدخل دورية للأمن واعتقال كل من كان حاضرا بحثا عن مروجي المخدرات ووسطاء الهجرة السرية نحو الخارج ، تساءلت كيف تحولت البراريك المهمشة إلى منطقة غليان تعج بالحابل والنابل ومنجم ذهب للحالمين بالثروة  ، لكن سكانها سيظلون كما هم مجرد قاذورات "ياميمونة" .

لطمت الأم خدها وأغلقت فم رابحة بيدها طالبة منها خفض صوتها ، فأبنتها قد عادت مبكرا من عملها ، منبهة إياها ومحذرة لها في غضب من عدم مناداتها باسمها المهني السابق ، فلا علم لأبنائها بذلك  . انسلت الجارة بهدوء نحو منزلها تاركة "ميمونة " غارقة في ذكرياتها الحلوة والمرة  ، باحثة عن أجمل لحظاتها وأبهى صورها ، تذكرت "علال الكوامنجي " الذي افتتنت به حتى الجنون ، والعربي وميلود والجلالي وعلي ، " والهادي الفاكنسي " الذي كان يلفها بآلاف الأوراق الخضراء حتى تصير ، حتى تصير كشجرة التين مزهوة ويانعة لكن في غير فصل الربيع . نظرت حولها وإلى الأواني المتواضعة التي كانت تقوم بتنظيفها ، وأخذت صحنا من لذائن وصارت تنقر عليه نقرات خفيفة ، مرددة روائع العيطة العتيقة .

سحبت نجمة الغطاء فوق رأسها وتمتمت ساخطة ، "الشيخة " لا تلد إلا شيخة أو ق.......، لا يحق لي بعد اليوم الندم على أفعالي أو الخوف مما تخبئه لي الأيام من مفاجآت ، فالمدينة كانت وستبقى بيتا كبيرا للفرح ، ولا شيء غير الفرح .

ركاطة حميد -  المغرب  

 




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home