مقال

 

الأجنحـــة الورقيــــة

أماني فاخوري



هل نعيش فعلا تقبلاً حقيقياً للآخر؟ لأفكاره؟ لحريته؟ لمشاعره؟ لقناعاته؟ أم أننا في زمن يُفاخَر فيه بالمفاهيم الجديدة, وإن بقيت سجينة العقل والورق والخطابات الفكرية, دون أن تمس الواقع بأي تغيير!؟ ينادي الكثيرون بأن الإنسان المتحضِّر الذي يتمتع بقدر من الوعي بمجتمعه وحاضره ومستقبله هو الذي يقبل الآخرين على اختلاف قناعا تهم وأفكارهم. ولعلَّ هذا يعتبر أجود ما قدَّم الإنسانُ المعاصر لذاته لينعتق من العبودية للتقاليد التي كانت تهدف - على مرِّ السنين العِجاف - إلى (حصار العقل والثقافات). فمن حق الطفل أن يفكر بطريقته، ومن حقه أن يرفض ما لم يقتنع به، عندما لا نستطع أن نقنعه بما هو صحيح من وجهة نظرنا. ومن حق الفتاة أن ترفض ا لحجاب عندما نفرضه عليها في سن لم يفرضه الله تعالى فيه, حتى لا تُلغى سنوات عديدة من طفولتها البريئة؛ بحجة أنها مشروع امرأة ربما تأتي يوماً ما بالمشكلات إذا لم تُعلَّب بشكل مُحكم. ومن حق المواطن أيضاً أن يُعطى حرية اختيار مَنْ يمثِّله في مجلس الشعب، دون وصاية من أحد. ومن حق الزوجة كذلك أن تفعل ما يمليه عليها عقلُها وتفكيرها في خصوصياتها دون تسلّط أو وصاية. لكنَّ المثير للانتباه أن أغلب الذين ينادون بتقبُّل الآخر يتوسلون بهذا النداء من أجل تسويق أفكارهم ليس إلاَّ، مغفلين ضرورة قبولهم للآخر، الذي له طريقته الخاصة في التفكير، وأن ذلك رهنٌ لقبول أفكارهم لدى مَن يمثِّلون ذلك الطرف الآخر، بالطريقة التي تروق لهم. [ فعليكَ أن تقبلني كما أنا أفكر، عندها أستطيع أن أقبلك، كما أنا أفكر أيضاً ]. المشكلة ليست في هذه المبادئ أو تلك، أو في النظرية الفلانية أو سواها. لكن المشكلة الحقيقية هي في العقول المتصخِّرة التي تخشى من تغيُّر تضاريسها الأثرية، فإذا بأصحابها - كالنخلات الباسقات - يتعالون بأفكارهم العظيمة -عن الحرية والإنسان - عن أن ينزلوا إلى أرض الواقع، الذي منه نشأوا، وفي مدرسته تعلَّموا، لكنهم لم يُنزلوا الغيث به رغم كثرة جداوله في أفكارهم. فمن يحمي حرية الطفل الفكرية في أسرته أو مدرسته؟ هل هناك من يحمي هذا الحق للمرأة في بيت أبيها أو زوجها؟ وللطالب في كليته؟ أو حتى للأستاذ في مدرسته أو جامعته؟ وللكاتب والصحفي ...؟ فكيف نوجه النفوس لتستنشق هواءً نظيفاً غير دخان المدن؟ ومتى تتقبَّل أمزجتُنا شيئاً غير طعم الرمان الحامض؟ ومتى تُعتق الأفكار من عبودية العقول والأوراق والجوائز الذهبية؛ لتهبط وحياً على القلوب، وخيراً فيَّاضاً من الجوارح؟ متى نتخلَّى عن دعوى الإبداع دونما معايشة له على أرض البشر؟ متى نكون مبدعين حقاً فنسير على أقدامنا إلى سبل الارتقاء الحقيقي بالواقع، بدل أن نحلِّق في فضاء الفكر بأجنحة من ورق؟!




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home