القلم النقدي

 

عذراً للقضية...عذراً للتكنلوجيا

محمد فريد عبدالله



عذراً للقضية ... عذراً للتكنولوجيا

                                     

   بقلم محمد فريد – جامعة النجاح الوطنية

 

ربما ما دفعني لأكتب هذه الأسطر البسيطة هو اللقاء الذي استضافته جامعة النجاح الوطنية لوزير الإعلام الفلسطيني مصطفى البرغوثي في اليوم العالمي لحرية الصحافة ، عندما قام بعرض خرائط لجدار الفصل والضم عبر برنامج power point  ، هذه الرسومات صممت ورتبت بشكل يسهل استيعاب المعلومات الواردة فيه.

ما يهمنا هنا الاستخدام السليم للتكنولوجيا والتي وظفت لعرض هكذا مواد، حينها عادت بي الذاكرة عدة أيام عندما وصلتني رسالة عبر البريد الالكتروني مصممة على البرنامج المذكور لكنها تحوي صوراً ومعلومات بعيدة حد السماء عن تلك التي شاهدتها في المؤتمر .... مجموعة صور تقابلها أبيات شعر تستهزئ بهذا الحزب أو ذاك ، أو تقارن هذه الشخصية مع تلك وتطعن بها في أحيان كثيرة.

علامات استفهام بدأت تتسابق إلى ذهني، هل وصلنا إلى حالة من الاستقرار والرخاء ولم نجد شيئاً مفيداً نوف خلاله هذه البرامج ؟ وكأن الاحتلال الإسرائيلي قد زال، وآثار العدوان والفلتات أصبحا من الماضي ووضعناهما على رفوف النسيان...؟

 

عشرات من هذه الرسائل التي تكون على شكل شرائح تصل عبر البريد الالكتروني عدا عن مئات النغمات الساخرة من أحزاب تعددت ألوانها نسمعها على الجوالات، وكأن التكنولوجيا وجدت لتطعن بهم حتى ولو كنا نتحفظ على بعض مواقفهم، لكن نشرها يزداد يومياً، في الوقت الذي تزداد فيه عمليات الاغتيال والاقتحام والخروقات اليومية، وتكفينا مأساة الحواجز العسكرية .

 

تسعة وخمسون عاماً مرت على النكبة ومن حينها إلى اليوم وغداً سنظل نتعرض إلى القتل والتدمير، في الوقت الذي يعتقد فيه ملايين الأمريكيين أن الفلسطينيين هم من يحتلون ويقمعون، ويمارسون عمليات تطهير عرقي ضد اليهود ..... ربما السبب واضح.. الاحتلال وظف التكنولوجيا كاملة لكسب الرأي العام العالمي وهاهو ينجح بذلك ، في المقابل نحن سخرنا التكنولوجيا في معظمها للتسلية وبعبارة أدق (لنتناسى واقع الاحتلال الذي نعيشه ونتفرغ في طعن بعضنا بعضاً، علماً أن فلسطين من أوائل الدول العربية التي توفرت لديها خدمة الانترنت ذات الانتشار الكثيف.

 

المصدر معروف

 

إن من يتعرض لهذه النغمات وشرائح العرض سيتعرف مباشرة على مصدرها انطلاقاً أننا عايشنا صراع الفصائل ونظرة كل منها للآخر، على سبيل المثال، من ضمن الشرائح التي وصلتني مجموعة من الصور وأبيات شعر لرئيس الوزراء إسماعيل هنية يقبل خلالها الشهيد أحمد ياسين، تقابلها صورة أخرى للرئيس محمود عباس في استقبال وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس. ربما تعرفنا على مصدر هذه الشرائح...؟

المقصود هنا ، بما أننا قادرين على التفنن في إيجاد المفارقات بين شعب واحد فإنه من السهل أن نكون شرائح لإحدى مجازر الاحتلال وما أكثرها ونقلها لعدة عشرات فقط، ما تلبث أن تنتقل بعدها إلى ملايين الناس، وكما يقال (رب صورة عدلت ألف كلمة) فالانترنت وسيلة إعلامية غير مقيدة ولا يسل عليها مقص الرقيب كما هو في وسائل الإعلام الأخرى.

 

 

أمثلة حية

 

انقطاع الرواتب كان تربة خصبة لنمو هذه الرسائل والنغمات، ومنها ما يتم تناقله عبر الجوالات لمجموعة من قادة حماس مع خلفية غنائية للمطرب حمادة هلال حين يقول ( دي عيلة صايعة ونصابة ..........هاتوا الفلوس اللي عليكم) وفي نفس اليوم الذي رأيت فيه هذا المقطع سمعت على أحد الجوالات نغمة لمذيع نشرة أخبار يقول ( بعد انضمامها لجماعة الإخوان المسلمين، تتألق الفنانة الخاشعة نانسي عجرم وتصدر ألبومها الجديد وين الراتب فيه فيه عند أبو مازن مخبيه...)، حتى من هم في رحمة الله أيضاً لم يسلموا من هذه الأمور.

في الجهة الأخرى ، الاحتلال الإسرائيلي وظف هذه التكنولوجيا لعكس مجريات الإحداث ، وأكبر مثال عندما قاموا بتحويل صورة الشهيد محمد الدرة ووالده على أنهم مستوطنون يتعرضون لإطلاق نار من قبل ( إرهابيين ) فلسطينيين ونشرها إلى الرأي العام.. لا نستطيع تصور الخسارة التي تكبدتها قضيتنا من هذه القولبة.

 

لنتوقف قليلاً ونفكر

 

ما من شك أن هذا النوع من القذف والاتهام هو شكل آخر من الفلتان ولا يختلف عنه سوى بالأدوات (سلاح عسكري ...سلاح تكنولوجي)

أليس الأولى أن تصوب التكنولوجيا في مواجهة الإعلام الصهيوني الذي يحقق كل يوم نجاحاً في إثبات أحقيته على هذه الأرض؟ على الأقل لماذا لا نعرض مجازر الاحتلال إلى العالم ( راس مالها كبسة زر) وعن طريق كاميرا الجوال فقط نستطيع التقاط مئات الصور على الحواجز، أم أن ذاكرة الجوال مخصصة لهذه النغمات التي تزيد من التعصب الحزبي وتناسي القضية الأساسية، لو قام كل من يملك جهاز حاسوب بتصميم شرائح عرض لانتهاكات الاحتلال ونشرها، فإننا سنلمس تغيراً لصالحنا.

بالأمس القريب ودعنا شهيداً في نابلس، داوود الجنين الذي لم يسلم هو الآخر من نار الاحتلال ، حيث تلقى رصاصة في رأسه وهو في بطن أمه التي ما تزال ترقد في المستشفى. داوود خرج إلى الحياة جثة لم تكتمل بعد.

هذه الصورة لو خرجت إلى العالم ... لشعرنا بمدى التحول الذي سيطرأ على الساحة العالمية .

لذلك الأجدر بنا قبل أن نقوم بانتفاضة عسكرية لاستعادة الأرض، أن نشعل انتفاضة لخلق ثقافة تكنولوجية صالحة ... انتفاضة نوعية تقوم على مقاومة الاحتلال بسلاح أخطر من الدبابات والطائرات الحربية ، انه سلاح الإعلام والانترنت الذي سيتفوق حتماً على المقاومة العسكرية، وأقول عسكرية مجازاً... ودمتم سالمين.    

 

محمد فريد عبد الله

جامعة النجاح الوطنية

Medo_press@hotmail.com




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home