القلم النقدي

 

رامبو عديم القلب

موسى زناد سهيل



موسى زناد سهيل
                             رامبو  عديم القلب
--------------------------------------------------------------------------------

إن الشعر الأصيل موقف ذكي من عالم شرس , وهو قبل كل شيء نتاج إنسان , به يترجم صراع أحلامه ومشاكساته لشراسات الحياة , ويعبر عن القوى الخفية التي تسكنهُ 00
ولن نتمكن من فهم شعر رامبو , دون فهم رامبو الإنسان الذي كان يمثل رامبو حقيقة 0 إن نظرة على حياتهُ تفتح أمامنا مفاتيح شخصيته, التي كانت خارقة حقا ً , وفيها لمحة ما أو ومضة ما ذات وهج عبقري00
بيد أن الوهج رقشتــّه ظروفه التعيسة , وكادت أن تطفأ بريق عبقريته , لولا أن زينـّت شخصيته بقوة إرادة عاتية 00
في مدينة شارلفيل القريبة من الحدود البلجيكية في 20 تشرين الأول 1854 ولد جان نيقولا آرتور رامبو00ولقد كانت حياته الأسرية المنشرخة قد خلقت حوادث كثيرة00 فلقد شارك أبوه في الحملة الفرنسية لاحتلال الجزائر ثم ترقــّى حتى صار نقيبا ً 0
نجم الشاعر, إذن , عن أب كان كثير الغياب عن البيت , وعندما أزمع الجيش إرسال النقيب الأب إلى حملة القرم , انفجرت المشاكل عاتية حتى قادت إلى انفصال الزوجين 00 حيث ترك والده العائلة بشكل غريب وغير مفهوم واستقر في مدينة أخرى ولم ير أولاده بعدئذ00 كانت أمه جادة زميتة , وقورة , مهووسة بالتدين 00 وبعد انفصال عرى الزوجية , ظل الولد رامبو في كنف والدته , فواجه حياة غاية في الصعوبة حيث ربت الأم أولادها الأربعة بشكل قاسي لكيلا ينحرفوا عن السبيل القويم , مخافة أن تتكرر مأساة أبيهم , ولكنه أخذ يَعول نفسه حيث راح يشق طريقه في زحمتها ومفاوزها00 و رغم أن قسوة الظروف قد أبهضته , لكنها خلقت , في الوقت نفسه , الرجل الذي ينهض لها والذي لن يقوى على حمل أعبائها سوى أمثاله0
كانت ذكريات أبيه , الذي غادرهم منذ أغسطس 1860 , وما تلوك أمه عن سمعته من عبارات وشتائم , تؤذي أسماعه وتحز قلبه وتقبض صدره00 ان ما زرعه أبوه من إملاق عاطفي كان بمثابة طعنة لزوجة برّحها الشوق الدائم لغياب يطول , وها هو يجني , اليوم, ثمار غرسه , وهل كان له أن يجني من الشوك العنب ؟!
دخل رامبو مدرسته الأولى في شارلفيل ؛ مسقط رأسه , حيث أجواء الريف الفرنسي قبل أكثر من قرن ونصف 0 وظهرت إشارات نبوغه منذ دخوله إلى صفوف مدرسته , فظهر كتلميذ متفوّق , بل فــذ ٌّ وخاص00 هو الأول في التربية الدينية , وفي الخطابة الكلاسيكية00
لقد أذهل تفوّقه معلميه , فقال أحدهم فيه , ذات يوم , للمدير: ((انه ذكي , أوافقك على ذلك , لكن هناك شيئا ً في عينيه و ابتسامة , لا أحبه00 سينتهي هذا الولد نهاية سيئة على أية حال00 لا شيء عادي ينشأ في ذلك الرأس00 سيكون عبقريا ً إما للخير أو للشر00
وعند فرز بعض ذكريات أقرانه في المدرسة , ممن بقوا على قيد الحياة , عند قيام البعض بحفريات في سيرته يظهر رامبو بمنزلة عبقري صغير , ملاك بوجه مستدير ونظرة حزينة في عينيه الزرقاوين , وشعره المنسدل على جبهتيه وكأنه ملصوق بماء الورد00 وصوره الفوتوغرافية المتبقية في تلك المرحلة ؛ تظهره بهذه الأوصاف, بل لعلها وصف لأحدى صوره الفوتوغرافية الباقية , كما رآها بول كلوديل00
بيد أنَّ صفاته ليست كلها في روعة ما سبق , اذ لم تخلُ أوصافه من نعته بـ (المنافق الصغير) أو القذر00 كان رامبو يتجّول أحيانا ً مع أخيه الأكبر فردريك الذي ولد عام 1853 ؛ في الحقول المحيطة بشارفيل , ويستقلاّن معا ً مركبا ً يسير فيهما في لسان مائي لنهر ((الموز)) الجاري بقرب المدرسة00 في عام 1870 وصل من باريس أستاذ جديد يدعى جورج ايزامباريكي يعلمهم مادة البلاغة الفرنسية00 ومنذ الأيام الأولى توسم المعلم العبقرية في تلميذه , فنشأت بينهما علاقة خاصة , لذلك فأنه سلم مفاتيح بيته ومكتبه الشخصية لرامبو , يأخذ منها ما يشتهي ويطالع فيها ما يريد00 وبدأت مظاهر الأنطوائية تظهر عليه منذ الرابعة عشرة , وخلال الشهور اللاحقة بدأ يفقد توازنه الأخلاقي , في فترة البلوغ واضطراباتها00 قادته عزلته الى نوع من الصعلكة , وفي الوقت ذاته , طغت عنده ( رغبة ملحـّة في الكتابة في الصحف, في العام 1870 أرسل رامبو عدة قصائد إلى إحدى المجلات الشعرية الباريسية عساها أن تنشرها له , ولكنها أوصدت دون قصائده أبوابها , فهو شخص مجهول ولا إسم له في عالم الأدب00 لكن ظروفه أجبرته على الظن بالوهم واليأس00 فدخل مرحلته الفوضوية وترك المدرسة واصطدم مع أمه وعائلته00 وقد هرب مرتين إلى باريس , وفي كل مرة كان يسجن لأنه لم يشتر بطاقة القطار , حتى لنراه في شباط من عام 1871 في باريس , ينبش في القمامة , ويهيم في الطرقات , وينام في مراكب البضائع00 ومع ذلك فهو لا يتراجع00
راح رامبو يستقبل الحياة ؛ هازئا ً بها , ساخرا ً منها , ماشيا ً في مناكبها , وكأن الظروف طرّها من عدوه , فما زال يغالب الظروف وتغالبه , ويعركها وتعركه , دون أن يستمد العون مرة ً من أحد , أو تكون له وسيلة أو حظوة عند ذي قوة , أو غير هذا وذاك مما يبتغي به الناس الوسائل إلى ما يطمحون إليه من غايات00 كانت حياته مزيجا ً من اللهو والصرامة , والشعر والتجارة00 كانت في أوائلها تتوثب الفتنة , ويتحفّز الشر , فكانت الظروف يومئذ , كأسوأ ما تكون, ولكن حياته مضت في شارلفيل , مع أخيه الأكبر , وشقيقتيه ؛ فيتالي التي ولدت في 5 حزيران 1858 وايزابيل التي انضمت الى العائلة في 1860 00 وسار رامبو في حياته الى غايته غير خائف ولا وان زلا منصرف00 كان يكتب أولى أشعاره باللاتينية وهناك بعض منها مكتوبا ً بخطـّه على دفاتره المدرسية00 كان ذلك قبل اتصاله بجماعة الشعراء البرناسيين في باريس00 والبرناسية إحدى أجنحة الرومانسية , ثارت عليها ونادت بالشعارات التالية ك
الفن للفن00
توسيع الأفق الثقافي للشاعر00
الأعتناء البالغ بالشكل ونجويده وصقله00
وقد دُعي أنصارها بهذا الأسم , نسبة الى جبل (البرناس) في اليونان , وهو الجبل الذي تزعم الأساطير اليونانية انه مقر ربة الشعر وسواها من رّبات الفنون00
كان هذا الرجل ذا طاقة حديدية00 كانت العقبات تتجمّع أمامه , وكان كل شيء لديه ؛ رحلاته , شعره , تجارته , جميعها توحي بالفشل المحقق , وإن أي إنسان كان سينكص أمام ذلك , أما هو فيعانده بقوة شخصية مدهشة , ويذهب حتى النهاية00 انه يتوقف بل ويتخـّلى أيضا ً, الا انه لا ينثني0
كان هو نفسه يشعر بما في طاقته من تمرد وحشي وصلابة عتيدة00 إن وراثته ((دما ً فاسدا ً) إقتضى من دارسيه النبش في السلالات المهيأة لهذه الولادة الخاصة00 نبش عن أجداده الأسكندنافيين00 بل انه هو كان يستذكر فيهم ؛ رجالا ً يطعنون جنوبهم, ويشربون من دمهم00 إن الأرض تصنع نفوس الرجال – كما يقول بول كلوديل00 والأصول القديمة تفعل فعلها في الأحفاد , وهي كما تبدو , وحدها القادرة على تفسير الرغبات الجامحة التي لا تعرف كبحا ً ولا تطاوع لجما ً00
إن النفس المتخمة بالإرادة تحيلنا إلى ما كان يحمله في نفسه , من قوى أرضه , وصلف عرقه , وهو كان يعرف أن أجداده كانوا قرويين أجلافا ً , زرعوا ذات سنة , جثثهم علامات على طرقات ((سواب)) في مسيرتهم نحو بيت مقدس وهمية خرافية00 وهو يعرف أن قدره هو في أن يعانق الواقع الحرون0
كل ذلك عززَّ في ذاته رغبة ملحـّة في ترسيخ نفسه وان يصبح اسمه ذائعا ً بين أفواه الناس , وذكره شائعا ً في أذهانهم00 لذلك اندفع, مساهما ً في الثورة الشهيرة باسم كومونة باريس , وانضم الى المتمردين على البرجوازية الفرنسية , وقد ساهم معهم في أعمال الشغب و العنف00 ثم عاد الى مدينته فشعر بالضجر والملل بسبب إنعدام الحياة الأدبية فيها00 كان يدرك , أن الشهرة في مجال الشعر وغيره لا تنال الا بباريس, ولكن صغر عمره (17) سنة وخواء صيبه حرماه من تحقيق حلمه , فجرّب أن ينال الشهرة بالمراسلة00وسعيا ً وراء تحقيق ذلك , باشر في إرسال أبيات شديدة التأثير الى ((مجلة الجميع)) وأبياتا ً ذكية وخبيثة الى مجلة ((لاشارج)) كما أرسل أبياتا ً تنتمي الى البرناسية الى الشاعر (بانفيل) , وحين استقرّ القطار في باريس في أيلول 1871 كان حلمه الوحيد ان ((ينتف جلد)) فكتور هوغو00
إن طاقة التعبير عن الإرادة , بعنفوانها الطاغي , لا تنتشر , ولا تعبر عن نفسها , الا بأقل ما يمكن من الكلمات والحركات 00 انها متمركزة على نفسها00 انه لا يلعب اطلاقا ً , ولا يختلط مع أترابه00 إنه مغلق على نفسه00 عندما جلس أمام (فانتان لاتور) ليرسم له لوحه , ظل ساعات لا يفتح فمه , وفي انجلترا , كان يعيش الى جنب (فرلين) الا انه ((رفيق أخرس)) , وفيما بعد , في عدن والحبشة , كان يحدث له ان يسقط في لجج صمت تدوم عدة أيام00
إن القوة الوحشية الكامنة في وجدانه لا تعني , البتة , أن يستسلم للقلق تماما ً , فلقد كان رامبو يحمل منذ طفولته قرفا ً سريا ً من الحياة : ((قلبا ً , كريها ً عليلا ً ) , يشعر بمرارة في حلقه , ولعنة تنيخ عليه00 ان فيه قوة بروميثوسية , ويحتفظ بقوة شخصية غير مدجنــّة00 ان شارلفيل؛ قريته الوادعة في حضن الريف الفرنسي , توحي اليه بالفظاعة00 ولديه شعور بأنه يتفسخ فيها00 لكن مصاريف السفر وتكاليف العيش في باريس قيدته , فكتب الى الشاعر بول فرلين رسالة مؤثرة يصور فيها أوضاعه00 فرد عليه فيرلين برسالة مشهورة يقول فيها : تعال أيها الصديق العزيز إننا في إنتظارك00
إنضم رامبو الى البرناسية بدعوة تشجيع من الشاعر بول فرلين , مع نخبة أخرى , أمثال ؛ ( سولي برودوم , مالرميه , دي ليل000) الا انه وجد ميلا ً خاصا ً الى فرلين , وهوىً في نفسه لصحبته فتعززت معه علاقة شاذة , وسيرة متوترة ومثيرة 00 ففي العاشر من أيلول يسافر رامبو الى باريس بدعوة من فرلين , وعندما وصل الى محطة الشمال بباريس , لم يجد أحدا ً في انتظاره , فذهب الى عنوان بيت فرلين , وعندما وصل استقبلته زوجة الشاعر , وقالت له : لقد ذهب لاستقبالك لكنه لم يعثر عليك بسبب زحمة البشر الواصلين00
كان رامبو يحمل قصيدته التي تعد من روائع الشعر الفرنسي ؛ المركب السكران 00 واجتمع شمل الضيوف الذين دعاهم فرلين لسماع قصيدته00 لكن الدهشة فاجأت الجميع , فلقد كان رامبو يبدو كطفل00 بيد أن قراءته للقصيدة أصابت المستمعين بالذهول00 وعرفوا أن شاعرا ً كبيرا ً قد ولد00ويقيم لدى آل موتيه0
إن فرلين , وحده , تحمل صبيانية رامبو وظل وفيا ً لصداقته وساعده ماديا ً00 لكن العلاقة الشاذة التي نشأت بينهما فجرت فضيحة في باريس 0
كان فرلين سكيرا ً صاخبا ً , حاول , مرارا ً , أن يخنق زوجته , ومع ذلك ظل رامبو يلاصقه في رحلات , جابا أثناءها باريس وآراس وشارلفيل ودوفر , ويترددان معا ً على أماكن اقامة اللاجئين00 لأن تصرفات رامبو المزعجة وشيطنته وعدوانيته أبعدت الأخرين عنه0
إما شارلفيل , فقد كانت حياة رامبو محددة ؛ بين عائلته , ومدرسته وبعض أصدقائه الذين تمـّت بينه وبينهم مراسلات عادة00 ومن هؤلاء سيبرز اسم كل من دلاهاي وايزامبار كاثنين من أبرز أصدقائه الذين تمــّت بينه وبينهم نوع من الاستقراء لعبقريته الشعرية00 وحين أخذ رامبو يتحسّس أولى تفتح شاعريته , كان يعرض عليهما ما يكتب , ويرجوهما أن يقرأه00
كان به خوف ورهبة00 انه مسكون بالقلق , وفي عالم باريس الجديد عليه , كان متوحشا ً , صدم سيدات موتيه وصديقات فرلين بحماقاته وطرقه00 كان يغوص في حرج ٍ رهيب وخجل مُدهش00 لكنه, مع إخفاقاته , كان يعاند الريح , ويصابر الظروف , فكيف يسمى عظيما ً ذلك الذي تخدمه الظروف فلا يكون له من فضل الا ما يجيء عن طريق المصادفة ؟00 الا أن العظيم الحق انما هو الذي تخاصمه الظروف فينجح على رغم كيدها له , وتتجهم الأيام بوجهه , وتعترضهُ الصعاب الشداد فلا تثني له عزمه أشد الصعاب00 هكذا يكون الرجل الذي يظهر عليها وعلى الرغم منها , عظيما ً ذا قيمة وحظٍ حفيل بالمجد والمآثر00 ويكون في ذلك كالدر تُطــّهر النار جوهَره 0
أولى قصائده المدوّية كتبها في شارلفيل , يقول فيها ((عقلنا الشائب يخفي المطلق عنا))00 كان في السابعة عشرة يومذاك , وكانت نفسه القوية القاسية ما تزال متبقية فيها ؛ مناطق من البكارة والعفوية الطفولية00 كان يريد أن ينشرها فتقف الظروف حياله بالمرصاد , فأراد أن يطويها متألما ً مكتئبا ً00 ألا ما أشد عنت الأيام !
لكنه يبادر الى إرسالها الى ثيودور دوبانفيل , سيد المدرسة البرناسية في باريس , راغبا ً اليه في نشرها في مجلة (البرناسي المعاصر) متضرعا ً اليه في رسالته (( أنا شاب00 إرفعني قليلا ً00 مدَّ لي يد المساعدة )) 00 والذي ترّجى منه المعونة لم يخذله , فنشرت القصيدة 0
كان حساسا ً بأزاء الشفقة00 في قصيدته ((العذراء المجنونة )) كان يتكلم عفويا ً وبلوعة عن الموت الذي يسحق القلب , وعن البؤساء الموجودين حقا ً , وعن الرحلات والأسفار التي تمزق القلوب00 كان يهوى أن يتحدث مع العمال , بل كان معجبا ً بطيبتهم وبإدراكهم القويم للحياة00 لم يذق رامبو لوعة الحب وبرحاء الهوى00 ليس ثمة ليلى من بين الاناث أحبها هذا الشاعر المتمرد00 ففي لندن , وفيما كان فرلين منهمكا ً بكل ما له علاقة بالجمال , كان رامبو كان رامبو يعيش عار المومسات والثياب الممزقة , والخبز المغموس بماء المطر , والسكارى00 كان يتبادل أحاسيس ((حسد الشحاذين , وقطاع الطرق , وأصدقاء الموت , والت\متخلفين من كل نوع ))0
كان يحس انه شقيق البؤساء00 انه شاعر حمل على منكبه ألوانا ً شتى من عذابات العالم00 ورغم أن شهية رهيبة ترغمه على عبّ ما تتيحه له المسرات الشحيحة في الحياة , لكنه يشعر بتوق رهيب نحو شيءٍ ما وراء الحياة00
لا يمكن إغفال الصوفية عند رامبو , رغم ما تثيره هذه الكلمة من البلبلة00 لأن نفسه كانت مطاطية تتلذذ بتأملات كسلى حول ما تدعوه ((حياتها الباطنية )) أو تتلذذ بهذيانات تدعو الإنسان الى الأنحناء أمام السرد , وتقوس عقله , عنوة نحو وضعية طقوسية شبيهة بالعبادة أو أزاء انجذاب غامض نحو الموت00 وفي الحق , فأن شارلفيل عرفت منه أولى علامات اللعنة والتمرد ضد رجال الدين وطقوس المجتمع00 وظهرت آثار هذا التمرد في قصيدته (فصل في الجحيم) ؛ (ان الحياة الحقيقية غائبة)) 0 كانت هذه القصيدة ؛ العمل الوحيد الذي نشره بنفسه في عام 1873 , وكانت تتابعا ً من النثر , مختلف المضامين والنوايا00 انها سرد مأساةٍ , قلبت حياة رامبو , وكادت تؤدي به الى الموت والجريمة00 ان رامبو يريد في هذه القصيدة ان يرينا كيف ان هذه النفوس المولودة للسعادة قد حُرفــّت عن طريقها بفعل تتابع عدد من العبوديات عليها00
كتب وهو في باريس , رسالة الرأي , أوضح خلالها نظرته للشعر الجديد , وهاجم كل الشعراء ما عدا بودلير الذي نعته بأنه أمير الشعراء00 في رسالته التنظيرية قال ما معناه : على الشاعر أن يعيش بشكل فوضوي وان يجرب كل الاحاسيس الغريبة وان يعيش كل التجارب الشاذة والمرعبة قبل أن يكتب حرفا ً واحدا ً00 وقال ان الشاعر يرى ما لا يرى بالعين المجردة وبغير تلك الرؤى الاستشراقية لا يستحق اسم الشاعر00 لكنها حالة لا يتلبسّها الا بعد أن يعيش خلخلة فكرية ونفسية مهولة00 ولأجل أن ينال ذلك إنخرط في حياة السكر والمجون والخروج من المألوف , مرددا ً على الأسماع ان الشعر ينبغي ان يعاش قبل أن نودعه على السطور00 فالشعر برأيه ؟ تجريب , تجريب داخل الحياة وداخل اللغة 00 والشعر يستعصي على البوح ولا يعطي نفسه الا بعد أن ينصهر الشاعر في تجارب حادة باذخة في غرابتها قد تصل به الى حافة الجنون00
وحين ذهب الى باريس , إهتم بالكومونة , ولكنه كان شغوفا ً بالرحيل والتشرد , فمضى الى بلجيكا , حيث كانت قصائده في بروكسل مدمِّرة00 كتب ذات مرة , وهو غرٌّ في يفاعته: ((بعض الدمار ضروري)) , وكان يصبو لأختفاء المؤسسات الاجتماعية00 كتب لإيزامبار , مدّرسهُ وصديقهُ :((أنظر قبعة ومعطف وقبضتاي في جيوبي00 هذا يكفي))00 ثم وقع:((عديم القلب))0
ولقد كان صادقا ً00 فهو لم يقطف الورد في بكرة عمره , ولم يجن الرياحين في ميعة صباه00 ليس رامبو شابا ً يتنسم أريج أزاهير الربيع الخاطف , وإنما غمس قلبه في فيض لذة تدميرية00 حيث ظهرت تلك الطامة الشيطانية إثر لقائه بيول فيرلين في باريس , ثم سفرهما الى لندن حيث عاشا فيها حياة بوهيمية حرة أهتكت الأعراف وتجاوزت التقاليد, فانتهت بالخلاف , وقادت الى مشادة عنيفة بينهما , اختتمت بإطلاق النار على رامبو من مسدس كان فيرلين يخفيه حيث جرح رامبو في معصمه جرحا ً طفيفا ً , واحتوى السجن فيرلين لمدة سنتين00 ثم غاب عن الشعر , وأدار ظهره له واختار حياة أخرى مختلفة تماما ً00 صار ربان زورق مرتحل يتراقص فوق أعراف الموج الثائر00 أو صاحب مركب يتاجر بأنياب العاج ما بين مرسيليا والحبشة وعدن , وهو يتقلب بين الأصقاع والموانىء , يرجع ببصره الى الشطآن التي تأى عنها , ويأسف على ما ذاق فيها من متع , وما رأت عيناه من مباهج وفتون00 كان يتساقى في تجارته أكؤس الغربة مترعة دهاقا ً00 كان سرياليا ً في شعره , مجنونا ً في حياته , رومانسيا ً في رسائله , بوهيميا ً , غامضا ً في سلوكياته00 كان يضحك ملء فيه من الهموم التي تساور نفوس الأحياء وتخامر نفوس الأشقياء , مثلما كان الخجل يصبغ وجهه بحمرة الخجل سريعا ً , سواء أكان سعيدا ً أو , على العكس من ذلك , كان غاضبا ً00
كان مذهبه التدميري يوحي له بأن الغاية هي الفناء , أما الوسيلة فليست ثمة جدوى منها00 أليس سواء لدى المسافر الفريد , ساعة الغرق: أكان راكبا ً في سفينة شامخة شمــّاء , تشق بحيزومها , عباب الماء, تجاهد الزعازع وتصارع الأنواء00 أم كان ممتطيا ً زورقا ً هشا ً تلعب به الأمواج , يلامس الساحل ولا يجسر أن ينأى عنه!
كان في رحلاته ؛آمن السرب , ناعم الخاطر حينا ً , وحينا ً كانت شرطة فيينا تطارده حتى حدود بافاريا , أو يعود الى فرنسا سيرا ً على الأقدام عبر جنوبي ألمانيا00 وكان أياما ً يتمشى في شوارع لندن , وباريس وعدن , وأياما ً أخر يبلغ عن فراره من الجندية ويظل في شارلفيل متخفيا ً , أو يوجد اسمه مرتين في سجل الغرباء في استوكهولم00!!
كان فوضويا ً , متناقضا ً00 كانت المحبة , بالنسبة اليه , أخت الموت 00 ان قراءة بعض قصائده تعيننا على فهم رامبو , وعلى تحسس ذلك التمزق الغامض العاصف في نفسه , وتلك الرغبة في الحياة والعمل00 ثم ان قراءة نقاد كثيرين لرامبو , تكـوّن لدينا انطباعاً عن جوهر أو قنوم محدد , خصوصا ً في ما يُسمى بالرائي (البصير)00 حيث ثمة موضوعات كثيرة تطابق هذه الفكرة في شعر رامبو , حيث انه يخالف المنظورات التي تقبض على الإرادة المستمرة التي يحاول أثناءها تجاوز نفسه ليحوز البق بولادة عالم جديد 0
ان الحيوية الخطابية , وصخب الصور , وغنى المفردات , وتركيب الجمل , كلها تنماز لتزاحم أشعار غيره , بمن فيهم هوجو في مجموعتيه: (( اسطورة العصور)) و ((العقوبات))000 كان رامبو يردد بين أصدقائه الشعراء : انه يكفينا أ، نفتح حواسنا على الاحساس , ثم ان نُثبت بالكلمات ما قد تلـّـقت هذه الحواس00 ان اهتمامه يتجه نحو ترجمة الأحاسيس00 كان يجد الشعر الفرنسي فقيرا ً , بلا لون , ولا طعم غثاً00 ومنذئذ راح يريد لغة جديدة , وراح من جهته , يعد نفسه لنحتها وتطريقها00
قال عنه جان كوكتو , في محاضرة قاهرية عام 1938؛ ((لقد حدث بعد رامبو أمر ذو شأن : فقد كان في فرنسا قبل هذا الشاعر شعر00 ولكن رامبو أطلق الروح الشعري , وكان لا يُعنى الا بالروح0وأعني بالروح أن الشعر قد أصبح بعده مهنة , فقد كان لا ينظم الا اذا أثــّر فيه شيء00 أما بعده , فقد أصبح الشعر تحت الطلب!00 انَّ لنا في الشعر أساتذة , هم شعراء من نوع خاص , لا ينظمون الا وهم في كهوفهم , ولا يعرفهم الا قليلون , منهم رامبو , ومالارميه وغيرهما00 هؤلاء هم الشعراء حقا ً , منهم نتلهم شعرنا))0
لكن قول كوكتو هذا كان قبل سبعين عاما ً , أما اليوم , فلقد استعيدت سيرته آلاف المرات , من خلال الأبحاث والدراسات , ومن خلال ترجمته الى جميع لغات العالم الحيّــة00 ولكن أهم ما يستحضر رامبو ويجعله شاعرا ً حاضرا ً ومستقبليا ً, تلك الجذوة العجيبة التي بثـّها شعره وبثتها نصوصه ومغامراته في روح الشعر , وهي جذوة من انخطاف ورؤيا صوفية استشراقية , عن طريق طمس الحواس حتى بالمخدر, وولع في الكشف والمغامرة , من غير حدود , وهو القائل في كتابه ((رسالة الرائي)) , :((كن رائيا ً00)) , ((عليك ان تكون رائيا ً))0
لكن فكرة رؤية الرؤى لا تنفصل عن فكرة الإنسانية , فليس الرائي البصير منعزلا ً , وما يراه , هو نفسه الذي يبحث عنه الآخرون عن طريق التلمس والتحسس00 ليس الرائي ؛ اجتهاد سري للتطهير أو القداسة الشخصية00 ان من واجبنا ألا نذعن لأراء الكاتب والناقد بيير بتفيز الذي رسم صورة كثيرة التفاصيل لواحد من أكثر شعراء فرنسا , بل من أكثر شعراء العالم غموضا ً وغرابة وجاذبية00 علينا أن نحذر مما أطلقه على رامبو من نعوت ؛ الشاعر الملعون , الشاعر المقدس00 ولا ان نتوهم ان رامبو كان شابا ً يهرف كالسكارى فتفوّه بما لا يعي ولا يعرف , لأنه كان وبكل بساطة , قد رضخ لبعض آراء الطليعة وتمثلها00 انه الرجل الذي رأى , الرجل الذي توّغل في مغاليق الأسرار , والذي عاش هذا الاكتشاف بحبور طاغ فأتى برسالة يطفر بها كما يطفر العصفور من المرح0
إن رامبو تصوّمع في كهف من الأفكار المثالية التي زخّت على الشعر عناصر تدمر التوازن وتشوه معناه نهائيا ً , وبشكل سبب صدمة لفكتور هوجو وميشله وبول ديميني00 فهؤلاء كانوا يفهمون الشاعر على انه راء بصير لأنه يكتشف , في ما وراء الظواهر , يكتشف القوانين الكبرى للتوافق الكوني00 أما رامبو فهو لا يبدو الأن رائيا ً بهذا المعنى الا من خلال المخدرات , والمرض , والرذيلة, انه ينمي أحاسيس نادرة , وهلوسات , اذن فانه من العبث ان يحس الانسان بصدمة او رعدة من ذلك , مثلما انه غير مستحب منه ان يصفق أو يهتف : ان عليه ان يفهم, ان يعي00 ان يغمض عينيه , ويفتح أهداب قلبه لموكب شعري يتهادى في أوقيانوس من رؤى وإنبهارات , وهو يوشك العبور بنا بطقوسية , وعذوبة ؛ عارمتين تكادان تطيحان بموروثاتنا الفكرية غير المرغوبة , أو تكادان تطوحان بمخيلاتنا في رفرف سماوي أو تصفقان أبواب الكسل على همتنا المتثائبة00
هذه الغرائبية ؛ خليط من الهذيان والصوفية والعدمية وقــّحت عليه أقرب أصدقائه و أخلص معجبيه , وهي التي سوغـّت للبعض ممن عكف على تدوين سيرته ؛ تلك السيرة الغامضة والمطموسة00 الشاذة المتشردة البوهمية , الى إدخال أساطير تتراصف مع الخيال , ممزوجة في الواقع00 حيث كتب أدولف رييه:((آرتور رامبو لا وجود له))!00 ((آرتور رامبو اسطورة)) 0 وهكذا غلب رامبو الأمريكي رمز القوة , مفتول العضلات , الذي بثته آلة الدعاية الأمريكية , على رامبو الحقيقي , الصامت , المريض00
آخرون من أرباب القلم , كتبوا عنه بصيغة الكلام عن ذواتهم00 هكذا فعل هنري ميلر في كتابه: (زمن القتلة)00 أغمط رامبو المبدع , أو صار الإبداع عند الرجل , هامشا ً تزويقيا ً00 أما الرجل المبدع فقد اعتبره البعض من الشعراء الملعونين كما فعل فيرلين , ولم يكتف ان يقولها شفاهه أو برسالة , بل أطلقها على عنوان كتاب شهير له00 أما كلوديل فرآه , قديسا ً , ممتلئا ً بوهج ديني وبأشراقات صوفية , من خلال كتابه (اشراقات) فهو بين الملاك والشيطان يتأرجح في سماء العالم00 وكان جون كوكتو قد أشار في خطبة له في جامعة أكسفورد في حزيران 1956 , بمناسبة منحه الدكتوراه الفخرية , الى رامبو كشاعر ذي عزلة مخيفة ولعنة من الولادة , ومرض في الروح!
ظلت اللعنة تطاردهُ , والمرض يأكل روحه وجسده , وكان قد في احدى رسائله الى أهله :(( عرفت منذ زمن بعيد أني لن أعيش حياة أشقى من حياتي هذه))00 لكنه حاول مرارا ً , مناداة ربيعه البهيج الزاهي , الا ان المنية وحدها هي التي أجابته00 ففي العشرين من شباط جعل يشكو من ألم فظيع في ركبته اليمنى00 أوردته تنتفخ حول الركبة00 ألمٌ لم يعد يستطيع معه السير00 لقد غدى يعرج00 ثم في آذار , الألم يزداد حتى عجز عن النهوض00 انه يدير أعماله وهو على سرير قرب نافذة تطلّ على الساحة00في مدى أسبوع رجله تتصلب تماما ً يجد نفسه ملقى على , تتقلص أصابعه على فراغ00 يمزق بأسنانه ملاءة السرير00 يصرخ00 يبكي كطفل عاجز00 تزرق ركبته00 يسافر من زيلا الى عدن على مركب بخاري وهو مدد على فراش00 يبللـّه العرق , لم يعد لأي شيء قيمة00 يتساوى كل شيء في نظر, فلقد تحول العمالقة الى أقزام00 يتشبث بالحياة تشبثا ً من نوع جديد00 تجتاحه رغبة في فك الأربطة الوهمية التي تربطه بالذكريات , لتطفو أمامه وكأنها حدث جديد و أذابه كبذرة انطوت على نفسها , رافضةً ً أي نمو00 يفيض به الألم , ويصبح كل شيء فيه وحوله ذا ملمس صخري , حتى مرارة الألم التي تملأ فمه الجاف00 فيقرر العودة الى فرنسا , بناء على مشورة طبيب عدن الإنجليزي , فيسافر على الباخرة الأمازون00 يغطيه طوفان من العرق , وينوح في بواطنه حنين الى شيءٍ بعيد00 بعيد00 كان مصابا ً بسرطان العظم أو الزهري أو التهاب الغشاء المفصلي لركبته , فيصل في العشرين من آيار الى مرسيليا ؛ محمولا ً على محفــّة , وساقه الوارمة متدلية في رباطة حول عنقه , ويدخل مستشفى الكونسبسيون فورا ً , في جناح المرضى القادرين على دفع نفقات العلاج00 ويقرر الأطباء أن بتر الساق لا بد منه00 وفي يوم الأربعاء 27/5/1891 أجريت العملية00 كان قبل ذلك قد أخبر أمه برقيا ً , وسألها أن تأتي بسرعة00 وبعد ساعات وقفت الأم على رأس سرير إبنها00
لم يكن رامبو , طيلة عذاباته المضنية و أيام مرضه الطويلة ؛ مؤمنا ً00 كان يجدف00 لكنه , في أيامه الأخيرة , أخذت الغرفة تمتلىء عليه بأشباح تحمل الموت , وتمسك الموت , فإذا بصلة وثيقة تربط بين ألمه , وما بين شعوره بذاته00 رفع الالم الغطاء عن إحساسه بفرديته , في حدة وقسوة00 تمزقت تلك الأربطة الواهية بالصلف والضياع , وأمام قسوة الألم ينكمش متقلصا ً على نفسه , فيستغيث بالمسيح ويصلي00 كان يكرر , أحيانا ً بالعربية التي عرف بعضا ً منها من خلال تجارتهِ الى اليمن ؛ عبارة (( الله كريم )) 00 (( وعسى أن يتم الله إرادته )) , وذلك من خلال يقظة روح دينية مفاجئة, اسلامية ومسيحية00 كان الألم له دافعا ً كي ينطوي على نفسه ضد قوى مجهولة أدركها مؤخرا ً , فكان يستعصم بالله متحديا ً آلامه 0
ولكن هاتيك الاستغاثات لم تُصغ لرجائه , ولكن تلك الضراعات لم ترق لبكائه , وانما حدته الى الرمس حدوا ً , وزجتــّه في غياهبه زجــّاً, فأسلم الروح في المستشفى في 10/11/1891 ( في تمام الساعة العاشرة من صباح يوم الثلاثاء ) ولم يكن قد تجاوز السابعة والثلاثين من عمره00 أسلم رامبو الروح , دون أن تأذن له الأقدار دون أن ينحني فيلتقط أزاهير شعره , وقصاصات ذكرياته00 بل جرّعته من ذات القسوة ومن جوهر الصلف الذي ركب رأسه فيه حيالها , وصدت عن دعوات الايمان المتأخرة , ولم ترضى ان يسارع لاحتساء كأس عمره حتى ثمالتها00 كان ملحدا ً لأنه لم يتعلم من دينه شيئا ً , ولم يتعظ أو يعرف أن الحياة معبرا ً على المؤمن اجتيازه وهو مُعرضٌ عن كل ما حول ,معلــّق بصره على باب قبره00 لكنه وهو على فراش المرض أدرك , بعد فوات الأوان ؛ أن الحياة مرحلة من أشواط الآزال والآباد , وما تطـَّهر أنفسٌ لم تحترق أجسادها ولم تُعّد صلاحا ً لباقياتها بإصلاح زائلاتها00 لكنهُ حين هذى آخر هذياناته , هذى بالفواتير وتجارة أنياب العاج هذيانا ً كثيرا ً00
مات رامبو , فحملت جثة التاجر جان آرتور رامبو , من المستشفى في مرسيليا الى مدافن العائلة في شارلفيل , مسقط رأسه , ولم يمش وراء جنازته , أحد سوى أمه وشقيقته ايزابيل!
كان شعره جزءا ً من هذياناته , بل ان أشعاره كانت , كحياته؛ جارحة جذرية , هُلاسية , وقحة , مغامرة , وأيضا ً ؛ عبقرية00 ففي ديوانه ( فصل في الجحيم) الذي تعتبر قصائده الروح المؤسسة للحداثة الشعرية الفرنسية00 وفيه يصور مغامراته مع فيرلين بطريقة رائعة00 لغة شعرية لا تضاهى00 ثم كتب بعد ذلك ؛ ديوان (( الاشراقات )) , وهو من أصعب نصوصه وأكثرها استعصاءا ً على الفهم , وقد واصل فيه التهجأة الأولى لقصيدة النثر , وطوّر ما أبداه بودلير , حيث تخلى عن الوزن والقافية والإيقاع الخارجي00 وقد وصل بالإشراقات الى ذروة الشعرية00 ثم لا يكون بعد ذلك ثمة شيء00 فصمت رامبو كليا ً , ولم يكتب قصيدة واحدة00 وكان عمره حينذاك ثلاثا ً وعشرين سنة , وهذا من عجائب ما حصل في تاريخ الشعر على مدار العصور 0
لقد تمكن هذا الشاعر الشقي , المريض , المفلس في مدار سنوات قليلة أن يحدث ثورة كاملة في الشعر , ثم وكأنه أنهى رسالته , يصمت نهائيا ً دون أن يعرف أحد السبب الكامن وراء سكوته00 لينقلب الى تاجر, ولم يعد له من همم الا تحقيق شروط يرضي بها أمه00 ثم تخمد صبيانتهُ وصعلكته , ليحلم بالزواج والاستقرار العائلي , لقد تحول الى شخص آخر لا علاقة له بالشعر من قريب أو بعيد00
الرائعة (( المركب السكران )) يطفح النبوغ فوق الحروف , وتميس الجرأة على الكلمات00 الجرأة في تطويع الصيغة المثيرة لقلب المعنى , وتلوين القول بلون الحروف الصوتية00 هكذا اجترأت موهبة وعبقرية رامبو , لتسبك لنا نوعا ً من العنف الشعري في هذه القصيدة , بشفافية لا تمنح أي انطباع أو شعور بالخرق أو الرعونة , أو التسطح أو المجانية , وذلك لأنها تنهض من فيض القوة , فتروّض شراسات المعنى بلمسة مبدعة , وبدفقات مجازية , جديدة , تفرض نفسها علينا وكأنها ضرورية كبلسم الشفاء , أو كأنها وحدها , دون سواها , ما تمنح المقصدية أوج معناها.... 




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home