دراسات هامة

 

المهرجان الربيعي الثالث عشر لمسرح الأطفال بالناظور

جميل حمداوي



المهرجان الربيعي الثالث عشر لمسرح الأطفال بالناظور

 

الدكتور جميل حمداوي

 

تمهيد:

 

شهدت قاعة  نيابة التعليم بالناظور عرسا ثقافيا كبيرا نشّطته حركة الطفولة الشعبية  بشراكة مع المجلس الإقليمي بالمدينة. ويتمثل هذا العرس في الاحتفال بالمهرجان الثالث عشر لمسرح الأطفال تحت شعار" مسرح الأطفال تربية ومواطنة" ابتداء من05 إلى 08 أبريل 2007م.وقد قدمت في هذا المهرجان ست مسرحيات متفاوتة ومتباينة من حيث الجودة الفنية والمضامين الدرامية والفرجة السينوغرافية. وكانت لجنة التحكيم تتكون من السادة الأستاذ عبد الكريم بوتكيوت، والمخرج فاروق أزنابط، والمخرج سعيد المرسي ، والدكتور جميل حمداوي، والأستاذ عبد الله زروال. إذاً، ماهي خصائص هذه العروض المسرحية الستة؟ وماهي حمولاتها الدلالية والمقصدية والفنية؟

 

أ- العروض المسرحية:

 

1-    مسرحية "أس أمزيان / اليوم الصغير":

 

قدّم هذا العرض المسرحي باللغة الأمازيغية من قبل جمعية الريف للمسرح الأمازيغي بمدينة الحسيمة ، وهي من تأليف وإخراج لعزيز إبراهيمي ، و مدة العرض أربعون دقيقة ، ويشارك في هذه المسرحية ثمانية ممثلين  فيهم خمسة  ذكور وثلاث إناث.

تستنطق مسرحية  " أس أمزيان" الأمازيغية الذاكرة التراثية في منطقة الريف ، وتنقل لنا عالم الطفل ببراءته وشقاوته ومكنوناته النفسية والاجتماعية، وكيف ينظر الكبار إلى الطفل وهو يمارس عاداته وتقاليده وألعابه الطفولية سواء داخل المنزل أم خارجه، في الفضاء العمومي المنفتح أم داخل المسيد وخارجه. كما تصور المسرحية يوميات الطفل الريفي وكيف يقضي يومه المعدود بالساعات والدقائق في ممارسة مجموعة من الألعاب مع أصدقائه في مودة وحب وبراءة حميمية.

ويستعرض المخرج مجموعة من الأشكال اللعبية  لدى الطفل الأمازيغي الريفي والتي تشكل الظواهر الفطرية الأولى للمسرح الشعبي بالمنطقة حيث يلتجئ إلى  الموروث المجلي لاستنطاقه من أجل البحث عن الأشكال اللعبية الدرامية التي كان قد اعتاد عليها الطفل الامازيغي بمنطقة الريف مثل: "إمدقان / لعبة رمي القضيض"، و" ثيحوجا ن- ثامزا/ قصص الغولة"، و"إيقدواح/ اللعب بالعلب القصديرية"، و " قنوفار/ لعبة الاختفاء والظهور"، و لعبة "ركوب الظهر"، وقشقاش ، ومسرحة "قصة القنفذ والثعلب"، و"لعبة القطار" و"لعبة السفينة" وتقليد صوت الدراجة النارية....

هذا، وقد اعتمد المخرج لعزيز إبراهيمي تقنيات المسرح التجريبي على غرار مسرح الهواة مستفيدا من توجهات المخرجين التجريبيين  الحسيميين أمثال: شعيب المسعودي ومحمد بنعيسى ومحمد بنسعيد. بيد أن هذا التوجه لا ينسجم مع خصوصيات مسرح الطفل؛ لأن هذا العرض يتسم بالتجريد والغموض وانعدام التواصل بين الممثلين والجمهور الطفولي. وتتميز المسرحية بتفكك أوصالها وانعدام الوحدات، إذ يتحول العرض إلى مجموعة من المشاهد اللعبية السائبة والمتداخلة التي لاتخضع لترابط التمفصلات الوظيفية التي ينبغي أن تتعالق عبرها اللوحات الدرامية مع البعض البعض، بل تسترسل  المسرحية  في تقديم فرجاتها بطريقة تتداخل فيها مجموعة من الألعاب والتي تؤدى ميميا ولغويا ولعبيا واحتفاليا بشكل انسيابي سريع بدون بداية ولانهاية.

وينتقل العرض للتعبير عن الأمازيغية و الأرض والهوية بطريقة مباشرة وغير منسجمة ؛مما جعل الطفل المشاهد لا يعي حمولات العرض وأهدافه المعلنة والثاوية وراء السطور ، وبالتالي، لا يستطيع أن يتوصل إلى فهم الإرسالية ومقصدية المسرحية بسبب تراكب اللوحات المشهدية وتراكم الطقوس اللعبية الغامضة والمجردة، ومن المعروف أن الطفل لا يستطيع في هذه المرحلة العمرية أن يدرك المجرد مادام مرتبطا بالمرحلة الحسية الحركية.

وعلى أي حال، فمسرحية" أس أمزيان" مسرحية تجريدية غامضة  تعتمد على جدارية غير وظيفية و تستقرىء الذاكرة اللعبية في التراث الأمازيغي بمنطقة الريف، وتصور كيف يقضي الطفل يومه القصير وهو يقوم بمجموعة من الألعاب التي تتقاطع فيها مجموعة من الأشكال الفرجوية التي تعتمد على الأمثال والألغاز وسرد القصص والحكايات بطريقة لفظية وغير لفظية على مستوى التواصل. بيد أن هذه المسرحية لم تحقق نجاحها السينوغرافي  والتأثيري بسبب تجريديتها وغموضها المتعسف وتطبيق تقنيات مسرح الهواة على مسرح الطفل الذي يتنافى جذريا مع كل ماهو تجريدي وميتافيزيقي.

 

2-   مسرحية " أسنوس أخاري مسعود/ حمار خالي مسعود":

 

قدمت مدرسة القدس بالناظور مسرحية أمازيغية تحت عنوان" أسنوس أخاري مسعود/ حماري يا خالي مسعود" من تأليف عبد الواحد عرجوني وإخراج محمد أغربي. ويمثل في هذه المسرحية ستة شخوص منهم أربعة ذكور وأنثيان.

وتصور هذه المسرحية فلاحا يعذب حيواناته الموجودة في حظيرة منزله والتي ترتاد حقله كل يوم لمساعدته في أعماله الشاقة، و من بينها الحمار والحصان والبقرة ، بيد أن الحمار هو الذي يتلقى أكبر العذاب والإهانة بسبب كثرة الأحمال المتعبة والأثقال المنهكة التي توضع على ظهره ، إذ يحمّله  الفلاح ما لايطاق من أحمال ثقيلة مجهدة. ولكن مجموعة من الأطفال سيتحولون إلى أشباح مخيفة ترعب الفلاح في الليل وتحثه على العناية بحيواناته وعدم الاعتداء عليها ، وكانت تلك الأشباح التي كان يراها في حلمه الكابوسي المزعج  تشبه حيواناته الموجودة في حظيرته التي تريد ركله ورفسه والانتقام منه.

وفي الأخير، سيعترف الفلاح بأخطائه الكثيرة التي ارتكبها في حق حيواناته الأليفة ويتوب إلى رشده ويقرر أن يعامل حيواناته معاملة إنسانية تعتمد على الرفق والرحمة.

وتنتقد هذه المسرحية الاجتماعية الإنسانية طباع الإنسان بصفة عامة والفلاح بصفة خاصة تجاه الحيوانات التي يعاملها بقسوة وبسلوك شائن. ولكن المؤلف يعالج هذه المسرحية بسطحية وبمفاهيم مغلوطة، فكيف يعقل ألا تذبح البقرة وهذا هو دورها الطبيعي؟ وكيف نريد من الفلاح ألا يوظف حيواناته في العمل الشاق ويستعين بها في شغله وقد سخرها الله لذلك؟!

ويلاحظ تقنيا أن  هذه المسرحية ضعيفة وفاشلة سينوغرافيا، فجدارية الخشبة غير وظيفية ، والممثلون لا دراية لهم بالمسرح، والمخرج لا يمتلك مؤهلات الإخراج المسرحي. كما أن لغة المسرحية ركيكة وضعيفة، في حين يعج العرض بأخطاء إخراجية كثيرة لايمكن عدها أو إحصاؤها، و اعتمد المخرج على وقفات مشهدية كثيرة ، وأقحم فيها أغاني لامحل لها من الإعراب ، وتمتاز  اللوحات أيضا بالتفكك  والهلهلة على مستوى التركيب والنسج الدرامي، بله عن خلط المسرحية بمواضيع لا تمت بصلة إلى  مضمون العرض  كإقحام الهوية الأمازيغية بطريقة  مجانية مختلة لا معنى لها.

 

3-   مسرحية" جرقس أو مسرحية الفئران":

 

تعد مسرحية " جرقس" لجمعية مسرح جوكندا بمراكش أحسن مسرحية من حيث المضمون والرسالة و الإخراج والانسجام الجماعي . وقد فازت بالجائزة الكبرى في المهرجان الثالث عشر لمسرح الأطفال بالناظور، وهذه المسرحية من إعداد و تأليف وإخراج الشريف وكلاندور.

تنقل مسرحية" جرقس" طفلا صغيرا مشاغبا يكره المدرسة ويحب اللهو واللعب، يزعج الجيران ويقلق راحتهم. وقد بقي وحيدا في الحي ينتقل من مكان إلى آخر يطارده الأهل والجيران بينما أصدقاؤه ذهبوا إلى المدرسة للاستفادة من العلم ومحاربة الجهل. وأمام هذا الفراغ الموحش، قرر أن يتوجه إلى مسرحه ليتدرب على مسرحيته المعتادة قصد الاستعداد لتقديم فرجة ركحية رائعة. ولكن سيفاجأ بمجموعة من الفئران الذين سبقوه إلى هذا المسرح وسيقنعون مراد بأن يشاركهم في اللعبة وأن يقدم معهم مشاهد مسرحية للأطفال. وبعد تردد وتفكير سيندمج معهم في أدوارهم التشخيصية. وكم كانت دهشته كبيرة عندما اكتشف قدراتهم الهائلة في التمثيل وأداء الأدوار البارعة فوق الخشبة! بيد أن الفئران سيلقنون درسا كبيرا لمراد في حب العمل والجد وتحمل المسؤولية والالتزام بالدراسة وحب الوطن والإصغاء إلى الآخرين .

وعلى الرغم من كون المسرحية تتوجه إلى الأطفال، إلا أنها زاخرة بالانتقادات المباشرة وغير المباشرة، تحمل في طياتها حمولات سياسية واجتماعية وواقعية وإنسانية. كما أنها مسرحية تربوية هادفة تحث على الانضباط واستخدام العقل وحب العمل لبناء الوطن والأمة على حد سواء.

وتستند المسرحية على مستوى الإخراج إلى القالب الاحتفالي وتوظيف المسرح الشامل حيث يتداخل في المسرحية الغناء والرقص والتمثيل والغناء والميم والكوليغرافيا الوظيفية. و تحيل السينوغرافيا بعلاماتها اللغوية والبصرية الوظيفية  على عالم ثري بالرمزية والمرجعية.

كما تمتّح المسرحية من الكوميديا الساخرة واللعب الطفولي وتشغيل المسرح داخل المسرح والاستعانة بإيقاع الدّقة المراكشية والتشخيص الروبوتيكي ( البيوميكانيكي) وتوظيف تقنية  الراوي الحكيم والرسوم المتحركة والكراكيز ورقصة "أحمد أوموسى" علاوة على اللعب فوق الحبل الذي يذكرنا بمسرحية" الحبل المتهدل" للكاتب الإسباني  أرابال رائد المسرح اللامعقول.

وعليه، فهذه المسرحية ناجحة بكل المقاييس الفنية أداء و تمثيلا وإخراجا وموضوعا ورسالة. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على تمكن المخرج من تقنيات المسرح وتصورات السينوغرافيا وأدوات الإخراج الفنية  وخبرته الفائقة في تدريب ممثليه أحسن تدريب نظري و منهجي وركحي.

 

4-   مسرحية " اسمي رحمة":

 

من أهم المسرحيات الناجحة على المستوى السينوغرافي مسرحية "اسمي رحمة" لجمعية اللقاء المسرحي أصيلا، وهي من تأليف وإخراج الفنان القدير محمد عنان.

تتناول هذه المسرحية قصة فتاة فقيرة هي رحمة تعيش في البؤس والشقاء تحت سقف بيت زوجة أبيها. وكانت هذه الزوجة متسلطة تحب بناتها وتكره رحمة. وكانت تكلّفها بالأعمال المنزلية الشاقة وتعذبها أيما عذاب وتحتقرها وتفضّل عليها بناتها. ومرة قرر الأمير أن يتزوج من إحدى بنات الشعب، فاستعدت الزوجة المتسلطة أيما استعداد لاستقبال هذا اليوم الذي سيختار الأمير فيه الزوجة المناسبة، وكانت تتمنى أن تكون بناتها من حظوة هذا الأمير الوسيم. فأرسلتهن إلى القصر في أبهى حلة وبهاء، فبقيت رحمة  في المنزل مع أشغالها الشاقة وهي حزينة حيرى إلى أن جاءها ملاك ساحر لينقذها من هذه الورطة وينعم عليها؛ لأنها كنت تحب الآخرين وترحم  كل من جاء يستغيث  بها أو يطلب خبزا أو ماء. فحوّلها الملاك إلى أميرة حسناء غنية، وركبت عربة مذهبة بعدة خيول متوهجة. ولما وصلت رحمة إلى القصر اندهش الجميع لحسنها الخارق وجمالها المثير الجذاب. وعندما حانت ساعة  الرجوع إلى المنزل هربت الأميرة بسرعة لتلتزم بالوقت الذي حدده الملاك لرحمة، ولكنها نسيت حذاءها الذي سيتخذه الأمير حجة لاختيار زوجته. وبدأت البنات يجربن ذلك الحذاء إلى أن جربته رحمة فكان على مقاسها السديد. بيد أن رحمة ستختفي بعيدا وسيكون حذاؤها هو العنوان الدال عليها.

يجرب المخرج محمد عنان تقنية جديدة في السينوغرافيا،على الرغم من كون المسرحية كلاسيكية البناء والقالب، وهذه التقنية الجديدة  تتمثل في توظيف السينما داخل المسرح على غرار تقنية المخرج بسكاتور وبريخت. وقد عكس الجهاز صوره السينمائية على شاشة D.V.D ، حيث قدمت  فيها للأطفال الصغار مجموعة من الرسوم المتحركة كسندريون والقط والفأر والساحرة الشريرة وقصة بائعة علبة الكبريت  الخ...

وبعد ذلك قدمت  الفرقة لوحات كوليغرافية من الرقص الشرقي والرقص الإسباني " فلامنكو"، بيد أن الممثلات مازلن لم يتقن أدوارهن بشكل جيد بسبب الحفظ المتعثر والفراغات الصامتة الناتجة عن الارتباك والوقفات  غير المملوءة بشكل متقن.

وعلى الرغم من بعض الهفوات في التمثيل والأداء والإخراج، فقد كانت المسرحية متميزة بسينوغرافيتها الرائعة وديكورها الفخم وأثاثها الكلاسيكي الممتع . وهذا يعكس لنا بجلاء قدرة  المخرج محمد عنان على تطويع السينوغرافيا الوظيفية في تقديم الفرجة الدرامية  الجذابة من أجل إثارة عقول الأطفال وقلوبهم المتفتحة والظمأى إلى مسرح طفولي كالمسرح الذي قدمته جمعية أصيلا تحت عنوان " اسمي رحمة".

 

5-   مسرحية " الهذيان":

 

قدمت جمعية محترف الجوهرة السوداء للمسرح والسينما إلى الناظور من مدينة جرادة بمسرحية سيكولوجية ذهنية تحت عنوان" الهذيان" من تأليف  عزيز الطيبي وإخراج لخضر مجذوبي. و بطلة المسرحية هي أميمة مجذوبي التي فازت بجائزة أحسن ممثلة إناث صغيرات في هذا المهرجان المسرحي المتميز.

تتمحور هذه المسرحية حول الطفولة المغتصبة وما يعانيه المجتمع المغربي من تفاوت طبقي وصراع اجتماعي وما يسوده من ظلم من جراء البطش الذي تمارسه السلطة في حق الفقراء والضعفاء والمشردين. وتندد المسرحية  بتسريح العمال وتنتقد سياسة الحكومة الاجتماعية والاقتصادية، وتصور ما يتعرض له الأطفال من عوائق عضوية ونفسية وما يعرفونه من إقصاء وتهميش وطرد من المدرسة. وبهذا يتحول هذا الوضع المأساوي إلى تراجيديا مرعبة ومخيفة.

ومن جهة أخرى،يشتغل المخرج في إطار الكوميديا السوداء وتجريب المسرح داخل المسرح والالتفات إلى الجمهور لتبليغ الخطاب السياسي المباشر وتقديم الفرجة التسجيلية الوثائقية على غرار مسرح بيتر فايسPeter Weis . ويعني هذا أن المسرحية وثيقة شاهدة على تردي الأوضاع المجتمعية وتؤشر على انتهاك حقوق الطفل في المغرب وتدني مستوى العيش وانتشار البطالة بين الشباب وتسكع الأطفال والقاصرات في الطرقات بحثا عن الشغل والملاذ المستقبلي.

ومن ثم، يمكن القول إن مسرحية "الهذيان" هي مسرحية الأطروحة أو يمكن تسميتها بمسرح القضية، لكونها تقدم قضية اجتماعية حساسّة للمعالجة والتحليل قصد التوصل إلى الحلول المرجوة للحد من بعض الظواهر الاجتماعية الشاذة والمشينة كاغتصاب الأطفال وتشغيل القاصرات في البيوت بدون شرعية قانونية...

 وقد أتقنت الممثلة أميمة مجذوبي دورها أيما إتقان على الرغم من سنها الذي لا يتعدى سبع سنوات، واستطاعت أن تشخص دورها بعربية فصحى معبرة  من خلال عرض قضيتها الكبرى التي تتمثل في الطفولة المغتصبة و التي تدافع عبرها عن كينونتها ووجودها الإنساني والاجتماعي. بيد أن مستوى المسرحية عال جدا بالمقارنة مع مستوى الأطفال، فكيف لهؤلاء أن يفهموا مسرح القضية وأن يستوعبوا حيثيات الاغتصاب وما تقوله قصاصات الإعلام والصحف الإخبارية؟ لذلك، تتنافى هذه المسرحية ومبادئ سيكولوجية الطفل بسبب تجريدها الرمزي وطابعها السياسي المباشر من حين لآخر و تناولها للهاجس الاجتماعي وسقوطها في مسرح الأطروحة والشعار.

 

6-   مسرحية "مملكة العلم":

 

تعتير مسرحية "مملكة العلم" التي قدمتها مؤسسة عمر المختار بالناظور المسرحية الوحيدة التي كانت في متناول الأطفال في هذا المهرجان المسرحي بسبب تجاوب الصغار مع العرض ومعايشتهم لأجوائه  التخييلية والتشخيصية واقترابهم الحميمي من العالم الحيواني .

 وتتناول المسرحية صراعا دراميا بين الجهل والعلم بطريقة متوترة مشخصة سينوغرافيا وكوليغرافيا. ولقد استعان الكاتب بغار يجسد مملكة الجهل والمرض والأمية والحقد والعداوة الشحناء، بينما العلم يمثله حكيم متنور ببياضه الساطع.

وفي الأخير، سيثور أتباع الجهل على سيدهم وقائدهم الذي  أوقعهم في مهاوي التردي والضياع والضلال ليعيشوا الظلمة محرومين من نبراس العلم ومشكاة الاهتداء . وسيعلو العلم وسيسلط أضواءه الساطعة على دياجي الجهل ومسالكه الشائكة وانغماسه في دروب التيه والظلمة الطامسة.

وهذه المسرحية من تأليف الأستاذ محمد بوالديوان ، وهي مسرحية ناضجة من ناحية الإخراج والديكور والسينوغرافيا والعمل الجماعي والانسجام الأدائي على الرغم من وجود بعض الثغرات على مستوى توظيف التقنيات الإخراجية.

 

ب- تقييـــم وتوجيـــه:

 

بادئ ذي بدء نشكر بكل صدق ووفاء وموضوعية تفاني كل من الأستاذين الجليلين المخلصين خادمي الطفولة الشعبية و الحركة الثقافية بمدينة الناظور:  مدير المهرجان أحمد المغنوجي و المنسق العام محمد حمداوي في إثراء المهرجان وتنظيمه أحسن تنظيم والسهر على نجاحه والعمل على تحقيقه ميدانيا وإخراجه في أحسن حلة بهية وصورة سنيّة بعد أن وفرا له كل الإمكانيات المادية والمعنوية.

وبعد ذلك ننتقل إلى توصيات لجنة التحكيم التي كانت تتكون من الدكتور جميل حمداوي والمخرج فاروق أزنابط والمخرج عبد الكريم بوتكيوت والمخرج سعيد المرسي والأستاذ عبد الله زروال والباحث مهداد الزبير. وقد خرجت هذه اللجنة بالتوصيات والقرارات التالية:

·                         التنويه بجميع مجهودات الفرق المشاركة بالمهرجان ودعمها من أجل استمرارية هذه التظاهرة التي تنظمها حركة الطفولة الشعبية بالناظور متمنية لها المزيد من التألق والاستمرارية خدمة للناشئة والطفولة المغربية؛

·                         ضرورة مراعاة خصوصية مسرح الطفل نصا وإخراجا والاهتمام بالجانب الجمالي والتقني ، ومراعاة المستوى التربوي للطفل والتركيز على التشخيص الدرامي بدل الإلقاء والخطاب المباشر، مع حسن توظيف تقنيات مسرح الطفل المتداولة من قبيل الأقنعة والكراكيز وخيال الظل توظيفا محكما يحافظ على تماسك وانسجام بناء العرض المسرحي؛

·                         العمل على تكثيف الورشات التدريبية الخاصة بمسرح الطفل (الكتابة الدرامية- الإخراج- إعداد الممثل- الديكور- السينوغرافيا...)؛

·                         عدم إسقاط تجربة مسرح الهواة ذات البعد التجريبي والهاوي على مسرح الطفل؛

·                         الانفتاح على الفعاليات الثقافية والفنية والتربوية، والاستفادة من خبراتها وتبادل التجارب بين الفرق المسرحية المشاركة في المهرجان؛

·                         ضرورة الاستفادة من سيكولوجية الطفل في تأليف العروض المسرحية وإخراجها؛

·                         تكسير الجدار الرابع قصد إشراك الأطفال في عملية التمسرح لإخراجهم من شرنقة الانضباط والصمت والتلقي السلبي؛

·                         توظيف الأقنعة الحيوانية والرسوم المتحركة قصد إثارة الأطفال وجذبهم إلى  الاستمتاع بالفرجة الدرامية والاستفادة منها؛

وبعد مناقشة مستفيضة للعروض المقدمة من قبل الفرق المشاركة في هذه الدورة انتهت لجنة التحكيم إلى تقديم الجائزة الأولى إلى فرقة مسرح جوكندا من مراكش بمسرحية"جرقس"، وسلمت  الجائزة الثانية إلى فرقة عمر المختار من الناظور بمسرحية " مملكة العلم"، بينما كانت الجائزة الثالثة من نصيب جميعية اللقاء المسرحي بأصيلة (محترف الإبداع) بمسرحية"اسمي رحمة"؛

وسلمت جائزة الإخراج إلى مسرح جوكندا من مراكش للمخرج الشريف وكلاندور،وكانت جائزة التأليف من حظ مصطفى بوالديوان من فرقة عمر المختار بالناظور، وأعطيت جائزة السينوغرافيا إلى جمعية اللقاء المسرحي (محترف الإبداع) بأصيلا.

وإذا انتقلنا إلى تقويم الممثلين فأحسن ممثل ذكور هو رشيد كورار من فرقة مسرح جوكندا من مراكش؛ و قدمت جائزة أحسن ممثلة إناث كبار مناصفة بين  منى السطري ومريم أوزي  من فرقة جوكندا من مراكش، في حين كان عبد السلام بنعبد الله أحسن ممثل ذكور صغار، أما أميمة مجذوبي فعدت أحسن ممثلة صغيرة وهي من فرقة محترف الجوهرة السوداء للمسرح والسينما بمدينة جرادة. وسلمت الجائزة التشجيعية إلى  فرقة القدس بالناظور وجمعية الريف للمسرح الأمازيغي بالحسيمة، كما تم التنويه بمحترف الجوهرة السوداء للمسرح والسينما بجرادة.

وقد ارتأت لجنة التحكيم أن تخصص جائزة إضافية للمخرج محمد عنان من جمعية اللقاء المسرحي بأصيلة تكريما له واعترافا بما أسداه من خدمات جلىّ لمسرح الطفل.

 

خاتمة واستنتاج:

 

 وبهذه الكلمات النقدية الانطباعية التي دبّجناها في حق المهرجان وعروضه بكل نزاهة ومصداقية، نسدل الستار عن المهرجان الربيعي الثالث عشر لمسرح الأطفال الذي كان تحت شعار" مسرح الأطفال تربية ومواطنة"،  والذي نقول في حقه بأنه مسرح  طفولي رائع قد حقق نجاحا كبيرا بكل المقاييس الكمية والنوعية بسبب الجهود الجبارة التي بذلها  رائدا الطفولة الشعبية بالناظور الأستاذ أحمد المغنوجي و الأستاذ محمد حمداوي، وهذا النجاح الذي  عجزت عن تحقيقه حتى المؤسسات الساهرة على الطفولة الشعبية على المستوى الوطني إذا استثنينا ما أنجزه مسرح الطفل المتوسطي بمدينة شفشاون هذه السنة. ولكن أتمنى بكل صدق أن يكون مهرجان مسرح الطفل بالناظور الذي ستنظمه – إن شاء الله- الطفولة الشعبية في السنة المقبلة مهرجانا مغاربيا لتجاوز التكرار الممل والتجارب المعروفة على المستوى الوطني قصد الانفتاح على التجارب المسرحية الأخرى المهتمة بالطفل في الدول المجاورة.

 

ملاحظة:

 

جميل حمداوي، صندوق البريد 5021 أولاد ميمون بالناظور، المغرب.

jamilhamdaoui@yahoo.fr

www.jamilhamdaoui@net

 




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home