قصة

 

علي والكف

خيري حمدان



?لى ابني صالح

منذ متى نبتت في ظهره تلك الحدبة؟.

تراخت تقاطيع وجهه .. وأنقلب شعره أبيضاً كالثلج المهاجر نحو الجنوب، حيث تلتقي تشنّجات العصر مع أنين المستقبل.

نظر الى وجهه بين قطع المرايا الراقدة بين يديه. لا شيء سوى عينان تبحثان عن جُحْرٍ يحتضن عجزهما. وضع المرآة جانباً وحدّق في كفّيه العريضتين. هذا كلّ ما تبقى من الجسد .. كفّان اختزلتا رحلة العمر الطويلة. ((أنا قادرٌ على سحق ثورٍ بين يدي هاتين، ولكني لا أقوى على رفع ظهري لتقبيل امرأة)). أغمض عينيه وقبض على حجرٍ أبيض. نصف قرنٍ مضى منذ أن بدأ ينقش تلال الحجارة ليبث في عناصرها وذرّاتها بعض الحياة، وليصب في أوردتها الجامدة سيلاً من الدماء الحارّة.

قذف الحجر بعيداً وانقلب على ظهره. ابتعدت كفّاه على عجل، أصبح يفصلهما عن تلك الحدبة بحرٌ لجوجٌ وليلٌ صيفيٌ طويل. ((الوداع يا عالم الشيخوخة، لن تكون كلمتك بعد اليوم)).

غمز أحد الكفّين الآخر قائلاً.

_ ما رأيك .. فلنهاجر؟. أجاب الآخر متعجرفاً.

_ ولماذا كلّ هذا الغمز .. نادِني باسمي، أنا لست نكرة!.

_ بل أنت مجرّد كف.

_ كفٌ عريضة ومستقلة، أنا كائن عضويّ لا يستهان بقدراتي بل وأستحق أن يكون لي اسماً.

_ جميلٌ يا توأمي، حان الوقت لنتعارف، أخبرني الآن، ما هو الاسم الذي اتخذته لنفسك؟.

صمت الكفّ طويلاً ثمّ أخذ يحكّ الرأس مفكراً. لم يطل به الانتظار، نظر الكفّ الى توأمه الآخر وصاح:

_ علي .. نادِني بهذا الاسم.

_ ضحك الكفّ الآخر وصفع عليّ مداعباً وصاح:

_ أنا لا أدري إذا كنت وإيّاك مذكر أم مؤنث؟. شعر عليٌ بالإهانة، لكنّه لم ينبس بكلمة واحدة.

_ علي .. اسمٌ جميلٌ حقاً، هل تعلم بأن الابن البكر لسيدنا يحمل هذا الاسم. نظر علي إليه غاضباً وصاح.

_ سيدنا .. من تعني بهذا؟

أشار الآخر الى الوراء وقال بصوتٍ منخفض.

_ العجوز ذو الحدبة!.

أمسك عليٌ بتلابيب توأمه وصرّ على أسنانه صائحاً.

_ قد يكون سيدك أنت. أمّا أنا فشيءٌ مختلفٌ تماماً. لن أسمح لكتلة العفن هذه أن تكون مسؤولة عن مسيرتي.

أفلت الآخر من قبضة علي وقال بهدوء.

_ أنت تعرفُ جيداً بأنك غير قادر على مصارعتي والانتصار على شخصي .. قوانا متعادلة بالمطلق، ونحن مرتبطان عضويّاً ولا يمكن لأحدنا الاستغناء عن الآخر. موتك يعني فنائي، وقوّتي تكمل قوتك. أرجو ألاّ يغيب هذا عن بالك. كما ويجب أن نضع قواعد للتعامل والاحترام المتبادل فيما بيننا ، ومن الأفضل أن تناديني باسمي ..

هزّ علي رأسه موافقاً وقد عَلَتْ حُمْرَة الخجل وجهه ثمّ همس قائلاً.

_ آه .. اسمك! كيف نسيت هذه الحقيقة، وما هو اسمك؟

_ تستطيع أن تناديني بالكفّ.

_ علي والكفّ .. يا له من ثنائي!.

ثنائيّ متناقض للغاية .. كلاهما يدرك بأن وجوده واستمراره مرتبطٌ بالآخر. لا مجال لأي شكلٍ من أشكال الاستقلال والتفرّد. وفي اللحظة التي يتسامى خلالها عليّ ليدرك الغمام يجد نفسه مضطراً للعودة الى الحضيض، ليعاود محاولة الإفلات من قوانين الجذب مجدّداً. وهذا لا يعني بأن توأمه الكفّ سيئ وسلبيّ بل متأنٍ وحذر. يحسب ألف حساب للخطوة التالية. أمّا الكفّ فكان يدرك بأنّه وشقيقه قد سقطا في حقلٍ من الألغام حيث يصبح القفز والتحليق الى مدارات مجهولة انتحاراً مرهوناً بالخطأِ الأول، والذي يعتبر في أحسن الأحوال الخطأِ الأخير كذلك.

كان يتحامل على آلامه وكرامته المتنامية، أمّا علي فكثيراً ما كان يتجاهل هذه الحقائق. إحساسه بتدفق القوّة في شرايينه جعله يفقد السيطرة على نفسه في بعض الأحيان، إلاّ أنّه _وحرصاً على هذه القوّة_ كان يخضع في النهاية لقوانين الطبيعة والبقاء، وسرعان ما يعود يبتسم لشقيقه ويستمع لنصائحه على مضض.

_ أنت تتنصّت على أفكاري!.

نظر الكفّ الى شقيقه وحكّ رأسه بحيرة. كيف يقنعه بعبث الاتهام؟

_ أنا لم أقصد أن أتنصت عليك، ولكننا نملك آذاناً مشتركة.

_ أكره أن تستمع إلي وأنا أمارس الجنس. تصرفك هذا يسبب لي متاعب فيزيائية ونفسية .. هذا عدا عن الحرج وعدم القدرة على الاستمرار الى النهاية .. أعتقد بأنك تفهم ما أريد قوله. كان علي يصيح غاضبا، بالرغم من ادراكه بأن الكفّ ضحية مثله وغير قادر على إيجاد حلٍّ جذريٍّ لهذه المشاكل المشتركة.

احمرّت وجنتا الكفّ خجلاً وهمس قائلاً.

_ لهذا أمارس الحبّ بصمت.

صمت الاثنان وأ?اح كلّ واحدً بوجهه عن الآخر. شعرا بأنّ لحظة الحسم قد دنت. لا يمكن لهذا النمط الغريب من العلاقة أن ت?تمر. كلّ واحدٍ منهما ينمو ويتشعب بعيداً عن الآخر. والرفض هو الصفة المشتركة بينهما، كلاهما يرفض أن تتشابك أغصان وجوده مع الآخر، بالرغم من الجذر المشترك.

_ لنحاول أن نجري هذه العملية؟. قال علي وقد لاحت علامات الجدّ على وجهه.

_ هذا يعني الموت!. أجاب الكفّ بأسى.

_ ليس هناك حلاً آخر. همس علي مغتاظاً، كان يدرك بأن النهاية قد اقتربت. ((سننفصل يا صديقي حتّى وإن كلفني ذلك حياتي، لن أسمح لك بأن تكون شاهداً مطلقاً على حياتي وممارساتي)).

_ اسمع يا صديقي، أعتقد أن المسألة أبسط ممّا تتصور. كلّ ما يجمعنا حبلٌ صُرّي رقيق .. قطعه لا يعني بالضرورة مأساة. دعنا نفعلها وننتهي.

ابتسم الكفّ بعد أن أنهى علي حديثه وأشار نحو البعيد.

_ هل نسيته..

نظر عليّ الى المكان الذي أشار إليه الكفّ.

_ ماذا تعني؟.

_ هل نسيت العجوز الذي يحمل بطيخة على ظهره!.

_ تقصد ..! قالها علي وقد جحظت عيناه هلعاً.

_ نعم .. لن يسمح لنا بذلك.

كان يتمنّى الكفّ لو يدرك علي هذه الحقيقة البسيطة، وهي أن كلاهما امتداداً لذاك العجوز.

نظر علي الى أخيه غاضباً وصاح به.

_ سأقتله .. سأقتله بيدي هاتين.

_ هل نسيت بأنني الي? الأخرى. أنت أحمق مغرور. إنّه يتحكم بمصائر عصبنا المحرّك.

_ أنظر .. إنّه يحدّق بنا.

قلّب العجوز يديه القويتين ووضعهما جانباً ثمّ غطّ في سباتٍ عميق.

_ لكنه بعيد .. بعيدٌ جداً. كان علي يهمس والخوف يتصاعد الى كيانه؟ ((ضاع ذلك الحلم الجميل، لن أكون سيد نفسي بعد اليوم. ما معنى وجودي الآن)).

_ ولكنّه العقل المسيطر؟. استمر علي يهمس والحيرة تتصاعد الى وعيه وكيانه. ضاع ذلك الأمل الذي انتظرته طويلاً. من المؤسف حقّاً خضوع حالة التمرد لقوانين الانتخاب الطبيعي.

انطلق علي نحو الشمال ودار الكفّ الى الجنوب. ابتعدا وشعرا للحظة براحة كبيرة تملأ كيانهما. إنها المرّة الأولى التي يغيب أحدهما عن الآخر.

_ وأخيراً. صاح أحدهما في آنٍ واحد. لهذا لم يسمع أحدهما خليله، ظنّا بأنّ مشاعرهما قد انفصلت. غمرت الفرحة قلب علي والكف. وأخذا يرقصان ويهللان. ولكن لم تمضِ سوى لحظات حتى تقابلا ثانية. أخذ الغضب يتصاعد الى خلاياهما العصبية.

_ أنت؟

انقض أحدهما على الآخر وأخذا يضغطان أصابعهما المتشابكة بشدّة. بقيا على حالهما ذلك حتّى خارت قواهما. شعرا بالوهن ينتشر في كلّ جزءٍ من كيانهما. وما هي إلاّ لحظات حتّى تراخت الأصابع المتشابكة. أدرك علي للمرّة الأولى بأنه مخلوق ضعيف وتابع. أمّا الكفّ فقد أحسّ بالهدوء يملأ نفسه. أحسّ بالراحة للمرّة الأولى منذ أن انفصل عن أخيه. كان قد قرر الانصياع أخيراً لإرادة ذلك العجوز ذو الحدبة الكبيرة.




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home