مقال

 

عبودية العصر وأخلاق المتحضرين

أحمد النهير



عبودية العصر وأخلاق المتحضرين

 

       أحمد محمد النهير

لا تزال قوى الهيمنة والبغي ، كسيف داموكليس /1/ ، رمزاً مرعباً لجبروت القوة ، وطغيانها ، ووحشيتها ، فعلى مدى آلاف السنين ، مارس الإنسان سلوك القتل ضد بني جنسه ، ولا يزال يمارس هذا السلوك البغيض ، ففي البدء كان هابيل وقابيل ، ثم تكرس سلوك القتل ، وأصبح صفة ملازمة للجنس البشري ، فالبشر وحدهم من بين مخلوقات الله جميعها يمارسونه بوحشية فيما بينهم ، ولم تعرف علاقات الكائنات الحية على اختلاف فصائلها وأجناسها وسلالاتها وحشية كوحشية البشر ، رغم ارتقاء القيم وتطورها ، وازدهار الإنسان وتحضره ، ففي الحروب تُفنى الكثير من الأرواح ، ويستباح الضعيف بلا رحمة ، سواء قامت هذه الحروب لأسباب جوهرية ، أو بدون أسباب ، فالقوي المنتصر ربما ذهب إلى درجة إبادة الضعيف المنهزم ، والأمثلة كثيرة 000 الإنسان وحده ، تحركه الضغائن ، والأحقاد ، والمصالح ، والأطماع ، وحب السيطرة ؛ فان كانت السطوة لفئة من البشر على فئة أخرى ، استعبدتها شر استعباد ، استنزفت طاقاتها ، وامتصت خيراتها ، وقيدت إرادتها ، وحرمتها من جميع حقوقها الإنسانية ، ومنذ أن سكن الإنسان الحضر ، وبنى حضارة مزدهرة ، وقطع شوطاً كبيراً في التقدم والرقي ، وأرخ تاريخ حضارته المتصاعدة ، والمتطورة ، قديماً حضارات ما بين النهرين / ووادي النيل ، والحضارة الإغريقية ، والرومانية ، ثم الحضارة العربية الإسلامية ، وحديثاً الحضارة الأوربية الغربية ، وامتداداتها ، وهي الحضارة المتماشجة مع الحضارة العربية الإسلامية ، والإغريقية ، في أصولها ومصادرها ومعطياتها ، بدءاً من عصر الأنوار ، إلى تاريخنا الحاضر ، وإسهامات رموزها العلمية والفكرية ، أمثال : سان سيمون ، وأدوار جيبون ، وجان جاك روسو ، وفولتير ، وجون لووك ، وداروين ،وانشتاين 000 وغيرهم : الذين دفعوا عجلة التقدم والتطور إلى الأمام ، وساهموا في بناء المجتمع الحديث والمعاصر ، وما تميز به من رقي وتقدم وازدهار . ولم يكن التقدم العلمي فقط ممن أعطى الحضارة زخمها وتطورها ، وإنما كان للدين أيضا إسهامات كبرى في تهذيب النفوس ، والارتقاء بالقيم الأخلاقية ، والإنسانية ، منذ الأزل ، فالحق والعدل التسامح والسلام مفاهيم قوية ، ارتكز عليها الفكر الديني ، لنشر تعاليمه وقيمه ، ولبناء الوعي العام ، على صعيد الأفراد والجماعات والشعوب والأمم ؛ كما لعبت الطقوس الدينية دوراً مهماً ، في ضبط وتنظيم سلوك البشر ، والتحكم به وتوجيهه ، لكنها ، لم تحد من الحروب بين البشر ، وربما كان عاملاً مهماً ، وسبباً جوهرياً ، في الصراعات البشرية ، ففي القرن العاشر الميلادي ، غرقت أوربا في الدماء ، ثم تجمعت ، لإعلان حرب عالمية شاملة ، على المسلمين ، من جبال البرت المعروفة بالبرانس ، إلى شمال العراق وبيت المقدس /2/ .

وما كان لحبر كتابات عصر الأنوار أن يجف ، حتى بدأت حروب نابليون ، وهي من أعقم ما عرف التاريخ من حروب ، لأنها قامت لإشباع رغبة رجل واحد ، هو نابليون ، الذي أشعلها ناراً حارقة ، من خليج المانش ، إلى موسكو ، وضحى في سبيل مطامعه بالملايين من الأبرياء 000 /3/ .

وعندما عقدت معاهدات الصلح في فرساي وسيفر بين 1918-1923 ، كانت الفكرة المسيطرة على المنتصرين ، هي فكرة الانتقام ، والإذلال ، وقد ساد أوربا ، انحطاط أخلاقي بشع ، نتيجة الركود الثقافي ، وانعدام التوازن بين التقدم المادي الشاسع المدى ، وبين التقدم الإنساني والأخلاقي /4/ . الأمر  الذي أبقى على الوحش راقداً تحت جلد الإنسان المتحضر ، فانتهكت الأعراض دون مبالاة ، وفقد أهل المدن والنواحي ، كل إحساس بالحق والشرف والكرامة ، وأهينت معتقدات الناس وأديانهم ، وسيطرت على أجزاء كبيرة من أوربا ، حكومات استبدادية غاشمة  ، أنكرت الحريات ،واستهانت بكرامة الإنسان ، وفتحت سجون ومعسكرات اعتقال وتعذيب ، اشرف على عملياتها البشعة ، أناس متعلمون ومتحضرون وتقدميون أيضا ، وسادت أوربا موجة من الكذب والادعاء والتضليل ، وبرهنت على عدم وجود ما يسمى بالضمير الإنساني ، عند أولئك الذين مارسوا هذه الأعمال  ؛ فكانت هذه هي القاع التي نمت عليها أفكار مثل الصهيونية والماسونية والفاشية ، والنازية والشيوعية والإمبريالية التي أرهقت الإنسانية ، ووضعتها في متاهة لا تنتهي ، من الويلات والمشاكل والحروب المدمرة . ففي الحرب العالمية الثانية على سبيل المثال ، دمر سلاح الطيران البريطاني مدينة كاملة ، سكانها مائتا ألف نسمة – هي مدينة در سدن – في ليلة واحدة ، وانتهت الحرب باستخدام الولايات المتحدة الأمريكية القنبلة الذرية ضد اليابان ، فقتلت في هيروشيما في ليلة واحدة مئة ألف إنسان ، وأصابت العاهات عشرات ألوف أخرى ؛ وتلتها قنبلة أخرى على نكازاكي ، وخلفت هذه الحرب أكثر من مئة مليون بين قتيل وجريح ، فتصور مدى هول الكارثة التي حلت بالإنسانية 000 !

وفي العصر الحديث ، مع ازدهار الحضارة ، وتسارع معطياتها ، كانت حركة الاستعمار في جوهرها ، تقوم على سرقة أوطان الشعوب ، التي لم تكن تملك سلاح البارود ، وبسلاح البارود تجاوزت سرقة الأوطان إلى إبادة السكان الأصليين ، إبادة شبه تامة ، كما فعل الانجلوساكسون والأسبان ، في أمريكا الشمالية ، وأمريكا اللاتينية ، في إبادة الهنود الحمر، والأنكا والمايا والأزتيك ، الذين عانوا فظائع لا توصف ، فقد تم تحطيم حضارتهم ، واستخدامهم عبيداً ، في المزارع والمصانع والموانئ والمدن /5/  ، وعاملوا العزل معاملة الرقيق ، كما حدث في أفريقيا وآسيا ، واقترف البرتغاليون ، والبلجيكيون ، جرائم لا تصدق ، في حق شعوب البلاد التي استعمروها ، وتحول الأسطول البرتغالي إلى أسطول قرصنة وتدمير ، ينشر الرعب على السواحل الأفريقية ، وجزيرة العرب ، وبحار آسيا ، وأصبحت تجارة الرقيق ، تجارة رسمية ، وظيفتها صيد الرجال ، وشحنهم وبيعهم /6/ . وقد زاد في هول معاناتهم أيضا ؛ استبداد الأنظمة الفاسدة ، ووحشيتها ، في البطش بأفراد شعوبها ، وترويعهم ، وقد صور بعض الكتاب مرارة العبودية بأسلوب ساخر ، وما كابده الناس من آلام وويلات :

                             فوق الجميزة سنجاب                        والأرنب يمرح في الحقل

                             وأنا صياد وثاب                             لكن الصيد على مثلي

                                                محضور ، إذ أني عبد

                             والديك الأبيض في القن                     يختال كيوسف في الحسن

                             وأنا أتمنى لو أني                                      اصطاد الديك ولكني

                                                لا اقدر إذ أني عبد                 /7/

وكتب مارك توين عن حكم الملك ليوبولد ووحشيته في الكونغو : " أن دم الضحايا الأبرياء الذي أراقه هذا الملك لو صُبت في دلاء ثم صُفت الدلاء لامتدّ الصف ألف ميل ، ولو قدر للهياكل العظمية للملايين العشرة الذين قتلوا  أو ماتوا جوعاً ، أن تنهض وتمشي في خط واحد ،لاستغرق مرورها ، من نقطة واحدة ، سبعة اشهر وأربعة أيام " /8/ .

وفي 30/يونيو حزيران 1960 قال باتريس لوموبا رئيس وزراء الكونغو في خطابه بمناسبة استقلال بلاده : " من سينسى المشانق والحرائق الشاملة التي أُبيد بها العديد من أخوتنا أو الزنزانات المخيفة التي القي فيها بوحشية هؤلاء الذين نجوا من طلقات الجنود ؟ هؤلاء الجنود الذين جعل الاستعمار منهم زبانيته : /9/

هكذا ، عاش الزنوج تحت نير القهر والعبودية ، حياة مليئة بالبؤس ، والمحن والاضطهاد والإذلال ، ولم  يتح لهم البيض ، فرصة التحرر الكامل من الرق ، على الرغم مما اراقوا من دمائهم ، في ساحات الحروب ، وما نالوا من أمجاد في ساحات الرياضة ، وكانوا في المجالين  من أعلام الانتصارات الأمريكية ؛ فقد ظلوا  مطوقين باسم التمييز العنصري ، وبكثير من ظواهره المهينة ، التي يخجل منها الضمير الإنساني . وعلى الجانب الآخر ، محاذاة أفريقيا ، تقوم العنصرية الإسرائيلية على حجة واهية لاغتصاب ارض ــ فلسطين – شعب أضحى مستضعفاً ، تدعمها في ذلك دول كبرى , لتحقيق أهداف  استعمارية ، فاليهود يعتبرون أنفسهم شعباً واحداً ، متميزاً عن بقية الشعوب ، بخصائص ألوهية ؛ لذلك وجب اعتزال " الجويم" لأنهم وثنيين ، لا يخضعون لقوانينهم ، ولا يتزوجون منهم ، ولا يزوجوهم ، ومن حقهم ، أن يسلبوا أموالهم ، بكل وسيلة ، وعليهم أن يلقوا الفتنة ، في الشعب الذي أسكنهم ، وآواهم ، وان يوقدوا  بين أفراده ، نار العداوة والبغضاء ؛ ولا ريب أن تأثرهم بثقافة الأوربيين وحضارتهم ، وإمساكهم بخزائن المال ، وسيطرتهم البارزة في مجال السياسة والاقتصاد والأعلام ، قد منحهم القدرة على إحكام خططهم ، والقدرة على تنفيذها /10/ ، وبذلك بلغوا أعلى درجات العنصرية والتطرف والإرهاب ، في سلوكهم اليومي ، مع الشعب العربي الفلسطيني ، أن التمييز العنصري في سياسة إسرائيل ، هو جزء عضوي من الإطار القانوني للدولة الصهيونية ، ففي القانون المنظم للجنسية الإسرائيلية ، يميز بين اليهودي وغير اليهودي ، في اكتساب الجنسية كما ، أنها حققت أطماعها التوسعية ، واستولت على الأراضي العربية ؛ إما بقانون الطوارئ ، أو بقانون استغلال الأراضي المهجورة 000 ! أو بقانون الملكية الغائبة ، أو بقانون الاستيلاء على الأراضي ، وكل هذه لا شرعية ، ولا تستند إلى قانون بالمعنى الفعلي لهذه الكلمة . كما أنها تخالف القانون الدولي ، في تصرفاتها في فلسطين ، والشرعية الدولية ، وأي قانون موضوعي آخر ، معمول به في كل دول العالم ؛ ولم تحدد حدودها الجغرافية إلى الآن ، ولم تكتف بما اغتصبته من الأراضي العربية ،على مشهد من جميع الدول العربية المجاورة ، التي فتتها اتفاق سايكس – بيكو من قبل ، وذلك عن طريق إثارة الفتن الداخلية ، وتغذية النـزاعات الانفصالية عند الأقليات ، أو بتحريض دول أخرى على احتلالها ، وتمزيقها ، كما هي حالة العراق في الوقت الراهن . وأفغانستان والسودان ، ودول غيرها ، والهدف هو أضعافها ، ومن ثم ابتلاعها ، من اجل تحقيق نبوءة إسرائيل الكبرى التي تمتد من الفرات إلى النيل .

/11/ وليست لإسرائيل ، حينما زرعت ، أية مشروعية تاريخية أو قانونية ، فهي دولة عنصرية إرهابية ، وتوسعية ، ومغتصبة ، شبيهة بالدول التي ترتبط معها برباط وثيق ، كالولايات المتحدة الأمريكية /12/ ؛ التي أخذت عنها أسوأ ما كان الأمريكيون يرتكبون بحق الهنود الحمر والزنوج ، وتقتدي أيضا بأسوأ تصرفاتهم الإجرامية واللاإنسانية في فيتنام .، وتلوح مثلها بالديمقراطية الوهمية المقرونة بالديكتاتورية الدموية ، كما أنها أخذت عن جنوب أفريقيا ممارسة التمييز العنصري القبيح ، والنهج الاستعماري القديم ، هذه الدولة –إسرائيل- قامت على أيديولوجية خادعة ، وعلى سلسلة من أعمال العنف ، والإرهاب ، ولم تنشأ ، إلاّ بموجب قرار غير شرعي من هيئة الأمم المتحدة المحكومة يومئذ بقوى غربية استعمارية ، وصادر بفعل ضغوط ورشاوى ، وهي لم تعش لعملها الذاتي ، وبقوتها النابعة منها ، بل عاشت واستمرت في الحياة ، بواسطة تدفق المال والسلاح من الدول الغربية ، ومن الولايات المتحدة الأمريكية ، وبالدعم غير المشروط واللامحدود منها /13/ ، وهي الآن تمارس أبشع الجرائم في حق الإنسانية ،قتلت ، وشردت ملايين الفلسطيين ، وأفرغت الأراضي من سكانها ، ودمرت المزارع والحقول ، وهدمت آلاف البيوت ، واغتالت الكثيرين ، واختطفت ما يقارب نصف أعضاء  الحكومة الفلسطينية المنتخبة ، وعدد آخر من أعضاء المجلس التشريعي ، ولا تزال سجونها  تضم أكثر من  عشرة آلاف  أسـير، وحولت حياة الشعب العربي الفلسطيني إلى جحيم لا يطاق ، وبنت أبشع جدار عنصري في التاريخ ، مستغلة الوضع الدولي الخاضع للهيمنة الأمريكية ، والوضع العربي المهين والناجم عن احتلال العراق وتداعيات هذا الاحتلال أبشع استغلال ، فالحرب على ا لعراق بدأت قبل إعلانها يوم 9/4/2003 بكثير ، وان عملية احتلال الكويت ، ومن ثم تحريرها ، لم تكن سوى فصلاً دراماتيكياً من فصولها المأساوية ، وكانت سيناريوهات الحرب ن قد أعدت مسبقاً ، و منذ زمن بعيد ، وتوفرت له ذرائع كافية ؛ سواء أكان احتلال الكويت ، أو تهديد دول الجوار ، أو ممارسات النظام الديكتاتوري ضد شعبه ، أو امتلاكه أسلحة تدمير شامل ، أو رعايته للإرهاب . وغيرها من الذرائع الكثيرة ، التي تراها الولايات المتحدة الأمريكية مبررة ، لشن الحرب واحتلال العراق ، هذا الاحتلال ، الذي نجمت عنه تداعيات كبرى ،وآثار بعيدة المدى ، محلياً وإقليميا وعالمياً . ففي الداخل ، تمثلت التداعيات بسقوط النظام ، وتدمير العراق كدولة ، ونهبه ، في أبشع عملية نهب في التاريخ ، طالت ثرواته ، وتراثه الحضاري ، والثقافي ، وحطمت كيان الدولة ، وأمنها ، وبنيتها التحتيّة ، تحطيماً كاملاً ، وتكبد الشعب ، من جراء ذلك ، ويلات ، ومآسي كارثية ، ستستمر تأثيراتها السلبية على المدى الطويل ، كما أنها – الحرب على العراق – كانت كارثة مضاعفة ، مرة بحق العراق دولة وشعب ، ومرة بحق الأمة العربية وعلى أمنها القومي برمته ، وفقاً لنصوص ميثاق جامعة الدول العربية ، ومما يدعو للأسى وللأسف الشديدين ، أن أطرافا عربية ، شاركت في هذه الحرب ، بطريقة ، أو بأخرى ، سعياً منها ؛ أما للتخلص من النظام القائم في العراق ، أو استجابة ، أو انصياعاً لرغبة الولايات المتحدة الأمريكية ، وتشارك الآن في إعادة أعمار العراق . والمشاركة في الحرب عليه ، والمشاركة في عملية أعماره ، كمن يعمد إلى بتر أحد أطرافه الفاعلة ، ومن ثم يسعى إلى تركيب طرف اصطناعي عوضاً عنه . والشيء المؤكد ، أن هذا الأخير ، سيعجز عن أداء وظائفه بشكل طبيعي ، فلولا هذه المشاركة ، لما كانت هذه الحرب ، كما عشناها  ظالمة وبربرية ، شنتها أعظم دول العالم ، و أكثرها تقدماً وتحضراً ، على بلد آمن ، وعضو في هيئة الأمم المتحدة ، وقد أدركت الأطراف العربية التي شاركت فيها – بعد فوات الأوان – هول الكارثة ، وتداعياتها ، فلم تسلم ، هي منها ، على المستويين الرسمي والشعبي ،وفي وقت لاحق ، أدركت جسامة الخطأ الذي وقعت فيه ، ولاذت في الصمت ، بعدما انقلبت الولايات المتحدة الأمريكية على تلك الأطراف العربية ، فتغيرت العلاقة القائمة على التعاون والمشاركة الحقيقية إبان الحرب ، إلى علاقة قائمة على الشك والاتهام ، وأخطر هذه التهم ، و أكثرها استفزازاً ، تهمة الإرهاب وتمويله ،هذا /البعبع / الذي أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية الحرب عليه ، وعلى الدول الراعية له 000 ! وأي إرهاب هو ؟ هو الإرهاب الذي تحدد مواصفاته ، الولايات المتحدة الأمريكية  وإسرائيل ، والقوى المتحالفة معهما ، وبالتأكيد هو وفق المعيار الإسرائيلي ، لأن الحرب على العراق كانت في حقيقتها ودوافعها من اجل النفط ، ومن اجل إسرائيل ، فاحتلال العراق يوفر السيطرة على 70 % من مخزون النفط في العالم ، واحتلال العراق ، يعني أيضا البدء في رسم خارطة جديدة للشرق الأوسط ، وللمنطقة العربية تحديداً ، فالإحداثيات التي تم رسمها في اتفاقية سايكس –بيكو لم تعد صالحة الآن ، تلك الاتفاقية التي أتاحت للبريطانيين تنفيذ وعدهم المشؤوم ، في قيام المشروع الاستيطاني الصهيوني ، بإنشاء دولة إسرائيل ، على ارض فلسطين العربية ، وبعد مضي أكثر من خمسين عاماً ، على قيام هذا الكيان الدخيل ، لم تستطع إسرائيل ، توفير الأمن اللازم لها ، بالرغم من الحروب التي شنتها ـ ولا تزال تشنها  ـ على الدول العربية المجاورة ، واحتلال أراضيها ، فهي في قتال دائم مع الشعب العربي الفلسطيني ، والدول العربية المجاورة ، منذ قيامها حتى هذا اليوم ، وتجد إسرائيل صعوبات بالغة ، في العيش ، والاستمرار بسلام /14/ ، ناهيك عن وجود دول عربية قوية اقتصادياً وسكانياً ، تشكل تهديداً دائماُ لها ، فمن الأجدى إذاً ،/  تفتيت هذه الدول وإضعافها ، وهي بالفعل مرسومة على لائحة الأهداف الأمريكية – الإسرائيلية ، استعداداً لضربها ، في أية لحظة مناسبة ، إنها مسألة وقت لا أكثر ، وليست خافية على أحد ،  وربما كان التوحل الأمريكي باحتلال العراق ، من أهم الأسباب ، في أرجاء تنفيذ هذه الخطط ، فالقوات الأمريكية المحتلة ، ومنذ لحظة بدء الهجوم الساحق على العراق ، تعمل كفرامة اللحم في الشعب العراقي دون جدوى ؛ فالمقاومة تزداد ضراوة وتصميماً على طردها ، ولم تسعفها كل صنوف الأسلحة الفتاكة ، ووحشية استخدامها ، وعشوائية القتل والتدمير كاستراتيجية ثابتة في القهر والإذلال ، متطابقة في ذلك مع استراتيجية الكيان الصهيوني ، في تعامله مع الانتفاضة العربية في فلسطين المحتلة ،  وفي هذا الهجوم البربري الكاسح ، الذي شنته على القطر اللبناني ، مستخدمة فيه كل أنواع الأسلحة الفتاكة ، في عدوان سافر وحاقد ، دمر كل ما بناه هذا الشعب على مدى ربع قرن ، عدوان مروع ، بمباركة  أمريكا ، و حلفائها من دول الغرب المتحضر، فبدلاً من أن تعمل هذه الدول على وقف الهجوم الإسرائيلي المدمر على لبنان ، تعلن صراحة ، ومن دون خجل ، أن من حق  إسرائيل الدفاع عن نفسها ، ووفق هذا المعيار يصبح المعتدي معتدى عليه ، والمعتدى عليه إرهابيا يجب سحقه وتدميره ، مفارقة  مؤلمة تعكس  حقيقة أخلاق المتحضرين وقيمهم المنهارة . هذا الصراع المحموم ، بين العدوان والمقاومة على الساحة العربية ، ولد موقفاً شعبياً رافضاً ومقاوماً لكل ممارسات الهيمنة والغطرسة ، التي يواجهها مع قوى الظلام ، الإمبريالية والصهيونية العالمية ، وربما سيولد وضعاً جديداً في تاريخ العرب .             

* العنوان : سوريا – القامشلي – ص. ب 349           بريد الكتروني : alnhier@maktoob.com

الهوامش والمراجع

1-ماركس انجلز المختارات – ترجمة الياس شاهين دار التقدم ص 110

- تقول أسطورة يونانية قديمة أن داموكليس كان من بطانة ديونيسيوس (ق 4 ق.م ) من سيرانوس دعاه ديموتيسيوس يوماً إلى وليمة ورغبة في إقناع داموكليس الذي كان يحسد يونيسيوس بوهن الازدهار البشري ، أجلسه على عرشه وعلق بشعره فوق رأسه سيفاً وأصبح تعبير : (سيف داموكليس ) رمزاً للخطر  الرهيب الدائم  (ص342).

2-د : حسين فونس . الحضارة : دراسة في  أصول وعوامل قيامها وتطورها –ط2 عالم المعرفة العدد 237 الكويت 1998 ص 343

3- المرجع  السابق ص 345

4-  المرجع السابق ص367

5- المرجع السابق ص382

6- المرجع السابق ص345

7- د: عبد السلام الترمانيني-  الرق عالم المعرفة الكويت ص 250

8- المرجع السابق ص 252

9- المرجع السابق ص 270

10- المرجع السابق ص 272

11- المرجع السابق ص279

12- د: عبد الملك التميمي – الاستيطان الأجنبي في الوطن العربي – عالم المعرفة العدد 71 الكويت 1982 ص 179

13- د: عبد السلام الترمانيني - الرق . المرجع السابق ص 281

14 – د: رشاد عبد الله الشامي – الشخصية اليهودية الإسرائيلية والروح العدوانية -عالم المعرفة العدد 102 الكويت ص 218

 

 

 

 

 

 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home