مقال

 

الشعب الفلسطيني بين شقي الرحى

زياد ابوشاويش



الشعب الفلسطيني بين شقي الرحى ...

بقلم : زياد أبو شاويش

عندما يخترق الرصاص جسد الشقيق والأخ والرفيق فهو يطوي بذلك صفحة بيضاء من سفر شعبنا المكافح ليكتب بالسواد تاريخاً محزناً ومؤلماً كيوم نكبتنا .

ولأننا كتبنا حول ما يجري عشرات الصفحات وتناولنا الاقتتال من كافة وجوهه البشعة وأسبابه، المفتعل منها والواقعي ، فقد تمهلت كثيراً قبل أن أحاول من جديد رسم الصورة العبثية والمهينة لما يجري فوق أرضنا وبين أبناء شعبنا المبتلي بقيادات الصدفة ، وعسف الاحتلال وقسوته .

احترت من أين أبدأ وكيف أشرح من جديد تداعيات الأحداث المؤسفة ناهيك عن خلفياتها ، وهل ستكون كلماتي عامل تصالح وتسامح بين الأخوة أم باعث توتير ؟ وكيف أقوم بواجبي تجاه بوادر نكبة جديدة تلوح معالمها في الأفق من أجل تغيير المسار باتجاه استمرار المشروع الوطني على سكته الصحيحة، دون أن أقع في المحذور المتعلق بالتحريض المباشر أو غير المباشر ، وربما يتفهم القارىء الكريم دوافع هذه الإشارة وحساسية الظرف وخطورته .

يتذرع طرفا الصراع،الجاري الآن فوق أرضنا لتبرير القتل، بأن الطرف الآخر لا يترك أمامه مجال سوى الرد بما يقوم به من اغتيال وحصار وذبح ، وتحاول بحرص المواطن المحب لشعبه ووطنه أن تتلمس في حديث أي منهما لهجة مترددة أو خجلة ، توحي بإمكانية تفهم هذا الطرف أو ذاك لوجع الآخر وشكوكه فلا تجد شيئاً من ذلك ، بل تجد قناعات راسخة بأنه على حق وأن الطرف الآخر على باطل . هنا حق كامل وهناك باطل كامل! .

وحتى لا نتوه في مجاهل الحديث عن الأسباب السياسية واتفاق مكة وغير ذلك من المبررات التي عادة ما يتناولها المحللون والكتاب سنقصر حديثنا هنا عن الأسباب المباشرة والواضحة للاقتتال الدموي والمخزي بين الإخوة في فتح وحماس وعوامل استمراره، بل تصعيده على الأرجح . وفي الظاهر من الأسباب يبرز عامل الشراكة في سلطة وهمية تتيح في شقها الفتحاوي ما لا تتيحه في شقها الحمساوي ، وجدير بالذكر أنني سبق أن قيمت اتفاق مكة فرأيت فيه الايجابي المرتبط  بوقف القتال وقبول الشراكة ، والسلبي المرتبط بالمحاصصة والفهم المغلوط للوحدة الوطنية لدى طرفيه ، وعليه فقد تأكدت أن هذه الحكومة ليست حكومة وحدة وطنية ، وهي تفتقد القدرة على مواجهة الفلتان الأمني وغيره من سلبيات الواقع الفلسطيني وفصائله، لان أهم عوامل نجاح الاتفاق كانت غائبة، وهي المصداقية الضرورية المبنية على الثقة لدى طرفي الاتفاق والساعية لتنفيذ جدي وحقيقي لما اتفقا عليه ، كما غياب عامل لا يقل أهمية ويتعلق بوضع آلية محددة وملزمة لضبط الوضع الأمني وبدون ذلك لا إمكانية للمراهنة أبداً على نجاح الاتفاق .

إذن نحن أمام نصف حكومة تحت رئاسة حماس بالشكل ، وكل ما قدمته حماس من مرونة تصل إلى حد التنازل عن بعض الثوابت لم يقدم لها سوى بعض المدراء العامين ووكلاء الوزارات ، وغير ذلك من المكاسب الشكلية ، الأمر الذي يؤدي حكماً وأدى للتوتر بل والتحفز .

وفي المقابل وبرغم كل محاولات النصف المقبول دولياً وعربياً لتسويق الشريك ، إلا أن ذلك لم يك جهداً ظاهراً ومقنعاً للطرف الآخر (حماس) وهو ما زاد الطين بله .

وعلى الوجه الآخر للمسألة فان نصف الحكومة الفاعل والمقبول بممثليه خارج الشراكة يعتقد بأن هذه القسمة وهذه التركيبة قد تؤدي في النهاية إلى تمكين حماس من السلطة ، وهذا سيجعل فرصة العودة للموقع الأول المريح والمربح أمراَ صعباً في المستقبل ، ويلاحظون في السياق تجربة شبيهة لشريك اوسلو القريب ، حين صعد الليكود للسلطة واستمر ثلاثين عاماً ولا يزال ، رغم كل محاولات الأحزاب الأخرى زحزحته عن السلطة ، ومن هنا ترى بعض أوساط فتح أن الوقت مناسب لنزع السلطة من يد حماس أو أقله قطع الطريق عليها لترسيخ أقدامها في دهاليز السلطة والإمساك بمفاتيحها .

ولا يستطيع أحد أن يتجاهل مثل هذا الأمر أو ينكر أن هناك بعض الاستفزازات تمارسها مجموعات معينة لاستدراج حماس لمستنقع الحرب الأهلية ، كما عدم التنكر أو إنكار تحفز حماس وتساوقها المؤسف مع هذا ، بل والإيغال في الانتقام بشكل يريح هذه المجموعات ويحقق أهدافها . ولو اقتصر الأمر على ما أوردناه فقط لهان الخطب وأمكن تفادي الكثير من الدمار والقتل عبر علاج المباشر الذي أوردنا ، لكن الأدهى والأَمَر والذي سبق أن نبهنا من خطورته وحملنا قيادة الطرفين مسؤولية استمراره بل واستفحاله ، ذلك الإحساس الغريب والمفجع لطرفي الصراع وخصوصاً كوادرها وقواعدها تجاه الطرف الآخر باعتباره عدواً أخطر من العدو الصهيوني ، وأن مجابهته وحتى تصفيته تملك شرعية وعدالة أكبر مما تملكه مسألة مجابهة العدو والتصدي له ، وأنا هنا لا أغالي في هذا ، بل ربما الحقيقة تكون أكثر إيلاماً وإحراجاً لشعبنا وتاريخه الكفاحي المشرف ، والذي تنتهكه قيادة حماس وفتح بلا خجل أو رحمة . إن هذا الشعور الحاقد لم يأت صدفة ، بل تم العمل عليه منذ سنوات ، وقد تمنينا على الطرفين بعد اتفاق مكة أن يعكفوا على معالجة منهجية وبنيوية لمكامن الخلل الخطرة والمتفجرة في العلاقة بين الطرفين وبالخصوص هذه التعبئة الإجرامية ،وباتجاه محو الصورة النمطية التي رسمها كل فريق للآخر ، وأن المصداقية الوطنية تظهر بشكلها النقي والمقبول عبر الشأن الداخلي لكل فصيل وعمليات التثقيف والتحريض وبأي اتجاه . إلا أن الأمر استمر على نحو نرى نتائجه اليوم وسنراها غداً إن لم نتوقف أمام هذا الموضوع ونعالجه بكل الروح الوطنية الفلسطينية التي تحترم التاريخ والشهداء والقيم التي تربى عليها جيل كامل من المناضلين ، والتي تحرم في أبسط تعاليمها الدم الفلسطيني على أي فلسطيني وتحت أي ذريعة أو سبب ، وبالأفعال وليس بالأقوال .

وأراني لتوضيح هذه النقطة مضطراً لإيراد مثل حي وطازج على خطورة هذا العنوان وأهميته ، ويمثل نموذجاً عاماً لما يجري بين قواعد فتح وحماس بكل أسف . لدي صديقان أحدهما من حماس والآخر من فتح ، وهما من أصول اجتماعية وطبقية وثقافية واحدة ، وقد صادف أن زاراني في خضم الاشتباك بين الإخوة الأعداء ، فماذا كان كلامهما في هذا الإطار ورؤيتهما للحل ، وأنا هنا سأورد بدقة ما قالاه على حساسيته ،وما يحدثه في النفس من حزن وخوف ، حتى يعرف الجميع حدود المشكلة التي نواجه وكيف نعالج، وحتى تكون هذه القيادة بشقيها ،أو نصفيها إن أردتم أمام مسؤوليتها ولا تعفى من هذا بل تحاسب عليه لاحقاً أمام الله والناس .

يقول صديقي الفتحاوي بأن هؤلاء الحمساويين مجرمون وقتلة وأن تصفيتهم أمر لا مفر منه ، وأننا طلبنا من محمود عباس أن يتنحى ويترك الأمر للأخ دحلان ليصفي الحساب مع حماس ، ويخلصنا منهم ومن شرورهم وظلاميتهم .

أما صديقي الحمساوي فيقول أن هؤلاء ليسوا فتح ، بل جواسيس إسرائيل ولكن بلباس الأمن الفلسطيني ، وأننا صبرنا عليهم كثيراً وعلى جرائمهم ، وأن خطأ حماس أنها لم تقتل كل رؤوس الفتنة ، ولكن الفرصة الآن متاحة على ضوء الهجوم على الجامعة الإسلامية وقتل إخوتنا المتدينين أن نقوم بتدمير الأبراج التي يحتمون بها حول مقر الرئيس أو احتلالها وتصفية كل من فيها من الذين يطلقون النار على حماس ، باعتبارهم خونة وكفار ، وأن قتلهم حلال ، ويزيد على ذلك بأنهم أخطر على الوطن من العدو .

هذا نموذج ربما يكون عاماً وربما لا يكون ، وهذا ما نتمناه، لكن الشاهد في حديثنا هو المسؤولية التي يتحملها طرفا الصراع في وقف حملات التحريض والكراهية التي تدور رحاها داخل صفوف هذين الفصيلين ، بل وفي البدء ببرنامج تثقيف من نوع آخر يأخذ في عين الاعتبار أن الفصيل الشريك في السلطة والحكومة وغيره، هو فصيل فلسطيني سيبقى يتحمل عبء القضية سواء كان في سدة الحكم والقيادة أو في المعارضة داخل منظمة التحرير الفلسطينية أو في خارجها وخارج الحكومة .

وعلى الطرفين أن يشرحا لاعضائهما وكادراتهما معنى الأخوة والشراكة ووحدة الدم ، وأن يعلموهم بأن فلسطين هي وطن عزيز وغالي على ابن حماس وفتح وكل فصيل وكل مواطن فلسطيني أينما تواجد ، وأن من يقدم روحه من أجل هذا الوطن لابد أن يكون شريكاً في كل شيء ، وأن التنازل لهذا الشريك وهذا الأخ لا يقلل من قيمة أحد أو من امتيازات أحد .

كما أنه من المفيد أن ينتبه الإخوة في فتح وحماس بأن كل ما يقدموه من مبررات وتوضيحات حول إدانة الطرف الآخر وتبرير الاقتتال ، لا يقنع الناس ولا يجعلهم أصحاب حق مهما بدت حجتهم قوية ومقنعة ، ذلك أن ما أسساه من حقد وتحامل ، لا يترك أي فرصة لتحكيم متزن ومنصف ، ومن هنا فان المراهنة على كسب الشارع من خلال تقديم الذرائع والفتاوى بكل أشكالها لن يفيد على الإطلاق ، وأن كل فعل داخل إطار المجابهة سيكون ضد الشعب وضد القضية مهما كانت ذرائعه ومبرراته ، وأنه سجل عار وخزي وليس شيئاً آخر .

إن من يتجاهل الانقسام الحاد في الواقع الفلسطيني هو كمن يضع رأسه في التراب ويخدع نفسه  كما أن من يظن أن هناك من يبرىء أي طرف بشكل كامل مما يجري هو كمن يتقصد الاستمرار في الجريمة ، ومن هنا يتعين على كل القيادات من الطرفين التروي والتدقيق فيما يجري ، ومواجهة الذات بكل شجاعة للخروج من المأزق ، وربما يفيد هنا أن أذكر ما جرى  الجمعة 19 / 5 / 2007 في واقعتين تظهران بشكل حقيقي حجم الانقسام الذي نشير إليه . الواقعة الأولى تتعلق بما جرى مع الأخ خالد مشعل عندما ذهب للصلاة والخطبة في مسجد الوسيم بمخيم اليرموك ، حيث تناوله أكثر من مواطن بالنقد وحملوه مسؤولية الاقتتال ، وحتماً فان هؤلاء ليسوا جميعاً من حركة فتح كما ذكر صديقي الحمساوي لتفسير الواقعة .

والثانية في سياق مهرجان بمخيم اليرموك أيضاً لذكرى النكبة بادرت إليه عائلة فلسطينية ،ونجحت في حشد المئات من الناس بشكل أفضل من بعض الفصائل ، وقد ألقى الكلمة الرئيسية في المهرجان أحد أفراد هذه العائلة فوصف ما يجري بأنه مخطط أمريكي صهيوني ينفذه محمد دحلان وبعض مجموعاته في القطاع ومحملاً إياه مسؤولية الاقتتال دون أن يغفل مسؤولية حماس ولو جزئياً عما يجري ، وقد صفق له الجمهور بحماسة ، وهذا المتحدث ليس حمساوياً كما ذكر صديقي الفتحاوي . إذن نحن أمام كم هائل من الإرباك وعدم الثقة ، ولدى طرفي الصراع عدم يقين يعميهما عن رؤية الصحيح في معادلة الصراع الجارية فوق أرضنا ومن اجل مستقبل شعبنا وحقوقه المغتصبة .... وفي ظل كل هذا، وصعوبة الأحوال وتعمق الشعور العدائي بين طرفي الخلاف  كيف يمكن الخروج من هذه الدائرة الجهنمية ؟ وكيف نخرج مناضلينا وأبناءنا من هذا الأتون القاتل والمدمر ونحفظ لشعبنا المستقبل الواعد بالحرية والدولة وحق العودة ؟ وهل يمكن لأي مسؤول فلسطيني أو كادر أو مقاتل أن يتجاهل الحصار والقتل والتدمير الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني على أيدي أعدائه القريبين والبعيدين ؟ ولذلك يبرز السؤال الذي نصرخ به في وجوه كل من يعنيهم الأمر : من المسؤول عن وضع شعبنا بين شقي الرحى ؟

زياد أبوشاويش

Zead51@hotmail.com

 

 

 

 

 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home