القلم السياسي

 

في أسباب الاقتتال الداخلي الفلسطيني

زهير الخويلدي



في أسباب الاقتتال الداخلي الفلسطيني

                                                                       زهير الخويلدي

" يفعل الجاهل بنفسه ما لا يفعله العدو بعدوه"

  تبدو الحالة الفلسطينية هذه الأيام في الذكرى الستين للنكبة معقدة وغامضة وعلى حافة الهاوية وتصير نحو مصير مجهول وتحتاج لمعجزة حتى تعود الأمور إلى نصابها في غزة القلعة المحررة للسلطة وآيتنا في ذلك أن حمى الاقتتال الداخلي عمرت لفترة طويلة نسبيا ولم تنجح جميع الوساطات المحلية والإقليمية والدولية لإخماد نارها فكان القتال بين الفصائل يتجدد بعد كل اتفاق هدنة ومصالحة وخلف كل ذلك الإحساس بالأسى والحزن والمرارة التي وصلت بالبعض من الفلسطينيين في الخارج إلى الشعور بالخجل من انتمائهم لمثل هذا الوطن الذي يتمزق بفعل تصارع أبنائه والعدو يتفرج على تصابيهم ومراهقتهم السياسية والعجيب أن كل طرف سواء حماس أو فتح يعتبر نفسه بريء من شبهة التهم وصادق في نواياه ومستعد لحقن الدم من أجل خدمة المشروع الوطني الفلسطيني ولكنه يطلق التصريحات الإعلامية النارية على الطرف الآخر ويتورط بسرعة في الاشتباك معه. واذا أردنا القيام بتحليل سياسي لما يحدث داخل الشارع الفلسطيني فإننا مطالبون أن نبين على التو أسباب هذا الصراع المشؤوم القريبة المباشرة والبعيدة المؤثرة ونعمل على اقتراح بعض سبل الإصلاح ورأب الصدع،فماهي الأسباب الحقيقية التي تقف وراء هذا الاقتتال الدامي بين الفلسطينيين؟ وكيف يمكن حفظ ماء الوجه وإنقاذ ما يمكن إنقاذه؟

-         الأسباب القريبة المباشرة:

·        الصراع على السلطة بين حماس وفتح وتعثر التداول السلمي للحكم بينهما أو التقاسم العادل لها أو حتى العمل المشترك مع بعضهم البعض.

·        التناقض بين مؤسسة الرئاسة التي يقودها محمود عباس ومؤسسة الحكومة التي يرأسها إسماعيل هنية وغياب التنسيق الجدي والفعال والمشاورة الحقيقية بينهما لحلحلة كبرى القضايا العالقة.

·        التباعد في الرؤى والتصورات بين فلسطني الداخل وفلسطيني الخارج وغياب الحوار بين الطرفين وانعدام التشريك الفعلي لفسطيني الخارج في صياغة القرار الفلسطيني ويظهر ذلك في التناقض الفتحاوي بين عباس وفاروق القدومي حول مؤسسة الخارجية وفي التباين الذي قد يصل إلى التناقض في التحليل التكتيكي والاستراتيجي بين الجناح المقرب من ايران وسوريا من حماس والجناح المقرب من السعودية والأردن ومصر.

·        حالة الحصار والتجويع والاحتباس التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني نتيجة الفساد المالي والإداري والنهب التي تعرضت له المؤسسات في الماضي وفشلها في الحاضر في توفير مواطن الشغل والغذاء وشروط الصحة والسكن اللائق وقد أدى ذلك إلى تكاثر أشكال التذمر والاحتجاج والإضرابات والمظاهرات الساخطة.

·        سياسة القبضة الحديدية التي تمارسها إسرائيل تجاه الفلسطينيين وتكثيفها من أشكال الضغط والتهديد والتحرش عبر بنائها للسور العازل وحفر الأنفاق تحت بيت المقدس وإقامتها للمعابر ومراكز التفتيش ونقاط عالية من المراقبة وعدم اكتراثها بكل مبادرات السلام والتوجهات نحو التهدئة والهدنة وإصرارها على إسقاط حق العودة وبقية الثوابت من أي اتفاق إن حصل أصلا.

-         الأسباب البعيدة المؤثرة:

·        التدخل الأمريكي في المنطقة وتوخيه مشروع الشرق الأوسط الجديد والتعامل بسياسة المكيالين مع القضايا الراهنة والحرص على نصرة إسرائيل ومعاداة العرب ورفع شعار محاربة الإرهاب الذي يتناقض جذريا مع توجه الفلسطينيين نحو المقاومة والاستثبات.

·        سيطرة المعدلون العرب من الأنظمة المتحالفة مع أمريكا والتي تقيم علاقات دبلوماسية علنية وسرية مع إسرائيل على سلطة القرار العربي وضغطها على بقية الدول من أجل المزيد من التطبيع والهرولة نحو الكيان الصهيوني والعزوف عن تبني خيار الممانعة.

·        ضعف التأثير الأوروبي  واكتفائه ببعض البيانات السياسية الخجولة من داخل أروقة الاتحاد الأوروبي المؤيدة للحكومة ولحماس والمنادية بضرورة رفع الحصار على الشعب الفلسطيني دون القيام بخطوات عملية لرفع هذا الحصار وتناقص الضغط الذي كان يمارسه المجتمع المدني الأوروبي على الأنظمة الحاكمة لتفريط أهل الدار في قضيتهم وغياب تعاطف إنساني معهم على غير العادة وكأن القضية الفلسطينية أسقطت إلى الأبد والصراع العربي الصهيوني انتهى بشكل عادل ومرضي للطرفين.

·        بروز تيار انقلابي غير وطني داخل حركة فتح ينتهج أسلوب العلمانية الجذرية في الاستئصال والحل الأمني للقضايا الداخلية وينسق بشكل علني مع الدوائر الغربية وإسرائيل ويحاول السيطرة على السلطة بكل الوسائل واحتكارها لخدمة أجندة غير عربية وغير إسلامية.

·        صعود تيار من الإسلام السياسي الفلسطيني متشدد يشرع لاستعمال العنف نحو الداخل ويبيح أسلوب القتل والتخويف من أجل المحافظة على السلطة ويتهاون في مقاومة العدو ويرى أن التناقض مع التيار الفتحاوي المتشدد يأتي أحيانا قبل التناقض مع العدو الصهيوني.

كل هذه الأسباب أدت إلى إفشال الحكومة التي قادتها حماس وحاولت فيها الصمود في وجه التهديدات الداخلية والخارجية وتنفيذ بعض الاستحقاقات الشعبية وتنفيذ بعض الوعود التي رفعتها في حملتها الانتخابية والتي جاءت عبرها إلى الحكم بعد اقتراع ديمقراطي نزيه فريد من نوعه في الساحة العربية باعتراف عدة دوائر غربية، وكل هذه المستجدات والعوائق ستساهم في إفشال اتفاق مكة وتسقط حكومة الوحدة الفلسطينية وتفككها بعد استقالة وزير داخليتها وضياع البوصلة عن ربان المشروع الوطني الفلسطيني الذي كان يهتدي بها كل من القسام والحسيني وعرفات وأبو جهاد والشيخ ياسين والرنتيسي والشقاقي وأبو نضال وأبو على مصطفي وأبو العباس والقائمة تطول من الشهداء والرموز والمناضلين الذين قدموا حياتهم فداء الوطن ومن أجل المحافظة على الثوابت والأرض والعرض.

إذا شخصنا الحالة الفلسطينية بكل موضوعية وبعيدا عن التحيز والانتماء الحزبي والولاءات الإيديولوجية والتعاطف مع هذا أو ذاك نرى أن المنطقة توجد على شفا حفرة ومقبلة على حرب أهلية يوجه فيها الجميع فوهات بندقياته تجاه الجميع تطبيقا لما قاله بعض فلاسفة الحق الطبيعي:"إذا كان الجميع يستطيعون مهاجمتي فان لي الحق في مهاجمة الجميع"،كما نعتقد أن الجميع يتحمل مسؤولية تردي الأوضاع وضياع معظم الحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وعودة أبنائه إليه وفي بناء دولته على عاصمته القدس،فالمتابع لسير الأحداث يشاهد بأم عينه الهفوات والتعثرات وزلات اللسان وأحيانا الأخطاء التاريخية الكارثية،فاتفاقات مدريد وأسلو ومعاهدة كامب ديفيد واللقاءات المتكررة بين الوفود الفلسطينية والإسرائيلية هي خالية من أية جدوى ومنح مجانية للمشروع الصهيوأمريكي من أجل المزيد من التوسع والاختراق في المنطقة العربية وإذلال كبير للشعوب العربية ومساهمة في نشر ثقافة الهزيمة والانبطاح والاستسلام وجعل أي حلم بالنهوض والترقي وأي تمتع بالسيادة والكرامة من سابع المستحيلات.

فماهي الحلول الممكنة والجائزة التي ينبغي أن تتوفر حتى يخرج الفلسطينيين من عنق الزجاجة؟

الحل لا يفرض من الخارج شرقا أو غربا حتى وان كان هذا الخارج هو المحيط العربي الإسلامي وقد أثبت التاريخ أن الحلول المستوردة هي مسكنات لأوجاع ومجرد أقراص تخدير ما إن ينتهي مفعولها حتى تشتد الأزمة وتعاود الأمراض بالظهور وتستفحل أكثر فالذين سقطوا في الاقتتال الداخلي في غزة أكثر بكثير من الذين قتلهم العدو في اقتحاماته لشهور وكل ذلك تم في النهار والليل وأمام مرأى الجميع وتنقلها شاشات التلفزات وفي ظل منع القتل عمدا في قاموس حقوق الإنسان بالنسبة للعلمانيين وفي ظل تحريم إزهاق الأرواح التي خلقها الله لأن "من قتل نفس بغير حق كأنما قتل الناس جميعا" في قاموس الإسلاميين.

- الحلول القريبة:

-         ضرورة إيقاف حمى التقاتل وتطويق الفتنة في مهدها حتى لا تتوسع دائرتها أكثر ويتأذى منها عدد كبير من الخلق لأن الفتنة أشد من القتل وهي السبب المؤدي إليه.

-         توحيد الأجهزة الأمنية وإعطاء صلاحيات كاملة  لوزير الداخلية  وترشيد استعمال السلاح وإعادة النظر في العسكرة والاستقطاب التي يتعرض لها المجتمع.

-         التوجه بالعناية نحو اكتساب وسائل المنعة والقدرة والإعداد الجيد للشعب على الصبر والتعويل على الذات بالتربية وحسن التصرف في المدخرات الذاتية ورفض منطق التبذير والإسراف والاحتكار.

-         إيجاد مرجعية عليا سياسية في الداخل تتكون من شخصيات وطنية مستقلة تتمثل مهمتها التنسيق بين الكتل والأحزاب السياسية وحل الخلافات بالطرق السلمية على غرار اللجنة العليا للانتفاضة.

-         فك الحصار الإعلامي والمالي والإداري على الشعب الفلسطيني من طرف الأنظمة العربية والمجتمع الدولي وتفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني العالمي في توفير الغذاء والدواء والسكن للشعب المحاصر والمضطهد.

-         إيقاف الاستيطان والتهديد والتحرش والاعتداءات من طرف العدو الصهيوني والكف عن التدخل في الشؤون الداخلية للفلسطينيين من طرف دول الجوار العربي تطبيقا للآية القرآنية:"وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان"

 -  الحلول البعيدة:

إن الحل في يدي الفاعلين السياسيين أنفسهم والشعب الفلسطيني ينبغي أن يكون هو سيد القرار وليس الفصائل لأنه هو الممول الأساسي لهذه الفصائل والحركات بالمال والعتاد والرجال والعقول فكيف تنقلب هذه الكيانات الناشئة على من كان له الفضل في نشأتها،كما أن شعار قيادة المشروع الوطني الفلسطيني من طرف الفلسطينيين التي رفعها عرفات ضد عبد الناصر لابد أن يعاد رفعه الآن ضد الابتزاز والارتهان والتوظيف الذي قد يمارس ضد القضية الفلسطينية سواء من قبل الحقائب الأمريكية الإسرائيلية أو الحقائب الخليجية العربية المعدلة أو الحقائب الفارسية المعممة شرط أن نميز بين من يؤتمن على هذا المشروع ومن هو مستعد لخيانته والغدربه، فالأمور تداخلت إلى حد كبير بحيث لم نعد نستطيع التمييز بين أجندة الفلسطينيين وأجندة الأمريكيين والاسرائليين وأجندة الخليجيين والعرب المعدلين وأجندة الإيرانيين الطامحين إلى لعب دور رئيسي في المنطقة لا ندري إن كان ذلك يخدم القضية أم يضرها.

معظم المحللين يرون الآن أن المطلوب هو بناء منظمة التحرير على أسس ديمقراطية اندماجية تشاركية تعيد من جديد تحريك المستقبل الفلسطيني على طاولة الحوار العادل الحر الداخلي وتحديد الأولويات التي ينبغي العمل على انجازها بسرعة حتى لا ينفرط الحبل ويحصل ما لا تحمد عقباه.

إن بناء منظمة التحرير ينبغي أن يسبقه اعتراف بالخطأ وطلب المغفرة من الشعب والتوجه نحو الصفح والمصالحة والتخلي عن المآرب الشخصية الضيقة وإيثار المصلحة المشتركة والعامة لأنه دون تصافح وتصالح حقيقي بين مكونات وطوائف الشعب لا يمكن بناء أية مؤسسة دستورية ولا يمكن أن تكون قراراتها ناجزة الفعل وذات جدوى في تحريك مشروع المقاومة والتحرير والتنمية والتمدن. ربما يتحمل الإسلام السياسي في فلسطين وخصوصا حماس والجهاد مسؤولية كبيرة في هذه المصالحة إذا ما عاد إلى البيئة الاجتماعية التي أينع فيها وأعطى الأولوية للعمل الاجتماعي الإنساني والتربوي على العمل السياسوي السلطوي البغيض ويتبنى مشروع نهضوي تقدمي مدني يجعله يتصالح مع المبادئ الديمقراطية القرآنية التنويرية ويحرم العنف الموجه إلى الداخل ويوجه البندقية فقط ضد العدو في الخارج لكن التيار العلماني أيضا ينبغي أن يعود إلى رشده وأن يكون تيارا وطنيا بحق يحترم إرادة الشعب في اختياره لمن يمثله ويصون مكاسب المقاومة ويكف عن المناورة والتربص والتساهل مع الأعداء والتشدد مع الشركاء في الولاء للوطن والحضارة والأمة، فالروابط التي تجمع بين فتح وحماس هي أقرب من تلك التي تجمع بين فتح وإسرائيل وبين حماس وإيران طالما لم تتخلى إسرائيل عن مشروعها الصهيوني الاستيطاني ولم تتخل ايران عن مشروعها الصفوي الكسروي. فمتى نرى الوحدة الوطنية الفلسطينية على أرض الواقع وعلى الجبهة وليس في الحكومة الصورية ؟ ومتى تختفي أعلام الولاء للفصائل والتنظيمات ويرتفع العلم الفلسطيني؟ أليس تحريم الدم الفلسطيني هو الخط الأحمر الذي لا ينبغي أن يتجاوزه أحد من المتخاصمين؟ هل يفهم الفلسطينيون الدرس من أن صراعهم على سلطة غير موجودة هو كمن يحول وهم أنتجه بنفسه إلى حقيقة لم يقتنع بها الآخرون فاقتنع هو فقط بصحتها؟

* كاتب فلسفي 




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home