القلم النقدي

 

أصل المتاعب مهارة قرد

محمد ذهني



أصل المتاعب مهارة قرد.

فلسفة الإنسان أم فلسفة الثورة.

لا شك أن كل من قرأ رواية ثرثرة فوق النيل لنجيب محفوظ قد أدرك ما ترمي إليه. حيث كانت الرواية ذات بعد سياسي لا يخفى على عين. وحيث أنها صدرت قبل النكسة فهي تعتبر نبوءة لما حدث بعدها. حيث قام الأبطال، والذين ينتمون إلى جميع فئات وثقافات الشعب بقتل رجل بالسيارة. وهو ما يبشر بالنكسة التي حدثت والتي كانت مسئولية مجلس قيادة الثورة ونوعاً مسئولية الشعب الذي اكتفى بالفرجة ظناً أنه أدى ما عليه. ثم يقوم مجلس الحشيش بالتفرق حول مسئولية ما حدث ويصر البطل "أنيس" على الاعتراف بالجريمة بينما الآخرون رافضون وتحدث مشاجرة ما أشبهها بخلاف ناصر وعامر يقسم فيها كل منهما أنه سيهدم المعبد على من فيه.

في نهاية الرواية وفي حديث متقطع بين أنيس وسمارة " ضمير المجلس" يتفوه أنيس بكلمات أشبه بالهذيان. لكن عند تجميعه تتشكل لنا جملة فلسفية رائعة. وما حيرني قصده بالضبط من تلك الجملة. حيث قال:

أصل المتاعب مهارة قرد

تعلم كيف يسير على قدمين فحرر يديه

وهبط من جنة القرود فوق الأشجار إلى أرض الغابة

وقالوا له عد إلى الأشجار و إلا أطبقت عليك الوحوش

فقبض على غصن شجرة بيد وعلى حجر بيد وتقدم في حذر وهو يمد بصره إلى طريق لا نهاية.

هذه الجمل لها تفسيران ربما قصد واحداً فقط منها لكن الأغلب أنه ربط الرواية بالثورة . وربط الثورة بالإنسان فخرجت منه هذه التحفة الفنية.

 

 

التفسير الأول

هو ما يتعلق بمصر. أو بمعنى آخر بمصر في عهد عبد الناصر. مصر تلك الدولة المحتلة المقهورة الواقعة وسط دول شبيهة بها. فجأة تجد نفسها حرة. وتحكم نفسها بنفسها. ولم تكتفي – من خلال فكر حاكمها طبعاً- بتلك الحرية أو بتفردها أو تمكث محاولة تطوير مهارتها وقدرتها. وإنما رأت أنها تترك عزلتها وتخرج إلى العالم بل وتحارب كباره. ورغم نصائح العقلاء بألا تحتك تلك الدولة الوليدة بالوحوش الكبار. إلا أنها لم تهتم ، ومستغلة تلك الميزة أو ما تظنه ميزة استعانت بما وقع أمامها من أسلحة لتحارب به وسارت في طريقها المرسوم والذي قاد إلى كوارث. فما فعله القرد من تخيل أن يديه ستمنحه التفوق في الغابة. وأن الحجر وغصن الشجرة أسلحة مناسبة للحرب ضد السباع هو نفس ما فعلته مصر من تحدي أمريكا ودول الغرب. خاصة بعد خدعة النصر في حرب السويس فظنت أنها قادرة على السيادة وتخيل الناس أنهم سيسمعون الراديو يبث كلمة هنا تل أبيب أو هنا القدس. حتى استيقظوا على الحلم الذي أصبح كابوساً

 

 

التفسير الثاني

هو ما يتعلق بالإنسان نفسه . رحلة الإنسان عبر التاريخ. في إحدى قصص سعد مكاوي تحدث عن قرد وجد نفسه متميزاً عمن حوله من القردة فقرر هجرهم. وبحث حتى وجد أنثى تشبهه فمضيا في طريقهما مكونين الحياة البشرية. وهذا ما عناه نجيب محفوظ. القرد الذي اكتشف مهارته وأنه لا يستعين بيديه في السير . وجد نفسه يسير على قدمين بينما يديه حرة. قاده




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home