القلم الفكري

 

الخلط المتعمد بين الإرهاب والمقاومة

نهاد عبد الإله خنفر



كأنك تحمل الأشواك بعد أن حسبتها وردا، أو لكأنك تمشي في حقل طويل من الألغام بعدما حسبته بستانا اخضرا وارف الظلال، هذا إن كنت ممن انضموا إلى الفريق الكبير الذي أعطى بعضا أو مزيدا من فكره وفاعليته في محاولة لتمييز المقاومة عن الإرهاب. بالاستناد إلى القانون الدولي وقواعده التي تناولت هذا الموضوع، فقد اتضح للكاتب أن هناك فروقا أساسية تصلح كإسناد للتفريق بين المقاومة والإرهاب، حيث يرى الكاتب أن الحدود واضحة على الرغم من بعض التداخل المثار في بعض المناطق النقاشية، وان الفصل كامل بينهما برغم الإصرار على تعمد الانتقاص من كماله في أكثر من محور وعلى أكثر من جانب. إن لغة المصالح التي تتفق أحيانا وتتعارض في كثير من الأحيان بين مختلف الدول والأنظمة السياسية في العالم، وخصوصا تلك الدول التي أنشأت إمبراطورياتها الاستعمارية تغذية لمصالحها الخاصة التي اقتضت سحق كل الأصوات التي تناهض تحقيقها، سواء كانت أصواتا عرضية مصلحية تبتغي المقايضة والاكتساب المصلحي، أو كانت مظلومة تبتغي وراء الإنصاف سبيلا.


        قد نتفق على أن المصالح الاستعمارية تتقدم في العادة على غيرها من المصالح، حتى لو كان عنوانها حقوق مهضومة، ودماء سائلة، ومظالم مرفوعة، وذلك لحتمية الاقتران الاعتيادي الدائم بين الاستعمار والقوة والجبروت، فان هضمت الحقوق وأنكرت، وان سالت الدماء وأهرقت، وان استشرى الظلم وتوطد، كان لا بد من لغة خاصة، ذات أحكام مخصوصة ترتقي في الحال إلى مستوى إعادة الأمور إلى نصابها، فان احتلت الأرض، فكان لا بد من زوال هذا الاحتلال، وان شجبت الحقوق كان لابد من قوة لإحيائها ومن ثم إعادتها. المقاومة الوطنية أو القومية كانت سبيلا حقيقيا ودائما لكل الشعوب التي تتعرض إلى النكران والحرمان، وأما الوحشية الاستعمارية فكانت أهم السبل وأكثرها لإسكات هذه المقاومة وقمعها، وليس للمحتل والمستعمر إلى ذلك غير هذا السبيل. في العادة، تقف الدول ذات الشهية الاستعمارية المحبة للتفرد والتوسع، والقاضي بسيطرة تلك الدول على ما تصل إليه يدها وسلطتها من مقدرات الشعوب الفقيرة والضعيفة، يجري كل ذلك بإيحاء من صلف القوة الذي يبتعد بكل التوجهات عن مناطق الفهم الأخلاقي والقانوني وحتى المنطقي في كثير من المرات، ولذا فليس من المستغرب أن نكون على موعد حقيقي ودائم يختلط فيه حابل الحقيقة بنابل الخيال المصطنع مستعيرا ما استطاع من قدرة فظة على الخلط والمزج، حتى ليصبح التداخل أشبه ما يكون بانقلاب مفاهيمي شامل في الرأي والرؤية، بل وفي الأفكار والقناعات، فليس من المستغرب حينئذ أن يتحول الظالم وبأبسط المعايير إلى مظلوم يستجدي عطفا ويستدر دموعا، وينتحب ليجبر الآخرين على العويل والنواح، وليس من المستبعد أيضا وكما يحصل في واقع الحال أن يكون الضعيف المسكين حاسدا، وان يكون الغني الجشع محسودا لكونه سببا مهما من أسباب الحياة والنجاة معا. مفاهيم مقلوبة، فمن الطبيعي الآن أن تتحول الأمة التي لملمتها أطياف المصلحة وأحلام الثراء الدامي من بقاع الأرض وأصقاعها ما نعرف منها وما لا نعرف، ومن العادي جدا أن يتحول الشعب الأصيل إلى دخيل مجرم خارج عن القانون، أو إلى شبه مجرم في أحسن الأحوال، يجب التخلص منه قبل أن يستشري الإجرام في تفاصيل جسده، والأكثر طبيعية من ذلك أن تسحق الشعوب باسم الحرية التي قلد الرب عقالها لشعوب مختارة دون غيرها. نعم ونعم ونعم، فأوهام التوسع باتت أكثر حقائق الديمقراطية سطوعا، فأن يقتل مالك البيت لصا فهذا خروج عن القانون وعن الشرعية وعن تواليف المنطق الحضاري وأركانه الممتدة من أزمان الفرس والرومان واليونان وكل الرقاع الحضرية ما عرف منها البشر وما لم يعرفوا، وأما أن يقوم اللص بسرقة أثمن وأغلى ما يملك أصحاب البيت دون حسيب أو رقيب، ودون عقاب أو عذاب، فتتحول المسروقات إلى أملاك شرعية للسارق، كل ذلك لان صاحب البيت ضعيف لا يملك في قاموسه قربا محمودا من قوي أو صاحب سلاح. هو الانقلاب الذي يعاكس انقلاب الربيع وبداية دفئه، وذلك لأنه انقلاب من نوع آخر ومتأخر، لأننا نرى فيه صيفا قائظا ونارا متلظية تمنعك بعضا من صقيع اعتيادي لا تستقيم الفصول إلا به، فيمنع علينا أن نقول أننا مدافعون، ويمنع علينا أن ننطق باسم الحرية التي ندافع عنها، ويمنع قبل ذلك أن نكتب الكلمات أو نصيغ الجمل، ليس على دفاتر تكتبها الأقلام فحسب، وإنما على صحائف ذهنية قد نستنشق بعضا من رائحة أحبارها، حتى قبل أن تتحرك أصابعنا في نية مترددة  لامتشاق يراع مثلوم في يد مرتجفة تقصد فتح الدواة أمام عيوننا فقط.

        قد يكون الكاتب متأثرا جدا بما طغى على مفاهيم العالم من انقلابات دامية، ذات أغصان حديدية، لا تزال تتساقط أوراقها حتى لحظة كتابة هذه السطور، وذلك لان طبيعة الإنسان تقتضي أن يكون كاتبا بحسه وانفعالاته وصدق نواياه التي قد تثبت بحديث علمي موثوق، أو بحقيقة علمية لا يخفى حالها وحراكها على من ارتضى لان يكون إنسانا يعتمر عقلا متقدا ونافذا، ولهذا لم استغرب كثيرا حينما علمني أساتذتي أن الملاحظة والاستقراء هما من أدوات ووسائل البحث العلمي النافذ، فالقوة الهائلة التي ترصدتها بكل إمكانياتي وملاحظاتي واستقراءاتي الذهنية والعقلية لذلك العملاق الأمريكي، ومساعده الإسرائيلي المخلص، أو حتى يكون الكاتب صانعا للدقة فتتحول الأمور إلى تعبير آخر يضع العملاق الأمريكي الخادم للسيد الإسرائيلي العظيم، فلا يغرن احد يوما قلة العدد أو كثرتها، ولا يغترن أيضا بكبر الحجم أو صغره، فها هو الأطلس الجغرافي الأمريكي الواسع، ووعائه  الديمغرافي الكبير الذي يربو بعشرات المرات أو بمئاتها عن القن الإسرائيلي ودجاجاته، هذا القن الذي أحكمت الدجاجات سيطرتها الخالصة على كل ديك أمريكي إلا من اختصر على نفسه جهدا، فاستقال من التاريخ وصاح بعيدا خلف الحدود لكي لا يسمع فيها إلا نفسه. هذا كله جزء من انقلاب التاريخ، لان الأجزاء الأخرى بحاجة إلى مصنفات أبي الفرج الأصفهاني الذي قد يفلح أو لا يفلح في ضمها بين عديد أجزائه التي غنى بها عن غرائب العالم وطرائفه. لان العالم الحر كما يدعون أصبح أكثر غرابة وأكثر عجبا. الكاتب وقد رأى في السطور الماضية إمعانا حقيقيا، ليس فيه من الافتعال إلا ما أجبرته عليه حدود اللغة وبعض حروفها التي استعصت على إطاعة أقلام الذاكرة، هذا الإمعان جاء تبحرا إنسانيا متأدبا ومتأنقا في ظروف يعيشها الباحث مع الإعلام الممزق بين ما هو انتحاري وما هو استشهادي، وبين ما هو وطني وما هو خائن، وبين ما هو اعتباطي وما هو مبرمج مقصود، وبين ما هو تقويم مشروع لحيثيات مقاومة مشروعة، وما هو تبرير افاك لإرهاب أعمى أقال البشر والحجر والشجر، وأطاح بقيم الجمال والمحبة والشرعية تحت قدميه المتواريتين في وحل الخلط والدمج والتيه، إن القائد أو الزعيم أو لنجعل الأدوار موزعة بين الملك وبين ولي عهده الأمير، هما اللذان قادا ويقودان مرحلة الانغماس المستنقعي الموحل في رمال متحركة، تبتلع من يقف بجانبها بلا تزلف أو اتزان محسوب، إلا من أرقام الكرامة التي شطبها الديوان الملكي منذ حين. هذا الانغماس إنما هو معكوس كل الكلمات وكل الأوزان، ولكن هذه المرة دون مرآة أو صفحة عاكسة من الماء. الملك الإسرائيلي، وولي عهده الأمريكي وحواشيهما هم من بدؤوا يهدمون الأجراس حتى لا تقرع، إلا تلك الأجراس الصغيرة التي لا يسمع نقيرها إلا لماما، وليس لكل من أراد، هنا يستوقف الكاتب فيض الكلمات، ويحاول الانعطاف بعيدا عن ديوان الملك وولاية عهده، قاصدا عدم الانغماس إلا بما قد يطوله من رذاذ الأوحال التي لم يرد أن تكون على جوار منه، وذلك بالقول : بان المقاومة عنف، وبان الإرهاب قمة العنف، فأما المقاومة فهي مولودة شرعية لوطن جريح وشعب متألم، فلا تكون إلا ضد المحتل حصرا، ومن اجل إدخاله في قواميس الذلة والخزي والعار، وأما الإرهاب فلا شرعية لميلاده، ولا وطن لمنطلقاته أو منطقية لأهدافه، إلا من قتل محرم، أو فعل مجرم، غالبا ما يقوده محتل حاقد، أو مغتصب ظالم، لا يستطيع العيش إلا على صدقة الدماء. ولا يترعرع إلا في أحضان الزوايا المعتمة التي تهوى إلى النور أي سبيل.
 




  أرشيف القلم الفكري

اطبع الموضوع  

Home