قصة

 

المغني الكســــــول

أحمــــــد النهـــــير



                                        

 

تبرجت ولادة بأجمل ما تتزين به النساء , ولبست أفخر ثوب من ثيابها المطرزة بأبيات شعر لاهبة , لأشهر شعراء الغزل الماجن , ثم هبطت بغنج زائد , درجات المنزل إلى الطريق المؤدية إلى مكان الاحتفال الكبير , الذي سيقام خصيصاً لذلك اليوم المشهود يوم تسليم غر ناطة ... !

 

بدت ولادة لذيذة الطعم , كفاكهة أندلسية أكتمل نضوجها , مثيرة وجذابة , أنوثتها الطافرة تنز من كلّ مفاتنها , شعرها الأسود مرخ ٍ كليل ٍاختفى قمره , لونه القاتم يكلل نصفها الأعلى إلى أسفل ردفيها المكتنزين , ووجهها الحليبي الساحر يشعّ أبهة ًووقاراً وعيناها الآسرتان تثيران الارتباك والشهوة , كأنهما عينا " ميدوزا " ما إن ترمق بهما أي رجل ساقه القدر إلى المرور في تلك الطريق , حتى يستمر في مكانه , مذهولاً ... مأسوراً بجمالها الفتان ... !!! .

 

عبقها الأنثوي , يعبئ المكان , يفوح كأريج صباح ربيعي باكر , من نهارات نيسان الدافئة , مجلواً بضياء شمس باهرة , انفلت شعاعها من أسر غيم شتاء طويل .

اليوم تسلم غر ناطة , بعد أن بيعت في مزاد علني ، حضره حشد كبير من المتفرجين . اشتراها أحد الغرباء بثمن بخس ونصب نفسه حاكما عليها .

الجميع منهمكون في الاستعداد لهذا اليوم المشهود ... لقد قرروا حضور الاحتفال الكبير ، الذي سيقام تخليدً لهذه المناسبة التي لا تنسى ... !!! .

 

ومن أجل أن يأخذ الاحتفال مظهراً كرنفالياً صاخباً ، وجه حاكم المدينة الجديد  دعوات لكل سكان المدينة , كل باسمه ، يدعوهم فيها إلى حضور الاحتفال الكبير , كتب على كل بطاقة دعوة :" يسر سعادة حاكم غر ناطة الجديد , أن تلبوا دعوته الرسمية في حضور الفرح الكبير بتسليم غر ناطة ... مدينتكم الجميلة , وبما لهذا اليوم من أهمية خاصة , قررنا عدم قبول أي اعتذار عن الحضور ... وكل من يتخلف , سوف .... ؟ ؟ ؟ "

 

مدّ المستكفي رأسه البلوري الشفاف , من النافذة الصغيرة , التي تطل على الطريق , من الدور العلوي ، وصرخ غاضباً : ولادة ... يا ولادة ... تمهلي ... فالمغني سيتأخر قليلاً  ... لأنه مازال نائماً . لقد أمسى مخموراً , ولم ينم ليله البارحة لحظة واحدة , ... فلم العجلة ... ؟   .

 

هزت ولادة رد فيها , معلنة عن عدم الاكتراث لما قاله المستكفي , ومضت في سبيلها ... تتقدم إلى مكان الاحتفال ... تتقدم شاردة الذهن , وكأنها مساقة سوقاً , بلا وعي , وبلا إرادة قالت في نفسها :  ياله من مغني كسول ... في كل الاحتفالات السابقة لم يتأخر أبداً... !  .

 

ثم طوحت بحقيبة يدها الجلدية السوداء , إلى لا اتجاه , ونثرت شعرها الأسود ، بحركة دائرية سريعة من رأسها , فصار شعرها ليلاً دامساً ,غطى كل جسدها حتى وجهها القمري , اختفى تماماً ظلله سواد قاتم , فاختفت الشمس , وفرّ الضياء مذعوراً , وعمّ فضاء المدينة ليل حالك الدجنة , حتى ولادة نفسها صارت شبحاً أسوداً , ... قررت أن تخترق الظلام , وتذوب فيه ... !




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home