القلم السياسي

 

النكبة والمنكوبون ... لمن تقرع الأجراس ؟

زياد أبوشاويش



النكبة والمنكوبون .... لمن تقرع الأجراس ؟ بقلم : زياد أبوشاويش عندما اقترب موعد غروب شمس ذلك اليوم الحزين في الخامس من حزيران عام 1967 كانت جموع السائرين على شاطيء غزة تزحف باتجاه الجنوب ، أو تبحث عن طريقة لركوب البحر هرباً من نار تلاحقهم، وخوفاً يمسك بخناق كل فرد فيهم ويجعله وحيداً يائساً من تغيير يقلب المعادلة، التي فاجأت الجميع في ذلك الزمن المليء بأحلام العودة، والحماس الذي ألهب مشاعرنا حتى كدنا نلمس الحلم في عودة الوطن بأيدينا ، وبدل أن كان بعض الناس قد حضروا أمتعتهم للعودة لفلسطين رأيناهم يتأبطونها ويغذون الخطى باتجاه الغرب ، نحو شاطيء البحر المتوسط بعيداً عن القصف والدبابات والموت الذي ملأت رائحته مخيمات القطاع ، وكأن موج البحر سيحميهم أو هو التوحد في المصير يضفي على النفس قليلاً من هدوء ، وكانت أصوات القذائف لا زالت تدوي في كل مكان وأصوات الانفجارات الضخمة تهز أرجاء القطاع ، وطلقات المدافع المضادة للطائرات تنفجر في السماء كندف القطن، قريباً من طائرات تغير هنا وهناك على مواقع فلسطينية ومصرية لا زالت تقاوم ، واستمر الضرب والطلقات على مدار الأيام التالية ، وفي الأثناء يمكن مشاهدة آثار الهزيمة أو ما سميت بالنكسة حينها على وجوه الجميع وفي دموع القهر خصوصاً يوم التاسع والعاشر من يونيو حزيران 1967 اثر تنحي الزعيم الراحل جمال عبد الناصر رحمه الله . انه المشهد الأقرب في بانوراميته من المشهد أو بانوراما النكبة عام 1948 مع اختلاف في بعض التفاصيل ، ويقترب أيضاً من مفاعيله المأساوية وآثاره على مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني ، والذي بدأ مع بدء الغزوة الصهيونية وفي مواجهتها . إن جموع شعبنا المنكسرة والهائمة على وجوهها تغذ الخطي تجاه المجهول ، والصراخ من جهة والذهول من جهة أخرى، يضفي على المنظر بكل تفاصيله الحزينة والغريبة جواً أسطورياً من التراجيديا التي تصنعها الآلهة في الأساطير ، ومن يحاول تصور تلك الوقائع والسيناريو الذي رافقها منذ بدأ تنفيذ المخطط عملياً ، وصولاً إلى يوم الخامس عشر من مايو ( أيار ) من عام 1948 سيجد صعوبة بالغة في فهم هذا النزيف الإنساني، أو يجد له ما يبرره لا بالمعنى الأخلاقي، ولا بالمعنى الحقوقي ولا بأي معنى ، انه الشتات وفرقة الأهل والأحباب ، انه اقتلاع الجذور المؤلم والمميت ، انه الوجع المذهل بفقدان الأرض والوطن وضياع اليوم والغد ، انه السحق والامتهان يقذف في العقل والوجدان ألف سؤال ، لماذا نحن وليس غيرنا ؟؟؟؟؟؟؟؟؟ قال قومنا يوم كان الفجر يشرق بالشمس نرفعها فوق الأكف ونضعها حيث نريد : نحن الألى فاجمع جموعك ثم وجههم إلينا . وقالوا : أتوك يجرون الحديد كأنهم ...... سروا بجياد ما لهم قوائم . والحال في ذلك اليوم الأبكم أن أهلنا وهم في أغلبهم غادرونا محزونين هاموا في الأرض يجرون قيد نكبتهم كجياد ما لهن قوائم . ليعذرني القارىء الكريم على قلة حيلتي في وصف ما جرى لشعبنا ويشفع لي أنني ما زلت أطرح الأسئلة كلها ، واجتهد في الإجابة عنها وهي إجابات قاسية لا روح لها ولا عاطفة ، فأحببت أن أستعيد وجع الأهل، فربما يعطيني هذا قدرة أكبر على صوغ الأمر بشكل أقرب للصواب ، كما يعطيني وغيري الأمل باستعادة ما فقدناه في ذلك العام ، ذلك أنه برغم كل الألم والخسارة والتشتت نجحنا في لملمة صفوفنا ، ولم يعد هناك ذلك الخوف والذهول الذي شل كل إمكانية للمبادرة ، ولا يقلل من أهمية ما نقول مجموع الصعوبات والتعقيدات التي ما فتئت تتراكم ، لان هذه لا تلغي الإنجازات الكبيرة والتحول النوعي الذي طرأ على حياة شعبنا وأساليب كفاحه لاستعادة حقه السليب . ولأننا نتحدث عن النكبة فان تناولاً هادئاً للأسباب والخلفيات سيوضح لنا كماً هائلاً منها ، وتختلف هذه باختلاف المنابع الفكرية ومنهج التفكير والعقيدة لمن يتصدى لهذه المهمة ، وليس هنا مجال تناولها يميناً ويساراً، قوميين وشيوعيين ، وغيرهم ممن اجتهدوا على هذا الصعيد ، لكن ما يتفق حوله الجميع أن السبب الرئيسي للنكبة يتعلق بأداء قادتنا وحكامنا من جهة ، وضعف الاستعداد الفكري والميداني العسكري من جهة أخرى . وتحت هذين العنوانين يمكن وضع عشرات العناوين الفرعية ، وتظهير العامل الخارجي الذي لا نقلل من أهميته ، لكن مفاعيله ترتبط منهجياً بالسبب الأول . ودعونا ننتبه قليلاً ، فهناك من يتوقع نكبة جديدة ، وهناك من اعتبر بعض التطورات النوعية الواقعة على الأرض تكراراً لنموذج نمطي لنكبات ما زال يتحفنا بها تضافر عوامل خارجية وداخلية . ولعل إعلان الولايات المتحدة الأمريكية عبر رئيسها الأحمق عن إقرارها بحدود جديدة لإسرائيل مقترناً باعتراف معلن بالكتل الاستيطانية فوق أراضي عام 67 ، وهي الوسيط المفترض لعملية السلام وراعية مشاريع التسوية يشير إلى حجم الأخطار المحدقة ، والتي تجعل من توقعات البعض وهواجس البعض الآخر محل تأمل وتقدير . إن تصريح سفير إسرائيل في الولايات المتحدة قبيل مغادرته في الأول من نوفمبر الماضي حول أهمية تصريحات بوش وتشبيهها بوعد بلفور جديد، تدق ناقوس الخطر أمام الجميع . لقد جرت محاولات حثيثة من جانب حلفاء إسرائيل في الغرب لتفتيت القضية الفلسطينية وشطب كلمة نكبة من القاموس عبر القيام بجهود مضنية لتشتيت الانتباه عن جوهر القضية المتمثل بحق العودة ودفعت في سبيل ذلك ملايين الدولارات سواء عبر وسطائها أو لنقل عملائها أو عبر المنظمة الدولية ( الاونروا ) والتي حاولت مراراً إيجاد تخريجة مناسبة لإنهاء مهمتها عبر محاولات تغيير ملامحها من جهة ، ومن الأخرى عبر خلق منظومات بديلة تنهي ملف اللاجئين من جدول التداول اليومي المرهق والضاغط بالمعنى الإنساني والأخلاقي . وفي الجهة الأخرى من الرؤية الاستعمارية الداعمة للكيان، وعلى رأسها مشاريع أمريكا الشرق أوسطية، وغيرها من الخطط والمبادرات تنتصب العملية الأخطر والأهم في تصفية المسألة الفلسطينية عبر عزلها عن بعدها القومي ، باعتباره السند الرئيسي لإبقاء القضية الوطنية للشعب الفلسطيني على جدول أعمال الأمم المتحدة ، كما المساند الأهم لكفاح أصحاب النكبة على غير صعيد من أجل استعادة حقهم في بلدهم ، ولهذه الزاوية حيثياتها ووقائعها المغيبة والمعروفة ، وبالمحصلة فبرغم ضعف الرباط الحالي والتملص الذي نراه من أنظمة ترتبط بأمريكا بقوة وبتبعية مباشرة وغير مباشرة وتصل حد الإهانة ، فان الرابط ما زال متيناً على صعيد الشارع العربي وفي عمق المنظمات المجتمعية وأحزاب تتواجد في هذا البلد أو ذاك ، والأمر الذي لا يقل خطورة عن موضوع فصم عرى العلاقة الرابطة القومية للقضية ، المحاولات المستميتة والمفضوحة لتيئيس الشعب الفلسطيني من جدوى الكفاح المسلح والمقاومة عموماً ، وإيهامه بأن الاستسلام للعدو والقبول بالطروحات والمشاريع الأمريكية هو الذي يعيد الحقوق ويصنع الدولة ، وأنه في ظل ميزان القوى الحالي وتخويف الشعوب بأكاذيب الحرب على الإرهاب وملاحقة التطرف ، لا تستطيع أي انتفاضة أو مبادرة شجاعة لكسر القيد والخروج من بيت الطاعة الأمريكي تحقيق أي هدف ، الأمر الذي اكتشفه شعبنا مبكراً . إن ما يقوم به اليوم أبناء المنكوبين وأحفادهم من نشاط متعدد الأوجه لبلورة القضية بشكل أفضل وأمضى، يشير إلى مدى الإخفاق الذي منيت به كل المحاولات المعادية، سواءً من دولة الكيان الغاصب أو من حلفائه لطمس معالم قضيتنا وهويتنا وحق شعبنا في العودة لوطنه . إن نسبة الذين شردوا عن ديارهم بلغت في عام النكبة 85 % من مجموع شعبنا ، وها هي اليوم تتقلص ، وسيأتي اليوم الذي تتمكن فيه كل الأجيال اللاحقة من رؤية وطنها والعودة إليه إن اكبر مأساة وأطولها عبر التاريخ وتلك الصور الحزينة لشعب يخرج من أرضه هائماً على وجهه مكسوراً حزيناً لن تتكرر ، وان شعباً يملك ما يملكه شعبنا من رصيد مقاومته الباسلة وشهدائه الأبرار ، وقدرته على التجدد والعطاء ، شعب يواجه كل هذا البطش والتآمر والحصار ليتحول من شعب منكوب إلى شعب ترفع له البيارق وتقرع له الأجراس ، ويقدم بكليته الموزعة على كل بقاع المعمورة هذا العطاء ويتوسل كل الطرق لحشد كل إمكانياته في وجه الغاصب ، هذا الشعب لابد أن يجد ذات الطريق التي سلكها في ذلك العام الكئيب ولكن بالاتجاه المعاكس ، نعم باتجاه الوطن ، وعينه تنظر بوضوح الرؤية لمعالم طريق يعرفها جيداً ولن يحيد عنها ، حتى لو جار عليه الشقيق أو الصديق ،وحتى لو لبس بعض قادته ، أو بعض حكامه ثوب الحملان ، فانه سيطويهم ليطوي الطريق ويصنع بانوراما جديدة ، تعيد وصل من انقطع . زياد أبوشاويش Zead51@hotmail.com 14 / 5 / 2007




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home