القلم السياسي

 

بعد 59 عاما من النكبة.. العالم ينكر مأساة الفلسطينيين

نهاد عبد الاله خنفر



بعد 59 عاما من النكبة.. العالم ينكر مأساة الفلسطينيين

نهاد عبد الاله خنفر/ بريطانيا

سأبدا من الكاتب والمؤرخ الاسرائيلي ايلان بابي الذي ختم اخر مؤلفاته بكتاب مميز ومؤثر تحت عنوان ( التطهير العرقي في فلسطين ) لا اريد ان اغوص في تفاصيل هذا الكتاب الذي قرأته باللغة الانجليزية مما يجعله مؤثرا بامتياز وتحديدا في اوساط القراء الغربيين الذين يتقنون الانجليزية اكثر من غيرهم، بشكل ملخص فان الكتاب يتحدث عن المأساة الفلسطينية منذ بداياتها الاولى على يد البريطانيين، ومرورا بكل التفاصيل المأساوية من قتل وتدمير وتهجير للفلسطينيين من قبل العصابات الصهيوينة كما يسميها الكاتب، وانتهاء بفصول المأساة المستمرة حتى يومنا هذا، لان المؤلف نشر كتابه في نهاية عام 2006، ولا شك بانه في طريقه الى النشر بالعربية، هذا ما افادتني به دار النشر الامريكية البريطانية التي تتولى طباعته وتوزيعه. على كل حال، ان القراءة المتأنية لما جاء في هذا الكتاب يقودنا الى ان هناك من الاسرائيليين من يدرك حجم المعاناة والكارثة التاريخية التي حلت بالفلسطينيين ولا زالت، وخصوصا من الجيل الذي يطلقون عليه جيل المؤرخين الجدد في اسرائيل. ولكن حتى لا يتفاءل القاريء او يتفاعل كثيرا مع ذلك فانه لا بد لي من الاشارة والتنويه الى ان هذا الكاتب قد اعلن هجرته من اسرائيل الى لندن على اثر المشاعر القاتلة والخانقة التي تحيط به في البيئة الاسرائيلية، حيث اعتاد ان يقنع نفسه بانه في وسط  ديمقراطي يقبل الراي والراي والاخر، بل وانه من الممكن ان يتقبل الحقائق كما هي دون تشويه او تحريف، الا انه وحسب قوله لم يجد الكثير من الاسرائيليين على استعدا للاعتراف بالمأساة الفلسطينية التي وثقها بعدد كبير من الوثائق والمذكرات السرية الاسرائيلية التي لا يمكن لاحد ان ينكرها على الاقل في السياق التاريخي للاحداث.

في حقيقة الامر فان هجرة ايلان بابي الى لندن لا تختلف كثيرا عن هجرة عزمي بشارة التي تأتي في ذات السياق ولكن بتفاصيل مختلفة الى حد ما، وهو اصرار الاحتلال على ان يجرد المواطنين الاصليين حتى من صفتهم التاريخية كأصحاب حق على هذه الارض، وبل وبالانبراء لتجريد التاريخ حتى من سلاسته السردية المتأنية التي تضع النقاط على الحروف، تماما كما يهتم الاسرائيليون الان في اغراق العالم بطوله وعرضه بالمحرقة الاسرائيلية التي تظهر مأساة اليهود ومحنتهم التي عاشوها ابان الابادة الجماعية التي تعرضوا لها والتي يجمع الفلسطينيون على بشاعتها واستنكارها كفعل اجرامي لا يمكن قبوله انسانيا. ان هذا المنطلق الذي يجعلنا نرفض ونتضامن مع اليهود الذين وقعوا ضحايا العدائية العنصرية التي مارسها الالمان النازيين انما يحفزنا تماما كما تحفز ايلان بابي في القول: ولكن لماذا لا يعترف العالم بمأساة الفلسطينيين التي تتفاقم يوميا، بل ويحق لنا القول بانها تتفاقم لحظيا. ان الاسرائيليين وقد ابدعوا بالحملات الاعلامية التحريفية المزورة لحقائق التاريخ حيال القضية الفلسطينية بكل ابعادها الانسانية والسياسية والتاريخية وما يتفرع عن كل ذلك من الام ومعاناة طالت معظم الاجيال الفلسطينية التي لا تختزن اذهانها الا تفاصيل المأساة التي تحاصر ذاكرتهم ومكوناتهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية منذ عشرات السنين وربما لعشرات قادمة من السنين القاسية الاخرى. اقول: والقول هنا يأتي من باب الحق، تتزايد الدعاية الاسرائيلية وبتحالف وثيق مع اجهزة الاعلام الغربية الفاعلة على تعميق تفاصيل المأساة اليهودية في الوعي العالمي وخصوصا في اوروبا وامريكا، ولا ابالغ ان قلت بانها حية الى حد النشاط المدوي حتى في اذهان الاجيال الشابة التي اقابلها يوميا عن محرقة اليهود ومآسيهم، والتي جعلتهم يغضون الطرف عن كل ما يمارس ضد اي جانب اذا كان الجانب الاخر اسرائيليا، في سياق مدروس يتنكر للمأساة الفلسطينية ويلغي حق الشعب الفلسطيني حتى بالوجود الانساني، مما يدل على حجم الدعاية التي اثبتت نجاعتها في دفع العالم الى نسيان شيء اسمه المأساة الفلسطينية التي لا زالت اثارها المدمرة مستمرة ضد الفلسطينيين في كل مكان على وجه هذه الارض. الغريب والذي يجعلني احيانا اصل الى مرحلة الجنون هو ان اعلام 22 دولة عربية لم يكن كافيا ولم يعد كافيا الان في الحديث عن المأساة الفلسطينية التي بدأت قبل 59 عاما، باستثناء بعض الاختراقات التي قد تحصل من هنا او هناك، والتي اعتقد بانها هامشية، وفي الحقيقة فان الدور الامريكي والاوروبي يأتي في سياق التحالف مع المجرم الرئيسي ضد الضحية التي تحولت بقدرة قادر الى مجرم مدان على الرغم من الادلة الواضحة التي تقدم ضد المجرم الحقيقي في كل لحظة، ولعل الاثار المتبدية جراء ذلك تتلخص في الخطط الامريكية التي تطرح ما بين حين واخر، متحدثة عن حرية حركة للفلسطينيين داخل سجن محدود هي اقل بكثير حتى من حدود عام 67. ان التقزيم المدروس والمبرمج الذي يمارس ضد الفلسطينيين الذين تتوالد مأساتهم يوميا في كل مكان يتواجدون فيه، يبدأ من الحملات الاعلامية التي تغطي الجرائم الاسرائيلية على اعتبار ان اسرائيل وسكانها هم الدولة والمواطنون الاصليون، وما المقاومة التي تخاض ضدهم وضد احتلالهم الا نوع  من انواع الارهاب الذي يجب ان يحارب بقسوة، وفي الحقيقة التي تثير الاهتمام، هي انه من الصعب ان تجد احدا يسأل هنا في بريطانيا على الاقل أو في اوساط الشباب الاوروبي الذين اقابلهم بشكل شبه يومي، كيف بدأت القضية الفلسطينية والنزاع العربي الاسرائيلي وعلى ماذا؟ ان كل ما يعلق بأذهانهم هو ان هناك انتحاريون فلسطينيون ويهاجمون المدنيين الاسرائيليين وحق على الجيش الاسرائيلي ان يأتي على اخرهم، اما كيف جاءت اسرائيل، ومن اين؟ وكيف تأسست؟ وكيف جاء الشعب الفلسطيني الى فلسطين؟ هل وجد على الارض قبل ان يحتلها الاسرائيليون؟ ام انه وجد هناك بمحض الصدفة؟ أم انه نزل من المريخ او القمر، وغيرها من الاسئلة التي تغيب عن وعي الكثيرين هنا امام التذكير بالمأساة اليهودية، والهجمات الوحشية التي يتعرضون لها من حين الى اخر، على اعتبار انهم الدولة الوحيدة التي ترعى الديمقراطية الراسمالية في محيط غابة عربية من الوحوش التي تحتاج الى من يروضها. ولا شك ان الديمقراطية الاسرائيلية هي الاقدر على الاضطلاع بهذه المهمة كحامية لحمى الديمقراطية الغربية وتقاليدها العريقة. الغريب ان كثيرا من الناس هنا في اوروبا يحاولون دحض الروايات الواقعية التي يحملها اليهم بعض ممن زاروا المناطق الفلسطينية، والتي تتحدث عن المأساة التي يعيشها الفلسطينيون في المخيمات، وعلى الحواجز العسكرية، والحصار والاعتقال والقتل والحرمان الذي يتعرضون له، بل وتجدهم يكذبونهم  بلا حرج، متهمين اياهم بترويج الاكاذيب. هذه امور قد لا تصدق، ولكنني المسها بشكل يومي هنا في بريطانيا، قلة هم من يعرفون عن المعاناة اليومية الانية التي يمر بها الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة، اما مأساة اللاجئين الذين طردوا من ارضهم واقتلعوا قبل 59 عاما فلا استطيع الادعاء الا بان قليلا من المهتمين هم الذين يعرفون جزءً يسيرا جدا عما حدث هناك، في مقابل المعيتهم في الحديث عن تفاصيل المحرقة النازية التي تتخيل بان محدثك قد عاشها بكل تفاصيلها ودون نقصان.

الحكاية الفلسطينية حكاية غريبة، وغريبة جدا، من شعب يمتلك ارضا، لم يعتدِ يوما على احد، الى شعب بلا ارض يغتصب من كل العالم، ومن شعب يبني ويشيد في كل اماكن لجوئه وشتاته الى شعب يحاول كل العالم تحطيمه وتدميره وحتى امام عدسات التصوير، ومن شعب يستنكر كل اصناف التعذيب والقسوة الى شعب يقع بامتياز كضحية لكل انواع الوحشية و القمع والنكران. ومن شعب حاضر يوميا بمأساته عبر عشرات السنين، الى شعب لا يعرف الكثيرون عن مأساته الا من سنين، سنين معدودة فقط. هذا ان قلنا ان هناك الكثير ممن يلقون بالاً الى ذلك.




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home