القلم النقدي

 

نقد مسرحي - الصرخة عمل تربوي

د أميمة منير جادو



مسرحية الصرخة

                                                         رؤيا نقدية

                                                  بقلم د/ أميمة منير جادو

omaimagd@yahoo.com

      " الصرخة " عرض مسرحى تربوى هادف يُعرى واقع قهر المرأة والظلم الاجتماعى الواقع عليها فى المجتمعات العربية.

      " الصرخة " عرض فنى متميز يميل للتجريب ويستلهم من التجريد لتجسيد واقع العنف الاجتماعى ضد المرأة منذ صرخة الميلاد.

        قدم المخرج المتميز " مجدى الناظر " عرضاً مسرحياً غير مسبوق على مسرح السلام وعلى مسرح العرائس صيف 2005 وفبراير 2006 - يُعد العرض اكتشافا حقيقياً لقدرات مواهب متألقة وواعدة لبعض الفنانين والفنانات مثل سيلڤيا التى أدت دور البطولة والفنان المتميز بصدقه الفنى وأدائه الرائع عبد السلام الدهشان على الرغم من قصر دور الأب الذى لعبه.

وكذلك الفنان الجاد شوكت الشيخ الذى جسد الشخصية الرمزية للشيطان ولأهواء قاع الذات ببراعة.

        جاءت الصياغة الدرامية للكاتبين وليد طه وأيمن فاروق، بشكل راق يضمر فلسفة المجتمع تجاه أبنائه منذ صرخة الميلاد، ويؤرخ عبر مراحل العمر للعنف الممارس ضد الأنثى خاصة.

        لقد وظف المخرج الدراما فى لوحات أو(اسكتشات) منفصلة متصلة بشكل تجريدى أكثر قرباً من المسرح التجريبي مع إضافة العناصر الدالة خلال الحركة والأداء بحيث تصل للمتفرج دون غموض وإبهام ومعاناة، وهذا يحمد للعرض ويميزه عن بعض العروض التجريدية التى تنتمى لتيارات حداثية لا تناسب المتلقى العربى ولا تناسب البيئة المصرية.

فكرة المسرحية:

        تعتمد على استلهام الموروث الشعبى السلبى الذى يجسد العنف الاجتماعى الذى يمارس ضد الأنثى منذ صرخة ميلادها لقد نجح المخرج بالتعاون مع الكاتب وعبر الديكور الدال الموحى لمحمد جابر وملابس بدر عبد المحسن وموسيقى زياد الطويل فى تكوين هارمونى سينوغرافيا المسرحية منذ المشهد الأول الذى يشير إلى الجنين فى رحم الأم وحيث المخاض وصرخة الميلاد وحيث تكون البداية  ( بسم الله – خرج إليه – ضمه إلى صدرك ).

        ومروراً بجميع الممارسات السلوكية والطقوسية التى تتلقاها الطفلة من المجتمع خلال عملية التنشئة الاجتماعية وكيف يلعب الموروث الثقافى الشعبى دوره فى هذه التنشئة عبر سلبياتها وإيجابياتها وكيف تؤثر مجموع هذه الممارسات فى تكوين الشخصية، ثم رد فعل الشخصية إزاء المجتمع فيما بعد.

يثير العرض مجموعة من الإسقاطات الموروثة

        حيث تبدأ بفرحة الميلاد متواكبة مع الصرخة والخروج من ظلام الرحم إلى نور الحياة، إنه السبوع الذى وظف فيه زياد الطويل الألحان والإيقاع بشكل رائع ودال باستخدام الموتيفات الشعبية (دق الهاون) والأجراس وبدء عمليات التلقين(اسمع كلام أبوك - ما تسمعش كلام أمك) وتكرار مقاطع الكلمات مع الأنشودة كأنها لحن جنائزى يؤكد بداية العنف اللفظى ضد المرأة وإعلاء السلطة الذكورية فالطاعة للأب(رمز السلطة/ الذكورة) والاستهانة بالأم(رمز الخضوع/ الاستكانة والضعف) أى الأنثى عموما، كذلك الإشارة إلى حلاق الصحة (كموتيفة شعبية) وكرمز دال لإجراء عملية " الختان " حرصاً على البنات من التسيب والفُجر والخيانة كما يصورها الموروث الشعبى وحتى لا تخون الزوجة زوجها إذا سافر أو هجرها ففى المعتقد الشعبى إن الختان عملية تهدئة لثورة الجسد لدى المرأة وبالتالى حرمانها من أحد حقوقها الطبيعية فى الحياة.

        أشار العرض أيضاً لفكرة الزواج المبكر فى الموروث الشعبى حرصاً على عفاف المرأة وتفريغا لشحناتها الانفعالية التى قد تنعكس سلباً على صحتها النفسية والهرمونية كما يؤكد علم الطب ذلك، لكن العرض أشار إلى ذلك انتقادا له وليس تأكيداً للممارسة، إن العرض يعتبر الزواج المبكر أحد الممارسات الموروثة الظالمة التى تمثل العنف ضد المرأة، فى حين أنه ليس كذلك وفق المعتقد الدينى.

        فى أحد اللوحات التجريدية فى العرض (مشهد المدرس) وهو يدرس للفتاة الصغيرة، وقد أبدع الفنان (عادل نور الدين) كممثل إلى جانب كونه مخرجاً معروفاً ذا باع طويل فى الإخراج المسرحى يشهد له.

        إن المخرج أسقط عمليات القهر الاجتماعى التى يمارسها المجتمع فى العملية التعليمية ببراعة شديدة منتقداً كل القصور التربوى فى الواقع التعليمى خلال مشهد عدم تواصل الفتاة مع مدرسيها لعدم مناسبة الدروس وكثافة المواد الدراسية وتداخل التخصصات وثورة المعرفة لقد استطاع (الناظر) توظيف المفردات بشكل رائع: مفردات الأصوات وتداخلها معاً أصوات ( المرأة/الطفل/ البحر/الصوت والضوء.....الخ ) وضعف المدرسين وتخلفهم أنفسهم وبالتالى تراجع الجودة التعليمية وذلك عن طريق عدم مناسبة المدرس للمادة التى يشرحها فالأعمى يشرح الصورة ؟ والصورة هى الماضى / الحاضر والتى لا تفصح عن شيء فتخذلنا وتشعرنا بأننا كنا دائماً دون تحمل المسئولية.

        إن مدرس اللغة الأخر يحدثها بلغة لا تفهمها، إن العرض يؤكد انقطاع الصلة بين لغة البراءة ولغة العولمة أو الحضارة المزيفة، حضارة التخلف والقهر والظلم، يؤكد المخرج مع كلمات الأغانى الجميلة المعبرة ذات العمق الفلسفى رغم بساطتها على (تلازمية الميلاد) والوأد منذ الصرخة الأولى للحياة وكأنها صرخة موت أو رفض وليست حياة فقط، تقول كلمات الأغنية الرائعة: البراح ده مش براحى... البراح ده مش ليَّه.. وتشعر الفتاة ( سيلڤيا ) بالبرودة تجمد أعماقها والريح يسد أذنيها فتنشد: وحيدة فى براح ممدوده مقطوعة الأيد الممدوده والسكة مسدودة.

        ويظل العرض عبر بانوراما مسرحية جميلة مؤثرة وموحية يستعرض صور القهر والسلب ضد الأنثى حتى تتمنى لو لم تولد، حتى تتمنى العودة لرحم الأم الدافئ، إنها تبحث عن أخيها/ الرمز حتى يستقيم ميزان الروح فلا تجده، إن كل ما فى الحياة يغتالها... يغتال براءتها... يغتال بنوتها لأب راحل دائماً(وقد يكون الحاضر الغائب ) فالغياب المعنوى هو هدف العرض، والتركيز على اللاعدالة، وظلم الحياة ولعنة الأحلام داخل العيون.

        إنها الفتاة العصفورة الباحثة عن حرية الروح لحرية الآفاق وحرية المعنى وتغتال براءتها كل شئ. إنها لا تملك خمسة حواس بل أكثر هى حاسة البراءة والشفافية والإحساس بالمعانى الجميلة، لكن دائما تنقطع لغة الحوار بين هذه الحواس التى تفوق الخمسة المتعارف عليها وبين لغة التزييف الحضارى المدعو (عولمة) لتدجين الإنسان وليردد ما يُلقنه منذ صرخة ميلاده كالببغاء، إن المخرج يؤكد كيف صار الإنسان خريج مدرسة الببغاوات وكيف يتم برمجته وفق سياقات العولمة لا وفق سياقات الروح الحرة ويبقى الصراع وتبقى الاغتيالات.

         ويجسد الفنان البارع (شوكت الشيخ) رمزاً آخر من رموز القهر المعنوى انه الشيطان الذى يمنحها خنجراً بدلاً من القلم للتعلم لغة الدم فتصير الورقة مشنقة، انه يلقنها التغريب عن لغة المشاعر إلى لغة الدم.

        كما لعب الأب(عبد السلام الدهشان) ببراعة أيضاً دوره فى تجسيد الظلم منذ البداية، فها هو يحبسها فى البيت ويعزلها عن المجتمع باسم الخوف عليها حتى تبدأ مراهقتها وتفرض ثورة المشاعر وثورة الجسد نفسها عليها فتبدأ رحلة البحث عن الاكتمال بالنصف الآخر وتكون ثلاثية الخجل والخوف والتردد هى سيدة الموقف فى مقابل لغة (الجنس) عند الشاب فهى لغته الوحيدة التى يعرفها لكنه يخدعها، فتقع فى الحب (عمياء)، وقد نجح المخرج كثيراً حين أغمى عين الفتاة وعصبها بمنديل يرمز كيف ُيغَيب الحب صاحبه عن عيوب الحبيب ويقع فى الحب ويحلق فى الأحلام والأوهام التى هى بمنأى عن الواقع، وينتهى الصراع بين لغتين متناقضتين إلى الصدمة، الصدمة التى تغتال أحلام الفتاة العذراء حين تكتشف أن حبيبها لا يستطيع أن يحلق معها فى دنيا الأحلام والخيال، انه يريد اللذة الملموسة بينما هى تستمتع بلذة المتعة فى الحلم ونبض القلب ولغة المشاعر الراقية والتى لا يعترف بها المجتمع.

        وتعيش الفتاة الصدمة ببشاعتها وقسوتها وتمنحها التجربة خوفاً جديداً وقهراً جديدا فتخاف دخول تجربة أخرى لكن فقدانها لتوازنها النفسى يدفعها للبحث عن الحب واستعادة هذا التوازن مرة أخرى، وتتردد ثم تعيش الصراع ذاته حتى يخدعها الشاب الجديد حين يمنحها تفاحته أو تفاحة الخروج من الجنة حيث تقضمها فإنه يغتصبها ويتركها لوحدتها وليلها الطويل مكسورة الخاطر والروح   وتتواكب الموسيقى فى الإيقاع الراقص مع أداء الفنانين فى تجسيد رائع لاغتيال البكارة واغتصاب العذرية وبعدما ينفض السامر يعود الأب بعد غياب طال ليكتشف ما حدث...

        ويجسد العرض روعة هذا المشهد بين لقاء الأب (الدهشان) والابنة (سيلفيا) هذا الاكتشاف الرائع (لمجدى الناظر)، يصور المشهد غربة الروح بين الأب وابنته، ويجسد كل منهما هذا الاغتراب رغم حاجة كل منهما للأخر...لقد تركها للضياع بعد ضياع الرقابة الحنونة وحيث صارت فريسة سائغة لشريعة الغاب والتحضر المزيف

        وهكذا تصير هذه الضحية وحيدة غريبة ضائعة تائهة تبحث عن منقذ حتى يتبدى لها مجسداً فى رجل متزن حكيم فى عمر أبيها، والذى يجسده الفنان والديكوريست ( مجدى عبد الظاهر ) والذى توحى ملامحه بالطيبة والراحة والنقاء ولقد جاء دوره موفقاً لما يتسق مع ملامحه، فتلجأ الفتاة إليه وحيث لا مسميات للعلاقة إنها علاقة إنسانية ( علاقة الإنسان بالإنسان )، إنها تحاول أن تبدأ من جديد نافضة عن نفسها رمادها متجاوزة عثراتها وحرماناتها وإخفاقاتها متوثبة نحو الأمل الجديد الذى أشرق فى حياتها صدفة دونما موعد وتتمنى الانتماء إليه وإلى أسرته فيأخذها لأسرته لتعيش معهم.

        ويمنحنا المخرج خلفية سريعة لهذه الأسرة، إن للرجل ولدان شابان وطفلة وأب مقعد، لكل منهم شخصية تختلف عن الآخر، إنهم يتحدثون شهورا ويثرثرون دائما دونما الوصول إلى شئ أو حل أى مشكلة بشكل عملى..

        يؤكد المخرج من خلال هذه الأسرة على إسقاطات اجتماعية وسياسية، فالإسقاط المباشر الاجتماعى يمثل الصراع الداخلى وتمزق كيانات الأسرة والصراع بين الأجيال وتعدد الآراء ووجهات النظر دونما تكامل أو حلول فكل منهم لا يهمه الآخر ولا يسمع إلا نفسه ولا يقتنع إلا بما فى عقله، لقد انقطعت لغة الحوار بينهم..

        والإسقاط اللامباشر الرمزى السياسى يمثل تمزق الكيانات العربية والتى لا تصل لأى حلول لأى قضايا بما فيها القضايا التى تتعلق بالمقدسات، ويشير المخرج للقضية الفلسطينية بداية واغتيال العدو الصهيوني لبراءة الأطفال، وكيف يملك الطفل بالحجر بمجرد أن يتعلم المسك بالأشياء، انه فى هذا القهر السياسى يمسك بالحجر بدلاً من أن يمسك بزهرة أو كتاب.

        لقد وظف المخرج تقنيات العرض السينمائي داخل العرض المسرحى لتوصيل الفكرة إلى الجمهور ولتوظيف القهر السياسى الدولى فى المنظومة العالمية الأكبر وحيث يصعب فصل الظواهر عن سياقاتها الدولية أو العولمية، إنها منظومة القهر المركبة والمؤدية إلى بعضها فى جدلية عكسية.

        ويحاول الناظر وضع نهاية لهذا القهر فتأتى اللوحة الأخيرة: الفتاة تدخل فى ثوب البراءة فى محاولة للانتماء لهذه الأسرة، ومحاولة للتصالح مع العالم لكن أحد الشابين يراودها عن نفسها وهى تدافع بإصرار عن شرفها وبينما يتقبلها الشاب الأخر ترفضها الفتاة ابنة الرجل وهكذا تكشف أن رب الأسرة لم يعد يملك قراره بيده، إن قراره فى إبقائها فى بيته ليس قراراً خاصاً به لكن بهم جميعا، وهم يتشككون فى وجودها فلا يقبلونها بل يرفضونها.

        وينتهى العرض الثرى المؤثر الفلسفى الموحى الجميل بنهاية مفتوحة تجسد الواقع... إن الصراع قائم...ونحن لا نملك إلا الأمانى و الدعوة والحلم بالسلام فلن يصلح هذا الكون إلا بالسلام...

  إن المشهد ينتهى بفلاش باك تتذكر فيه الفتاة والرمز - (للأمة العربية فى نفس الوقت على المستوى السياسى) – تتذكر كل ما كانت تتعلمه ويلقنونه إياها من مفاهيم خاطئة، ومن غياب القدوة، ومن مدرس لا يعي ما يقول، ومن أعمى يشرح الصور، ومن... ومن... إنها تتذكر وتعيش كل الصراعات... ولن يكون أى حل أو بديل أو معادل موضوعى للأزمة إلا (السلام)...

إن الفتاة تردد فى نهاية العرض

   ل ا   م)

   ل ا   م)

وتغنى: افتحوا الشباك لبكره يمكن يطلع... الخ

إنها الدعوة للأمل والإصرار عليه والتمسك بحقنا فى الحلم بالسلام والأمان..

 

تحية تقدير واحترام لهذا العرض الرائع ولمخرج العرض ولكل الفنانين المتميزين الذين أدوا أدوارهم بنجاح وللأشعار وللموسيقى ورغم إمكانيات القاعة البسيطة فى مسرح السلام، والطليعة.    

                                                                               د/ أميمة منير جادو




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home