القلم النقدي

 

رؤية نقدية في قصة موت موظف

محمد المغربي-مصر



 
النص:
فى أمسية لطيفة،كان ايفان ديمتريتش كريبكوف ، وهو موظف يقوم بعدة مهام لا يقل لطفا عن تلك الأمسية اللطيفة، جالسا فى الصف الثانى من المقاعد الأمامية يشاهد ( أجراس نورماندى ) بواسطة منظار الأوبرا . كان يتفرج وقد اعتراه شعور بأنه يعتلى قمة العالم . ولكن فجأة … غالبا ما يصادفك هذا … فى القصص القصيرة ، والكتاب على حق : الحياة مليئة بالمفاجآت ! ولكن فجأة ، عندئذ ، يتقلص وجهه ، وتبحلق عيناه إلى أعلى ، وينقطع نفسه ـ ينزل منظار الأوبرا وينحنى إلى أمام ، و … أتشوو !!! يعطس ، بعبارة أخرى . ولكن العطاس ليس ممنوع على أى أحد وفى أى مكان . الفلاحون يعطسون ، ورؤساء الشرطة يعطسون ، وأحيانا حتى الموظفون من الدرجة الثالثة يعطسون . كل إنسان يعطس . لم يحس كريبيكوف بالإحراج أبدا ، وإنما بكل بساطة مسح أنفه بمنديله ، ولكونه من النوع المؤدب من الناس ، نظر حواليه ليرى فيما إذا كان قد أزعج أحدا بعطاسه . عندئذ وجد سببا للشعور بالإحراج . رأى أن السيد العجوز الضئيل الجالس أمامه فى الصف الأول ، كان يمسح بعناية قمة رأسه والجهة الخلفية من رقبته بقفازه ، ويتمتم بشئ . وقد تعرف كريبيكوف فى شخصية السيد العجوز على الجنرال شبريتسالوف ، وهو موظف من الدرجة الثانية فى وزارة الاتصالات .
لقد تطاير الرذاذ عليه .
فكر كريبيكوف .
- .. انه ليس رئيسى ، هذا صحيح ، ولكن مع ذلك ، انه عمل محرج . يجب أن اعتذر إليه .
وهكذا وهو يتنحنح وينحنى إلى أمام باحترام ويهمس فى أذن الجنرال :
- عفوك ، سيدى ، لرشك بالرذاذ . لم يكن مقصودا أبدا ..
حسنا ، حسنا .
- أرجوك ، أرجوك أن تصفح عنى ..أنا … أنا لم أقصد ذلك .
- أوه ، اجلس ، أرجوك ، لا استطيع سماع الأوبرا .
أربك ذلك كريبيكوف ، فكشر عن ابتسامة سخيفة وجلس وبدأ يرقب المسرح من جديد . كان يتفرج ، إلا انه لم يعد يشعر بأنه يعتلى قمة العالم. بدأ يشعر بوخذات من القلق . وفى فترة الاستراحة ذهب إلى شبريتسالوف ومشى معه مشية جانبية ، وتغلب على خجله وقال متلعثما :
- لقد رششتك بالرذاذ ، يا صاحب السعادة ، … أرجوك اغفر لى … أنا … لم يكن ..
- أوه ، بالله عليك … لقد نسيت ذلك تماما ، فلماذا تكرر ذلك على سمعى !
قال الجنرال ذلك ، وعض على شفته السفلى بنفاد صبر .
- هـ .. م م .. انه يقول انه قد نسى .
فكر كريبيكوف وهو يحدق إلى الجنرال بعدم اطمئنان .
- ..لكن مزاجه فى أسوأ حال . انه يرفض حتى الكلام فى هذا الموضوع . يجب أن أوضح له بأنى لم أرد …. – وان العطاس قانون من قوانين الطبيعة … وآلا ربما فكر بأني عنيت أن ابصق عليه . وان لم يفعل الان ، قد يفعل فى وقت لاحق …
وعندما وصل كريبكوف البيت ، اخبر زوجته عن مخالفته للأصول والآداب . وشعر بأن زوجته قد تلقت الحادث بشئ كثير من عدم المبالاة : فى البداية تولاها الفزع تماما . ولكن حالما علمت أن شبريتسالوف كان رئيس شخص أخر ، هدأت نفسها ثانية .
- مع هذا ، اذهب إليه واعتذر له .
قالت .
- .. وإلا اعتقد انك لا تعرف التصرف فى المحلات العامة .
- هذا صحيح . لقد اعتذرت له فعلا ، لكنه تصرف بشكل غريب … لم استطع أن احصل منه على كلمة واحدة ذات معنى . لم يكن هناك وقت كاف لمناقشة الموضوع من جهة أخرى .
فى اليوم التالى ، ارتدى كريبيكوف بدلته الجديدة وشذب شعره وذهب إلى شيريستالوف ليوضح له .. لما دخل غرفة المراجعين للجنرال رأى صفا من الناس هناك ، وفى وسطهم كان الجنرال نفسه الذى كان قد بدأ لتوه بسماع العرائض . وبعد النظر فى مشاكل بعض مقدمى العرائض رفع الجنرال نظره تجاه كريبيكوف .
- أمس فى مسرح الاركيديا ، يا صاحب السعادة ، لو تذكر .. بدأ الموظف الصغير كلامه .
- عطست ، يا سيدى ، و .. عن غير قصد ، تطاير الرذاذ . اغفـ.. .
- كفى هراء ، أيها السيد ! …. انك تضيع وقتى . الذى بعده !
قال الجنرال وهو يدير وجهه إلى مقدم عريضة أخر .
- انه يرفض حتى التحدث فى الموضوع .
فكر كريبيكوف وقد امتقع وجهه .
- لا شك انه غاضب ، اذن … لا ، لا استطيع أن اترك الموضوع عند هذا الحد … يجب أن أوضح له …
عندما انتهى الجنرال من مقابلة أخر واحد من مقدمى العرائض ، واخذ طريقه عائدا إلى المختلى الداخلى من القسم ، أسرع كريبيكوف موسعا خطاه وراءه وتمتم قائلا :
- صاحب السعادة ! إن تجرأت و أزعجت سيادتكم ، فذلك فقط بدافع الشعور بالــ … بالندم العميق ، كما يقولون .. أنا لا افعل ذلك عن قصد ، سيدى يجب أن تصدقنى .
أدار الجنرال وجهه منزعجا ودفعه جانبا .
- هل أنت تحاول أن تكون مضحكا ، أيها السيد ؟
قال ، واختفى خلف الباب .
- مضحكا ؟
فكر كريبيكوف
- … أنا ، بالطبع، لا أحاول أن أكون مضحكا ! يسمى نفسه جنرالا ولا يفهم . حسنا ، إذا كان سيتعالى ويشمخ بأنفه فلن أعتذر منه بعد ذلك .ليذهب إلى الجحيم .لا مانع عندى من كتابة رسالة إليه ، إلا إنني لن اقطع كل هذا الطريق ثانية وآتى إليه . لا ، أبدا .
هذا ما كان يدور فى ذهن كريبيكوف وهو فى طريقه إلى البيت . لم يكتب إلى الجنرال ، على آية حال . فكر وفك ، إلا أنه لم يستطع أن يجد ما يقول . وهكذا ، فى الصباح التالى ، كان عليه أن يذهب إليه ليوضح له شخصيا .
- أمس ، جئت و أزعجت سعادتكم .
بدا متلعثما .. عندما رفع الجنرال ناظريه إليه متسائلا .
- .. ليس لأحاول أن أكون هازلا ، كما تفضلتم وقلتم . جئت لاعتذر للعطاس ورشكم بالرذاذ ، يا سيدى – لم يخطر ببالى أبدا أن أكون هازلا . كيف اجرؤ أن أضحك ؟ لو بدأ كل واحد منا بالضحك على الناس الذين حوله ، لن يبقى احترام لأحد ، ها ، فى العالم …
- انصرف !
جأر الجنرال فجأة ، وقد تورد وجهه واستشاط غضبا .
- ما …ماذا ؟
قال كريبيكوف هامسا ، واغمى عليه من الفزع .
- انصرف
كرر الجنرال قوله ، وضرب الأرض بقدمه .
شعر كريبيكوف بشئ ينهش أحشاءه . وبدون أن يرى شيئا أو يسمع شيئا ، ترنح إلى الوراء نحو الباب ووصل الشارع وغادر هائما . دخل بيته بصورة آلية ، ودون أن ينزع بدلته ارتمى على الأريكة و .. مات .
_______

التعليق

بداية من العنوان
نجد أنه " موت موظف " و الذى أعطانا عدة معلومات أولا أن هناك حدث سوف يتنامي حتى النهاية ، التي هنا هى الموت ، سواء بالمعنى المادى فعلا أم غير ذلك . وان البطل موظف بكل ما تحمل الكلمة من معان ذات دلالة على شخصية البطل ..
خاصة بسابق معرفة القارئ أن تشيخوف يكتب من خلال واقعه الروسى المميز . ومن ثم فإننا أصبح لدينا فكرة مسبقة عن سلوك هذا البطل فى إطار كونه موظف داخل المنظومة الاشتراكية ، معقدة البيروقراطية شديدة الصرامة التي نعرفها والتي هى محل للتعرض فى الكثير من الأدب الروسى .
من هنا فان تشيخوف كان موفق تماما فى اختيار عنوانه ذو الدلالة .

ثم نجده يأخذ فى تحديد الموقف أكثر ..
فأول جملة فى القصة هى : " فى أمسية لطيفة " فها هو يحدد الزمان موحيا إلينا بالحالة الشعورية التي تغلف بداية القصة أو التي يدور خلالها الحدث البدائي الذى سينطلق من العمل الذى نحن بصدده .

ثم ( كان ) وهذا يفيد انه يتحدث عن شئ ، حدث بالفعل ، ويسرده إلينا ثم إذا تحدث عن بطل فليس هو الكاتب أو الراوى ..
أي أن تشيخوف هنا استخدم أسلوب الراوى العليم الذى يحاول أن يكون حياديا ، حيال وصفه لم يحدث.
و تشيخوف ليس بالكاتب الساذج الذى تأثره كلمة أو جملة فيضعها حيثما شاءت هى . فنحن نجده يضع جملة اعتراضيه كبيرة ( الكتاب على حق الحياة مليئة بالمفاجآت ) فهو هنا يزيد من إيضاح انه كراوى يحاول ان يكون منصفا وان يتقرب من القراء فهو يخاطبهم وكأنه يخرج من خلف شاشة العرض موضحا نقطة جوهرية .

ربما يجب أن نتعرض لدلالة الأسماء سواء البطل أو الجنرال أو حتى اسم الأوبرا إلا انه لانعدام معرفتى بالروسية ، وبأسماء المتحدثين بها فإني سأغفل تلك النقطة .

الحوار:

تشيخوف يسوق الحوار بأكثر من أسلوب ، فهو إما بين البطل وذاته أو بين الجنرال والبطل أو بينه وبين زوجته ، وفى كل نوع من هذه الحوارات ، يظهر لنا شئ جديد فهو
بين البطل وذاته : يظهر تردده وخوفه واضطرابه وسماته الشخصية .
مع الجنرال : يعطى دلالات عن شخصية ذلك المسئول الروسى الصارمة .
مع الزوجة: اللامبالاه مادامت الأمور سطحيا تبدو غير مسببة لأية مشكلات ضارة بها أو بزوجها أو ببيتها .

من خلال هذه الحوارات يتم نسج انطباعات متتالية من الشخصيات المتواجدة لدينا فى العمل
إلا أن الجمل على لسان الراوى ، هى بالفعل نقاط المحور فى العمل فهى التى تعطى الأمر بالحركة وبالتوقف وتظهر وتخفى ما تريد فهى الموجهة للانطباعات التى ولدتها الحوارات السابق ذكرها .
كما أنها تزيد دلالات المكان والزمان وضوحا فى كل مرة . إمعانا فى التوضيح والاقتراب من لب القضية .

ومن الضرورة ألا نغفل قدرة تشيخوف كواحد من اعظم الكتاب الروس فى الوصف ، بل وأحيانا الإسهاب فى الوصف حتى لكأنك تشعر ان الشخصية تلك الموصوفة ، قد اصطدمت بك فى إحدى وسائل المواصلات المزدحمة فى قلب القاهرة .
ربما الإطناب شبه الساخر والزيادة المتعمدة فى إعادة مواقف الاعتذار ، بالرغم من التغيير فى الفعل المضاد للجنرال لا ينمو بذات المعدل الذى يتنامى به فعل البطل كريبيكوف .

من جهة أخرى فانه من حيث الفكرة ( الإشكالية ) …
إذا كانت الإشكالية التي حاول أن يقدمها تشيخوف هنا هى:
هل هو أحمق؟
والتى يحاول ان يظهرها لنا من خلال عنف الصدام بين الرغبة فى الاعتذار المقابل بإهانة الوصف بأنه شخص هزلى .

هل هذه الإشكالية تستحق بالفعل أن يكتب فيها تشيخوف إحدى قصصه؟
بالفعل تستحق …
نعم تستحق … فانه من أهم سمات القصة القصيرة التقاط المعان الصغيرة و البدأ فى تشريحها ، وإيضاحها للعقول فى صورة جلية باستخدام شئ من الأساليب الدرامية الفنية التقليدية .
وهنا تصبح لا تقليدية فأنت لا تستطيع أن توصل تلك الفكرة عن طريق أي عمل أدبي أخر سوى القصة ، والقصة القصيرة بالذات .

ناهيك عن الرسم الاجتماعي الصارخ فى القصة من خلال الشخصيات سواء البطل الخاضع لقهر البيروقراطية أو زوجته أو الجنرال ممثل الطبقية من النظام اللا طبقى المفترض !!!!

أخيرا
النهاية سواء بفرضية انه موت حقيقى بالمعنى الفسيولوجى أو انه موت الدهشة وتغير الحال إلى الأسوأ مما يحتمل …...
أيا كان كنه هذا الموت فانه نهاية واضحة قاضية وضعها تشيخوف بعد أن أتم العزف منفردا كراو عليم ، بالرغم من انه جاهد فى أن يصبح مايسترو فقط .
 




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home