قصة

 

سقوط أم انتحار

نصرالدين نواري



- "ما أصعب الحياة، وما أصعب العيش فيها"..

كلمات لا تكاد تفارق ثغره الملائكي.. كلمات مزجها بدموعه ليرسمها بقلم أحزانه على جدران مدينته المتوحشة، كلمات حفظها فحفظته ولبسها فلبسته، كلمات اتخذها رفيقا فكانت له أنيسا ومحبا.

لا يعرف من الأصدقاء غير دفتر ورقي وكرسي متحرك لازمه منذ أن كان في سن الزهور.. يمضي معظم وقته أمام نافذة منزله، مغتصبا بنظراته الحزينة أخبار العالم الخارجي،  متصفحا وجوه أناس خُلق مثلهم فأرادته الأقدار شبيها لهم..

اليوم وعلى غير عادته قرر خرق حظر التجوال، وطلب من أحد جيرانه أن يذهب به في جولة خفيفة ليشبع فضوله ويكشف أسرار مدينة أحبها فعكسته وقدسها فحبسته..مدينة رسمها ذات يوم شعلة من ضياء، فرسمته كرسيا من حديد.

أعين المارة تلاحقه في كل مكان، همساتهم تلسعه.. ضجيج المدينة يتعبه.. أحس بالملل، بالغبن، بالندم...

- "لا مكان لي هنا.. ليتني لم أخرج"..

يطلب من جاره أن يعود به فورا إلى المنزل.

في زاوية من غرفته الضيقة فتح دفتره.. حرك قلمه ..بدأ قصته:

-"إليك أيتها المدينة أهدي فجيعتي.. إليك أيتها الجائرة أسرد محنتي، باسمك يا ناكرة الجميل أبدأ قصتي:

يا مدينة من رماد ومن قلوب متحجرة، يا مدينة من أشباح ومن بيوت خاوية، يا مدينة مسكونة بأحزان وآلام الآخرين..كم سهل عليك نكران فضل أبناءك ومن عمروك، كم سهل عليك ابتلاع قوم أحبوك..

ولدت بين شوارعك، حالما آملا في أن يأتي اليوم الذي أداعب فيه أرصفتك وأمسح الحزن عن جدرانك، وأحنو فيه على أشجارك.. مغنيا مع طيورك، راقصا مع أزهارك..

غير أن مشيئة الله أرادتني إنسانا مقعدا فوق كرسي متحرك لا يكاد يفارق جسدي إلا كمفارقة الأم لرضيعها، أو كمفارقة المد للبحر..

أيتها المدينة.. تكبّر قومك وتجبرهم يؤلمني، لامبالاتهم تخنقني، تجاهلهم أحزاني وآلامي يبكيني، أحقادهم..غرورهم..زيفهم.. كل ذلك ينهش ما بقي في جسدي المكلوم..

أيتها المدينة..لست بحاجة إلى طلب شفقتك، ولا إلى طلب رحمتك، ولكني في أشد الحاجة إلى أناس يحترمون ضعفي.. إلى أناس يردون الظلم عني.. إلى أناس يصاحبون عقلي، لا جسدي..

عفوا أيتها المدينة، لقد أطلت عليك وقصتي لم تكتمل بعد.. سأروي آخر فصولها غدا..طابت ليلتك..".

الجو بارد هذا الصباح.. الطيور حزينة.. الشوارع مبللة..دخان السيارات يخنق المدينة..

تتوقف الحركة فجأة.. ترتفع أصوات سيارات الإسعاف مزلزلة القلوب قبل الآذان..الناس يهرعون في كل الاتجاهات .. يتوقفون أخيرا قرب أحد العمارات..

-ماذا حدث؟!..

-ماذا جرى؟!..

-يا إلهي.. جثة على الأرض

- لقد مات..

- لا لم يمت..

- سقط من نافذته ..أنظروا إنها مفتوحة..

-لا لم يسقط بل انتحر..

-بل سقط..

-انتحر

- نعم انتحر.. !!!

-نعم سقط !!!

- .. وأين كرسيه؟!!

 

 

نصرالدين نواري




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home