دراسات هامة

 

للحياة رائحة أخرى-نقد مسرحي

د أميمة منير جادو




 

للعرض المسرحي

 


 

بقلم

د/ أميمة منير جادو

 

 

تأليف / كرم محمود

إخراج / حسن العدل

تمثيل/ فاروق عيطة

وأمينة سالم

على المسرح القومي ( قاعة عبد الرحيم الزرقانى)

المدير العام : أ. محمد شوقي

 

صيف 2005

 

للحياة رائحة أخرى:عرض مسرحى يتميز بالجدية والمسئولية.

مسرح يناقش قضايا حقيقية و يقدم حلولاً ضمنية.

قدم المسرح القومي في صيف 2005 مسرحية للحياة رائحة أخرى على قاعة عبد الرحيم الزرقانى .....

و المسرحية من تأليف / كرم محمود                 وإخراج / حسن العدل

ويناقش العرض قضية من أخطر القضايا الاجتماعية التي تواجه المجتمع المصري على وجه العموم- أو المجتمع العربي الفقير – والأسرة المصرية على وجه الخصوص.

حيث يطرح المؤلف قضية كبرى تتفرع عنها قضايا أخرى لا تقل في أهميتها عن القضية الأساسية و حيث تؤدى الأسباب إلى نتائج منطقية مقنعة للعقل و مؤثرة في وجدان جمهور المشاهدين فى آن..........

فالمسرحية تمس مشاعر و مشاكل قطاع عريض من الأسر المصرية أو العربية على حد سواء.

إن مسرحية للحياة رائحة أخرى تتناول ببساطة شديدة تحديات العصر لقيم تكوين الأسرة منذ بدايتها، أنها تطرح ضمنياً كيف سلبت منا الحضارة -( أو ما يسمى بالحضارة التكنولوجية و قيم الحداثة الاستهلاكية .... الخ)- أجمل المشعر الإنسانية و أنبلها و أعرقها على مر الزمان وهو ( الحب).

أن الكاتب يعرى و يفضح أن ما ندعوه  (حضارة) لا ينطوي على أي قيم حضارية لأنها حضارة استهلاكية مادية و حضارة مزيفة خالية من الشق الوجداني و الروحي الذي تقوم علية الحضارات الأصلية و هو (الحب) سر الحياة الحقيقية و الذي يمنح الحياة طعمها و لونها و رائحتها .... فإذا ما غاب الحب عن كيان الأسرة انتهت للعدمية و فقدت دورها و أهميتها، وصارت مجرد شكل بلا مضمون ، جسد بلا روح ....

و لقد ساعد المخرج المتميز / حسن العدل على إبراز هذه الفكرة عبر الممثلين الاثنين فقط و هما : فاروق عيطة الذي جسد بحق شخصية المصري العاشق و الكادح و الذي أراد أن يسعد محبوبته الزوجة بتلبية كل احتياجاتها (لبن العصفور) أو ما تطلبه من أجهزة كهربية و ماديات( فوق إمكانياته المادية الفقيرة) فتدعوه للهجرة و السفر لدولة نفطية حتى يأتى لها بما تشتهى و يسرقه العمر بل و يسرق منه مشاعره فى غمرة الأسفار و الكفاح و الشقاء و تتقولب روحه و نبضاته لتصب فى ترس يدور بين تروس أخرى فينسى الشعر والحب والمشاعر والرقة وحين تطالبه الزوجة ( والتي جسدت الشخصية بنجاح الفنانة / أمينة سالم ) بهذه المشاعر يبدو غريبا عنها كغربته التي عاشها لأجلها ...

يثير المخرج في براعة كيف صارت كل الأجهزة المادية ( رموز الحضارة والعولمة) حاجزا وسدا منيعاً بين مشاعر الزوجين ، بل صار هدم هذا الحاجز ضربا من الاستحالة، لأنه بني عبر سنوات طويلة من الغربة والشقاء والصبر والعذاب، هذا الحاجز الذي يثير جنون الزوجة المحرومة التي جرى بها العمر في غياب زوجها وابتعاده عنها في دولة نفطية، وعندما تحدثه عن الحب والأشواق تجده في واد آخر لا يشعر بها، فقد أفقده التعب والسعي وكثرة الأسفار هذه الرومانسية الحالمة التي تتمناها الزوجة وتتشهاها عند عودة زوجها....

أن المسرحية أيضا تقدم قيمة " الوفاء الزوجي " في هذا الإطار الدرامي الخلاق في هذا التجسيد المأساوي والذي يلجأ أحيانا إلي كوميديا ساخرة (يؤديها فاروق عيطة) وكأن المخرج يقول لنا: " شر البلية ما يضحك"،  فالزوجة حين تذكره بأشعاره الرقيقة فانه يُسَمِّع ويؤدي لها " ألفية ابن مالك " فيثير جنونها أكثر ...

إن العرض حريص علي قيمة (الوفاء الزواجي) رغم بعد الزوج بالسفر أو الهجر الاضطراري، وهذا الوفاء يجسد لنا حرمان الزوجة من ممارسة الحب مع زوجها الأمر الذي قد يدعو للمأساة أو الجنون، لكن دون أن تسقط الزوجة في بئر الخيانة الزوجية وهذا مما  يُحمد للكاتب في تجسيد المأساة و يحمد للمخرج في تجسيد الدراما ، فلو كانت الزوجة خائنة ما أهمها أن يعود زوجها أو لا يعود، لأنها تمارس حياتها بشكل آخر وتشبع رغباتها كما يحلو لها دون مراعاة للقيم والأعراف و الدين .

ونحن نرى نجاح هذا العرض إنما يتمثل أيضا في طرح قيم الغالبية العظمي من نساء الطبقة الوسطي اللاتي مازلن يتمسكن بالعفة والفضيلة في غيبة الزوج ولذا فإن تجسيد الممثلة (الفنانة القديرة / أمينة سالم) للحرمان جاء رائعا ومناسبا لهذا الطرح . ولأن القضية قائمة فإن المأساة قائمة، حرمان الأسرة من ممارسة الحب بذات الشوق واللهفة والحنان والمودة والرحمة التي حثت عليها الأديان.

كما يثير العرض أيضا كيف يؤثر تدخل الآخرين في حياة الأسرة إلى تصدعها، (فالحماة ) رمز أبرازه المخرج بوضوح علي لسان البطل دون أن يتأثر العرض بعدم وجود ممثلة تجسد هذه الشخصية وهذا مما يحسب للمخروج أيضا ...

إن وجود (الحماة) يُعد وجود قائم ومؤثر فهي التي تطلب من زوج ابنتها أو(العريس) أن يأتي لها بكل ما يستكمل ويؤثث بيته ، ..... الخ

و يأتي ذكر (الحماة) علي لسان الزوج كثيرا مما يدعم وجودها رغم غيبة تجسيدها الذي قد يضعف العمل فيما لو ظهرت في سفسطة فارغة ....

لذا فقد قام الممثل فاروق عيطة بإبراز وتجسيد دورين معا: دوره كرجل يطارد ويصارع متطلبات الحياة والزوجة لتأثيث البيت، ودوره الساخر من الحماة التي دفعته              لذلك ...

من هذه النقطة يمكن أيضا اعتبار أن النص يدعو لعدم تدخل الآخرين في حياة الأسرة، كما يدعو ( الفتاة / العروس / زوجة المستقبل ) أن تكون ذات كيان وشخصية بحيث لا تنساق وراء رغبات أمها، أن المسرحية تدعو الفتاه للوعي بدورها كزوجة للوقوف بجانب زوجها لحثه علي التقدم والنجاح وليس علي حساب المشاعر الإنسانية والروحية والحب الذي يجب أن يكون بينهما . لأنه الركيز الأساسي في العلاقات الزوجية التي تمنح الحياة رائحة أخري أجمل وأشهى ، إن الغُربة بعيدا عن الآخر تؤدي لاغتراب حقيقي .

إن العرض أيضا دعوة لأعمال العقل وإعادة إدارة العواطف عند الزوج العاشق خاصة الذي يجب ألا ينساق وراء رغبات الزوجة التى لا تنتهي من (حيث الحصول علي الماديات أو الكماليات) ولكن يجب الموازنة بين العاطفة والعقل من حيث إمكانية تأثيث المنزل بالضرورات وإجراء التباديل والتوافيق اللازمة لصنع حياه ذات رائحة جميلة وعذبة ولكن بخطوة خطوة عبر مراجعة الإمكانيات المتاحة والبدائل ، حتي لا تستعبدنا المادة وننسي أنفسنا في غمار حرب الحصول عليها، فتهدم فينا أكثر مما تبني ويصير الإنسان مجرد أداة من أدواتها غير قادر على السيطرة عليها فالزوج لم يعد يرى زوجته (أنثاه المشتهاة) وحبه الذي باع عمره لأجلها بل صارت بلا روح بلا جمال بلا أنوثة بلا أي شئ يثير شهيته لممارسة الحب، فضلا عن تعبه وكده وشقاءه الذي أورثه ضياع العمر والضعف ثم الموت هكذا فجأة دون أن يعيش حياته كما يجب أن يستلذ بها ....

 رغم النهاية المأساوية إلا أنها متوقعة ومنطقية، إن الزوج  يموت في اللحظة ذاتها التي يحاول أن يمد يده إليها للمسة، حب ولرشفة كأس، وللأستمتاع بدفيء وشموع ليلة جميلة من ليالي العمر المسكوب .

        جاءت النهاية هكذا رائعة متسقة مع البناء الدرامي ومع الإخراج والأداء ورغم الديكور البسيط في القاعة، لكن توظيف عناصر المكان وسينوجرافيا المسرح كاملة                 لـ (فادي فوكيه) والموسيقي (لأحمد يوسف) والأداء المتميز لكل فريق العمل بالمسرحية

 

تحية إعجاب لهذا العمل ودعوة لأعمال مماثلة تناقش

قضايا حقيقية وتقدم وتطرح حلولا ضمنية أصيلة .

                                                       د/ أميمة منير جادو

                                          عضو اتحاد الكتاب و ناقد أدبى ومسرحى




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home