القلم النقدي

 

قراءَةٌ نَقدِيَّةٌ لِقِصَّةِ (المَرتَبَةِ المُقَعَّرَة)

محمد ذهني / مصر





قصَّة المرتبة المقعَّرة هي قصَّةٌ قصيرةٌ من قصص مجموعة (النداهة) للأديب د/ يوسف إدريس، وعلى عكس معظم قصص يوسف إدريس المليئة بالسَّردِ والوصف بإسهاب مِمَّا يؤدِّي إلى التَّأثير على جمال موضوعاته – مثلما حدث في قصص عديدة مثل النداهة، وحادثة شرف، و طبليَّة من السَّماء - تأتي قصَّة المرتبة المقعَّرة كدرس في القصَّة القصيرة تمامًا مثل قصَّته الشَّهيرة (نظرة)، والَّتي كنَّا ندرسها في المرحلة الثَّانوِيَّةِ كمثالٍ للقصَّةِ الَّتي تعبِّرُ فيها الكلمة الواحدة عن معانٍ كثيرةٍ. وَقِصَّةُ المرتبة المقعَّرة قصَّةٌ رَمزِيَّةٌ رائعة.. تدلُّ على عبقريَّةِ الكاتب في أنَّها صالحةٌ لأن تحدث في كُلِّ زمانٍ ومكان.
ترمز إلى الإنسان الخامل العاطل عن الحياة والَّذي يتَّخذُ حجَّةً على خموله بأنَّهُ ينتظر شيئًا ما أن يحدث لكي يبدأ الحركة.. وطبعاً هذا الشَّيءُ لن يحدث، وإن حدث فهو سيتجاهله متعلِّلاً بأنَّه ليس الشَّيء الَّذي يريده، مثالٌ على ذلك ما يفعله المسلَّمون الآن.. ينتظرون أن يتدخَّلَ الله ويدعونه بأن يريهم عجائب قدرته في اليهود والغرب الكافر (وليس الصَّهاينة والطُّغاة فقط)، أو يجلسون بانتظار المهدِيِّ المنتظر الَّذي يعلم الله وحده إن كانت حكايته كما تُروى حقيقةً أم أنَّ بها خيالاً وادِّعاءات.. وإن أتى هذا المهدِيُّ ونحن في تلك الحالة فسيقتله المتعصِّبونَ أو يودعونَه مستشفى الأمراض العقليَّة لأنَّه طبعًا لن يأتي بالأفكار القابعة في رؤوسهم.. وهذا هو حالنا.
والآن مع القِصَّةِ الَّتي قد يكون البعض لم يقرأها، القصَّةُ في ليلة (الدُّخلة)، و(المرتبة) جديدةٌ وعاليةٌ ومنفوشةٌ، رقد فوقها بجسده الفارع الضَّخمِ، واستراح إلى نعومتها وفخامتها، وقال لزوجته الَّتي كانت واقفةً إذ ذاك بجوار النَّافذة:
-أنظري ...هل تغيَّرَتِ الدُّنيا؟
ونظرت الزَّوجة من النَّافِذَةِ، ثم قالت:
-لا.. لم تتغيَّر..
-فلأنم يومًا إذن..
ونام أسبوعًا، وحين صحا، كان جسده قد غور قليلاً في المرتبة..
فرمق زوجته وقال:
-أنظري... هل تغيَّرتِ الدُّنيا؟
فنظرت الزَّوجةُ من النَّافِذَةِ، ثُمَّ قالت:
-لا..لم تتغيَّر..
-فلأنم أسبوعاً إذن..
ونام عاماً، وحين صحا، كانت الحفرة التي حفرها جسده في المرتبة قد عمقت
أكثر، فقال لزوجته:
-أنظري...هل تغيَّرَتِ الدُّنيا؟
فنظرت الزَّوجة من النَّافِذَةِ، ثمَّ قالت:
-لا ..لم تتغيَّر..
-فلأنم شهراً إذن..
ونام خمس سنوات، وحين صحا، كان جسده قد غور في المرتبة أكثر، وقال كالعادة
لزوجته:
-أنظري...هل تغيَّرت الدنيا؟
فنظرت الزوجة من النافذة ، ثم قالت:
-لا ..لم تتغيَّر..
-فلأنم عاماً إذن..
ونام عشرة أعوام...
كانت المرتبة قد صنعت لجسده أخدودًا عميقًا، وكان قد مات وسحبوا الملاءة فوقه فاستوى سطحها بلا أي انبعاج، وحملوه بالمرتبة الَّتي تحوَّلت إلى لحدٍ وألقوهُ من النَّافِذَةِ إلى أرض الشَّارِعِ الصَّلبَةِ..
حينذاك وبعد أن شاهدت سقوط المرتبة اللَّحد حتَّى مستقرِّهَا الأخير، نظرت الزَّوجَةُ من النَّافِذَةِ وأدارت بصرها في الفضاء وقالت:
-يا إلهي...لقد تغيَّرَت الدُّنيا..
التَّحليل:
بدءاً من العنوان ( المرتبة المقعَّرة)..لماذا اختار المؤلِّفُ هذا العنوان؟
المرتبة في القصَّةِ هي رَمزُ الخمولِ وَالكَسَلِ وَالدِّعَةِ.. حتَّى أنَّهُ بدأ وقال جديدةٌ وعالِيَةٌ وَمَنفوشَةٌ.. ممَّا يوحي بإغراءٍ للنَّومِ والاستسلام للرَّاحَةِ.. تمامًا مثل الطَّعام السَّاخنِ ذو الرَّائحة المثيرة لشهوة الأكلِ، وجاءت لفظة المقعَّرَِة لتصف حالتها في نهاية القِصَّةِ، حيث تقعَّرَت واحتوت الجسد الَّذي استسلَّم لإغرائها فأصبحت اللَّحدَ.. بِدايَةُ الحَدَثِ هو ليلة الدّخلَةِ، وهي اللَّيلَةُ المفترض فيها أن يبدأ الإنسانُ حياة نَقِيَّةً، يبدأ فيها حياةً متعاوِنَةً مع شريكةِ حياتِهِ سعيًا إلى إنشاء أسرَةٍ.. أي أنَّ تلك اللَّيلة والَّتي غالبًا ما تبدأ بالجنس أو بإزالة كلِّ الحواجز بين الطَّرَفَيِن.. بدأها بطل القِصَّةِ بالنَّومِ متأثِّرًا بإغراء المرتبة ولم يعِ بأنَّهَا (الدّخلَةُ) في ذاتها هي الحدث الَّذي ينتظره أو الَّذي يجب أن يبدأ منه.. فسأل زوجته (انظري هل تغيَّرت الدنيا؟)، وهو سؤالٌ مائِعٌ لأنَّها لن تعلم قصده من تغيِّرِ الدُّنيا، فَلِمَ يؤجِّل اللِّقاءَ بِزَوجَتِهِ؟ -مع أنَّهُ في حدِّ ذاته متعةٌ أكبَرَ من النَّومِ، كما أنَّهُ له نتائج إيجابيَّةٌ على الجميع- تمامًا مثل العمل والكفاح في سبيل الغايةِ، سواء كانت مادِيَّةً أو وَطَنِيَّةً أو دينِيَّةً. هذه متعةٌ عظيمَةٌ، وَلكِنَّ الإنسان يتركها ويخضع لمتعةٍ أدنى وهي الكسل رغم أنَّ الكسل لا هدف منه.
حال الزَّوجَةِ هنا عجيبٌ.. فهي مشتركةٌ بالجرمِ بخضوعها لتهرُّبِهِ منها.. القِصَّة فانتازيا ربَّما.. ولكن لا مانع من مناقشة سلوك الزَّوجَةِ، ليلة الدّخلَةِ والزَّوجُ يسألها السُّؤالَ فتجيب بأنَّ الدُّنيا لم تَتَغَيَّر.. ويقول فلأنم يومًا.. ثُمَّ يستيقظ بعد أسبوع! والسُّؤالُ هنا هو ( لماذا لم توقظه الزَّوجَةُ في اليوم التَّالي؟ أو في أَيِّ يومٍ مِنَ الأَيَّامِ السَّبعَةِ؟ وعندما استيقظ من نومه وسألها نفس السُّؤالِ، لماذا أجابت بنفس الإجابة وتركته ينام ثانيةً؟) سيقول البعض أنَّ أحداث القِصَّةِ نفسها غير طبيعيَّةٍ، فَلِمَ نترُكُ هذا وَنُعَلِّقُ على السُّلوكِ؟..
وكما قلت من قبل الكاتب قصد هذا السُّلوكَ العَجيبَ من الاثنين حتَّى يتيحَ لنا أن نَتَأَمَلَهُ بعيدًا عن نوم الزَّوجِ لِمُدَّةِ سِتَّةَ عَشَرَ عَامًا وَسبعَةَ أَيَّامٍ وهو أمرٌ غيرُ وَارِدٍ في الحياةِ الطَّبيعِيَّةِ، فهل كان سلوكُ الزَّوجَةِ خَوفًا مِنَ اللِّقَاءِ فآثَرَت أَن تَترُكَهُ؟ أم تَشجيعًا على الخُمولِ؟.. والكاتب تركنا حيارى هنا إذ لم يتحَدَّث وبعد فوات الأوان يكون الجسد قد انتهى إلى الموت بسبب ذلك الارتِباطِ..
عَمَّا فَعَلَتهُ الزَّوجَةُ طِوالَ تِلكَ الفَترَةِ:
لنا هنا أَن نُخَمِّنَ ما نشاء حسب اتِّجاه الرَّمزِ في عقولنا.. رُبَّما نامت هي الأخرى.. رُبَّما خانته فتركته ينام كما يحلو له.. رُبَّمَا هي من البَلَهِ حتَّى أنَّها لم تَهتَّمَ لِمَا يَحدُث... كُلُّ شيءٍ جَائِزٌ.
كان الزَّوجُ يقولُ: سأنام يومًا فينام أسبوعًا، ويقول: سأنام أسبوعًا فينام عامًا، وهكذا هو يطيل الأمد.. ما أشبه هذا بسلوك الحكوماتِ والشُّعوبِ العَرَبِيَّةِ على السَّواء.. يبدو أنَّ الزَّوج بيروقراطي.
كلَّما استيقظ الزَّوجُ يكن جسمه قد غور أكثر في المرتبة.. وَكَأَنَّها رمالٌ ناعِمَةٌ أو وحشٌ يلتهمه ببطء.. يرمز الكاتب هنا للتَّعَوُّدِ.. يبدأ الجسد والمرتبة في الارتِبَاطِ بِبَعضهما.. تَتَّخِذُ المرتبة شَكلَ الجسد ويجد الجسد مستقرًّا له.. فالتَّعَوُّدُ على الشَّيءِ خاصَّةً إن كان مثل الكسل والنَّومِ، يجعل الإنسان يعجز عن ترك تلك العادة وكأنَّهُ أدمنها.. وبمرور الزَّمَنِ يزيدُ الارتِبَاطُ فيصبح الانفِصَالُ أَشبَهَ بِالمُستَحيل..
المرتبة الَّتي يفترض أنَّها وسيلة أصبحت غايَةً، والغاية التهمته حتَّى أصبحت لحدًا، (وكان قد مات وسحبوا الملاءة فوقه فاستوى سطحها بلا أي انبعاج، وحملوه بالمرتبة الَّتي تحوَّلت إلى لحدٍ وألقوه من النَّافِذَة إلى أرضِ الشَّارعِ الصَّلبَةِ..)
سحبوا الملاءة فوقه فاستوى سطحها بلا أي انبعاج.. وكأَنَّهُ لم يكن.. نحن نعلم عمر بنُ الخَطَّابِ وَصَلاَّحُ الدِّينِ، رَضِيَ اللهُ عنهُما، ونابليون ونيوتن ومايكل أنجلو وبرنارد شو..كلُّ واحدٍ منهم له إنجازاته الَّتي أتَّمها عن طريق العمل والكدِّ.. من منَّا يعلم اسمَ كسولٍ واحِدٍ أو عاطِلٍ وَاحِد؟ كُلُّهم استوت عليهم الملاءَةُ بلا انبعاج، لأنَّ كسلهم التهَمَهُم فأصبحوا لا شيء.. وكما قال نجيب محفوظ في إحدى قصصه، أنَّ المؤمن يزلزل الأرض ويحرِّك الجبال ويقتل الموت، كما أنَّهم ألقوه من النَّافِذَةِ لتعثُّر الخروج به في الظَّاهِرِ، أو لأنَّهُ أصبح أدنى من أن يُحمَلَ بكرامته وهو في هذه الحالةِ المُزرِيَة. حينذاك وبعد أن شاهدت سقوط المرتبة اللَّحد حتَّى مستقرِّها الأخيِر، نظرت الزَّوجة من النَّافِذَةِ وأدارت بصرها في الفضاء وقالت: يا إلهي لقد تغيَّرَت الدُّنيا؛ أدارت بصرها في الفضاء.. ولم تكتفِ فقط بالنَّظَرِ إلى المرتبة وزوجها السَّابِق في الدَّاخِلِ.. وَإِنَّما نظرت حولها وكأنَّها ترى العالم لأوَّلِ مَرَّةٍ.. أو كأنَّها ترفع رأسها إلى أعلى لأوَّلِ مَرَّةٍ.. رغم كُلِّ شيءٍ أدركت هي في الِّنهايَةِ أَنَّ الحياة تَتَغَيَّرُ ليس بسببِ مَوتِ زَوجها، فهو لم يكن يومًا بِزَوجٍ.. ولكن رُبَّما تحرَّرَت من الرِّبَاطِ الَّذي قَيَّدَها طوال سِتَّةَ عشرَ عامًا.. فهو لم يحاول قطّ أن يتحرَّكَ أو أن يُغَيِّرَ أَيَّ شَيءٍ.. فليأت التَّغَيُّرُ إِذًا بعد أن رحل وأصبحت حُرَّةً...
كُلُّ ما قلته هو مُجَرَّدُ تَذَوُّقٍ لِلقِصَّةِ وَمُحَاوَلَةٌ لِسَبرِ أَغوَارِهَا.. قد أكونُ أَخطَأتُ وَقَد أَكونُ أَصَبتُ.. لكِنَّ الأكيدَ أَنَّ يوسف إدريس كانَ عَبقَرِيَّا مَظلومًا مِثلَ مُعظَمِ العَباقِرَةِ.. رَحِمَهُ اللهُ.
والسَّلامُ عليكُم




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home