قصة

 

الدخلة والقربان

أنوار سرحان



                 

                            ألدُخلة والقربان

                                                                               أنوار سرحان  

 

 

سَرت في جسدي رعدةٌ غريبة لم أعهدها من قبل .... رعدةٌ  مدغدغةٌ مثيرةٌ أوّل الأمر.  ولكنّها سرعان ما شُحِنت  بخوفٍ  وقلقٍ حادّ  اعترياني، حين انتصبت  أمامي صورة أمّي وهي تحذّرني أيام  الخطوبة وما سبقها ..:

.. " إياك أن تسمحي له بلمسك.. كوني أمامه محافظةً .. ألرجل لا يحب إلا الفتاة الرصينة . . .. إياك أن تضعفي أمامه فيتركك.. ألخطيب يختبر جسارة خطيبته أمام إغرائه.. فكوني جسورةً وقوية "..

  وعبارة  أبي المعهودة  كلما أراد تبرير منعه لي من الانفراد بخطيبي ، دقَّت بحدّة كناقوس : " إذا خلا خطيبٌ بخطيبته، فثالثهما الشيطان!!"

كم حلمتُ بمعانقته دون خوفٍ أو وجل.. وكم ليلةٍ نمتُ وخيالي يصوّرني مستلقيةً بين أحضانه..أمسّد شعر صدره، ويمسّد شعر رأسي.  وتمنيت  إشباع عاطفةٍ وشوقٍ قاتلين لأكون في حضنه .أوليس من الحب أن يتعانق المحبان؟؟... ولكن عبارات أمي التي كانت تلازمني  وحدود أبي التي تطوّقني.. حالت بيني وبين تلك الرغبة.

 ياااه يا طاهر.. ليتني لم أحرم نفسي نكهة عشقك ، ورائحة عناقك.. ليتني عشت معك ما طلب قلبي وروحي.. ليتني أتحتُ لنفسي الفرصة لأحيا حبّك.. .

 حتى حين كنت أسترق مهاتفتك وتقول لي كلمتك الساحرة  :أحبك...كانت تسري إلى كل نقطة في جسدي وروحي.. كنت أحسّ بها تجري مني مجرى الدم مؤكدةً أنها لن تدع نقطةً مني تفلت من تأثيرها وسحرها... كم تمنيت أن تقولها لي وتعيدها , مرّات ومرّات, حتّى  تؤجّج حبي ولهفتي اليك أكثر .وترافقني بنبرة صوتك الساحر تُطرب أذنيّ بأجمل نغمة.. أحبك . اللّه…أيّ سحر شحن في هذه الكلمة؟  ياااه.. كانت تذيبني وتصهر روحي وجسدي.. رغم ما كنت أبديه  من عدم اكتراثي بها ، أو حتى انزعاجي منها... ما كان أغباني!  إنزعاجي؟؟ وهل  تنزعج الأنثى من أروع كلمة يمكن أن تحرك فيها كل أنوثتها ؟؟

 أ ح ب ك.. يتقطّع حسّي في  ملاحقته  لتقطّع نبرتك..أ ح ب ك.. ليتني ملكتُ   أن أسمعها منك كل ليلة..فما أشد ما  تثير شوقي اليك.

 وحين آن الأوان لإنهاء  عذريتي ..وبات من حقي الاستمتاع بكل ما أردت.. وإطلاق كل ما كبتّ..لم أتمكن من ذلك!  فكيف لي أن أخلع الآن كل أقنعتي؟ وأتجرد أمام من عرفني أقوى وأكبر من أية غريزة ؟؟؟ كيف تطالبونني أن أقطع كل المراحل بيني وبينه في ليلةٍ واحدة… ضاربةً عرض الحائط بكل ما عشته في خطوبتي؟؟.

تبوأت مقعدي عند طرف السرير المزدوج..دون أن أخلع فستاني.. ذلك الفستان  الذي تقضي الفتاة عمرها تحلم بارتدائه.. وما أن ترتديه حتى يكون عليها أن تخلع معه  كل أثواب الحياء ..ثمّ  لتبدله بآخر لا يكاد يستر من جسدها عُشر ما يكشف..لتؤدّي واجبها ودورها في تسهيل الأمر والإنتهاء منه . … ولتصل إلى قمة ما بين رجلٍ وامرأة ..وكلّ ذلك في ليلة واحدة…بل خلال دقائق … ودون تدرج! ما اشدّ هذا الرّعب!!!

 

طأطأتُ رأسي والخجل يتجلى على وجهي الصغير.. اقترب مني بحنوّ ورقة..لكنها لم تحُل بيني وبين خوفي ..وخجلي..رفعتُ طرف عيني اليسرى بنظرة كسيرة.. أردت أن أرتمي بين أحضانه ولكني لم أستطع!. مدّ أصابعه إلى طرف خدي ورفع وجهي نحوه حتى باتت عيناي قريبة من عينيه ، فقال: "هل أنت خائفة؟"

- نعم .. قلتها بصوت يكاد لا يُسمع .. وأنا أحاول الهرب بنظرة عيني من وجهه...

-"لا تقلقي .. حبيبتي.. سيكون كل شيء على ما يرام . لا داعي للقلق! "..

ولكنّ شيئا لم يكن كذلك.. فرعشتي ترتفع فيها نسبة الخجل .. ثم الخوف.. وتبادرت إلى ذهني عبارات صديقتي منذ المدرسة :"هناك بنات لا تثبت عذريتهنّ...حتى لو لم يلمسهنّ أحد.. ربما منذ الطفولة..ربما.. ربما..من يدري؟.." ..  ربي !! .. هل يمكن ألا أبدو عذراء؟!! ماذا سيكون جزائي من أهلي؟؟ ماذا سيفعل بي أبي؟؟ ستغدو دعارات إخوتي وسقطاتهم كلها طهرا أمام جريمتي.. أخي الكبير نزار سيجعل من خيانته لزوجته كل ليلةٍ في أحضان العاهرة الروسية "مينا"، حجا مبرورا أمام فعلتي..  والنصاب   ماهر أخي الأصغر رغم  إدمانه  للكحول وخروجه ثملا كل ليلة من خمارة "سهارى".. سيبدو طاهرا ونقيا أمام شناعة جريمتي. .. سيتسابق الجميع إلى تخليص عارهم مني....سأغدو ساقطة الجميع.. وستجد جارتنا الحقودة أم خليل موضوعا تسلّي به جلسات ديوانها المملّ مع نسوة الحارة الفارغات ، باختلاق قصصٍ وحكاياتٍ لتبرير ما حدث..

 أما الدنيء جمال الذي رفضت الارتباط به فسيؤكد أنه هو من رفضني لعدم وثوقه بسلوكي وأخلاقي.. ربي..ماذا أفعل؟؟ خوفي يزداد.. وقلقي يتوغّلني!!

اقترب مني طاهر برقّة بالغة : أتريدين مساعدتك في شيء؟؟

 وماذا عساي أريد؟؟ فقط اتركني وشأني. واترك لأفكاري العابثة العائثة في فكري أن تهدأ وتستقر!!.

وبعد محاولاتٍ ومحاولات ..ما بين مداعباتٍ وملاطفات أو محاولة لبعض إثارات ..أيقن طاهر أني لا أفيده الليلة في شيء.. جلس إلى جانبي وأمسك براحتي بين راحتيه ثم قال بصوت يملأ الدنيا حنانا : ما الذي يريحك حبيبتي ؟؟.. نظرتُ إليه والضعف يكسوني .. صمتُّ قليلا .. حاولتُ تعديل جلستي بعض الشيء.. ورقرقَت في عينيّ دمعة ٌ..ثمّ  أجبته بصوت مختنق مترجرج  : دعنا نؤجل ذلك من فضلك ..

ابتسم قائلا بهدوء لم ينجح في إخفاء بعضٍ من الخيبة :" إن كان ذلك يريحك فليكن.. أمامنا العمر كله حبيبتي. لا بأس!"

وبدا توقّعه أن أبادله ابتسامته تلك .. إلا أنني غمرتُ وجهي بيديّ وانفجرتُ باكيةً  بشدة ..

فسأل باستهجان: أليس هذا ما تريدين؟؟ ماذا تبقّى؟؟

-" وماذا أقول لأهلي؟؟" سألته محاولةً التخلص من حشرجةٍ علقت في أوتار صوتي.."سيسألون عن دليل عذريتي"!

نظر إليّ حتى برقت عيناه..  تنهّد تنهيدة طويلة كأنه أراد لها أن تمنحه نفسا عميقا يكفيه لاستيعابي . مدّ يديه إلى ذراعيّ وأمسكهما مسكةً حاول أن يحقنها بلطفٍ بالغ.. ثم قال بهدوء : لا عليك.. سيكون ما يرضيك.".

غادرني بضع لحظات إلى المطبخ ثم عاد يحمل سكينا! اقترب من ثوبٍ أبيض شفاف وُضع على السرير، خلع حذاءه ومدّ سكينه إلى قدمه  فجرحها عند طرف الكعب  وراح يرشّ على الثوب بضع قطرات من دمه النازف.

 التفت إلي.. رمقني بنظرةٍ لم تخلُ من الخيبة والعتاب .. وقال: "هذا لأهلك.. للجميع..ألمهم أنت وأنا!!"

مرّت الآن سنواتٌ على تلك اللّيلة…أنا سعيدةٌ جدّا مع زوجي...إنّه أروع بكثير ممّا كنت أتصوّر.

حقيقة أنا سعيدة…سعيدة…سعيدة.

كلّ ما في الأمر…أنّني منذ تلك اللّيلة صرت أحلم كثيرا بأرجل مشعّرة تنزف…وتنزف كامل الليل…ثمّ ما يزعجني حقيقة حقيقة …أنّ كلّ أولادي يولدون بعلامة حمراء غريبة تبدو كالجرح الغائر عند طرف الكعب بالذات …في نفس ذلك الموضع الذي كان قربان دم  ليلة دخلتي …هذا فضلا على أنّ أقدامهم جميعا مفلطحة بشكل غريب …




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home