قصة

 

احتلال لمدة 45ثانية

محمد المسلمى



سـراب

 

أقبلت نحوي فلم أشعر إلا بروحها المنتشرة في كل مكان قد تركزت في الحيز الذي تتحرك فيه لتضفي عليه مزاجاً من الجمال والقوة معاً .. اقتربت فخلتُ روحها تحيطني وتحاصرني .. كذلك احتلتني .. شعرت بروحها تعبث في الفضاء وتقترب مني .. لامست وجهي فطبعت على أساريره معانٍ شبهى بمعاني الانتشاء .. فأنا الآن أشعر – وهي تحاصرني – وكأنني أحرزت نصراً مستحيلاً بعد عراك محتدم .

اقتربت المسافة بينما أنا جالس على أحد تلك المقاعد الرخامية الصلدة المصمتة والكائنة أمام مبنى المدرجات العملاق أتصنع القراءة في رواية أفراح القبة لنجيب محفوظ .. لم أحس باقتراب المسافة إلا من الجو الذي غدا يعبق برائحة السعادة والطمأنينة معاً ويفوح بنكهتها الصارخة الزاعقة في كل حدب وصوب .. أحسست – وأنا أتحاشى النظر إليها – كأنني أحاول – عن اقتناع – تحريك جبل راسخ .. لم أجد بداً من استراق نظرة إليها .. فعلت .. فلم أصب من ملامحها إلا الدقة التي تشعرك بالتناسق ، وعدم التناسق في آن .. شعرت – إثر ذلك – بالخجل الشديد إذ أحسست أنني قد اختلست شيئاً لا أملكه .

أدركت عينيها الماضيتين القويتين تتجهان نحوي .. لم أدر بالتحديد اتجهت نحو عيني أم نحو الرواية العالقة في يدي .. ثمة إحساس فجائي سيطر علىّ ليخطرني أنها مقدمة علىّ .. استسلم قلبي – بعفوية – لهذا الإحساس المنعش العابر .. فرحت فرحاً تذكرت أنني لم أفرح مثله قط .. تأملت حولي بدافع لم أتبينه بعد .. أحسست لأول مرة - منذ قدومي للجامعة – بتأثير ذلك المكان العتيق في نفسي .

وسط هذا الغرق والانسياب الوجداني البرئ الذي لم يسبقه أية ترتيبات جاء دور مؤامرة العقل .. ماذا أقول لها عندما تأتي وتحدثني ؟ طفقت أفكر سريعاً .. تقترب المسافة ، ويقل التركيز بل يغيب العقل .. أخيراً توصلت إلى أنني لا أملك ما أقوله لها ..       
شعرت بحاجتي للمساعدة .. صعوبة الموقف وعدم القدرة على التفكير أنتجا – في غموض – إحساساً بالتفاؤل طمأنني بأن المساعدة آتية لتنقذني .. انسجمت هذه المشاعر المتفائلة الوليدة مع تلك المشاعر الحالمة التليدة فاجتاحني شعور لا أستطيع وصفه ، لأنه لقصره وغموضه لم أتعرف عليه .

أتت المساعدة على نحو لم أكن أتخيله أو أتمناه .. اقتربت المسافة بيننا .. أدركتها تساعدني بأن مضت في وجهها – غير عابئة بي – إلى ما خلفي .. امتصت معها ما كانت قد طبعته روحها على وجهي من نشوة وعلى قلبي من طرب .. انتهى ذلك الاحتلال الذي رسفت فيه باستمتاع .. انتهى الشعور بالنصر الذي أحرزته بعد معركة دامية لم تلمس قدمي أرضها .. قفلت الرواية ثم جعلت أتأمل غلافها المثير .. الآن عرفت ما إذا كانت نظرت إلىّ أم إلى نجيب محفوظ !
 
 
ملحوظة رفيعة :-

هذه الأحداث من خيال كاتبها ، ولا تمتد بصلة لذاته لأنه ببساطة لا يجلس أمام مبنى المدرجات .

 

 

 

       محمد المسلمي

كلية الطب 

 فرقـة أولـى

E-mail :  spider_mhhe@yahoo.com

 

 




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home