القلم النقدي

 

في حقيقة التوأمة بين الديمقراطية والشورى

زهير الخويلدي



في حقيقة التوأمة بين الديمقراطية والشورى

                                                                                          زهير الخويلدي

 

" المشاورة أصل في الدين وسنة الله في العاملين وهي حق على عامة الخليقة " ابن العربي

 

الديمقراطية غير موجودة في حضارة اقرأ،هذا من تحصيل حاصل،وكل ماهو موجود هو مجرد محاولات متعثرة من أجل بناء العمارة الديمقراطية هنا وهناك وولادات قيصرية اضطرارية لبعض التجارب  التي تزعم تطبيق الديمقراطية مثلا في إيران وفي موريتانيا وفي المغرب وفي ماليزيا،لكن الديمقراطية كعقلية وثقافة ومؤسسات وضرب من الوجود في العالم لا وجود لها على الإطلاق لا في الأنظمة السياسية ولا في المعارضات الكرتونية ولا في مؤسسات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية،فكل ماهو موجود هو ثقافة التسلط وحب الهيمنة على الغير وسيطرة الأقلية على الأغلبية واحتكار القرار في يد فئة قليلة من الملأ الأعلى بل إننا نلاحظ هذا الغياب حتى في الإيديولوجيات السياسية المتنافسة،إذ أن المشروع النيوليبرالي يصدر ديكتاتورية السوق أما المشروع القومي فيعطى للطليعة أو الصفوة مشروعية القيادة والتحكم في  شؤون المجتمع ومصير الأمة في حين أن المشروع الماركسي ينظر لديكتاتورية البروليتاريا ويغيب حقوق الفرد داخل حقوق الجماعة بينما يشرع المشروع الإسلامي في نسخته السلفية لإلزامية طاعة أولي الأمر من فقهاء أهل الحل والعقد وينتصر إلى مبدأ الشورى ويعتبرها بديلا عن الديمقراطية، فما المقصود بالشورى؟ هل يجوز أن نعتبرها الديمقراطية الإسلامية المنشودة؟ ألم تمثل الشورى كمنهج في السياسة عقبة حالت دون تبني الخيار الديمقراطي؟ ماذا قدمت الشورى للحضارة العربية من مزايا؟ وماهي مساوئها؟هل هي قاعدة فقهية أم فكرة أخلاقية؟هل تصلح كمنهج لتسيير شؤون الحكم؟ أليست الديمقراطية مشترك حضاري إنساني وباراديغم مستقبلي ينبغي أن نسعى جميعنا إلى زرعه ورعايته وصيانته من كل اعتداء محلي أو عالمي؟ ما العيب في أن تكون الديمقراطية فكرة إغريقية أو غربية ؟ ألم نترجم عنهم العلوم والفلسفات والأساطير والأشعار؟ فلماذا لا نترجم نظم الحكم والدساتير والقيم والمبادئ التوجيهية للفعل؟ ألم يكن دستور قرطاج باعتراف أرسطو نفسه يحتوي على مبادئ ديمقراطية وكان هناك مجلس شيوخ وبرلمان؟ ثم ألم توجد فكرة الديمقراطية نفسها في شرائع حمورابي والألواح السومرية والحكمة الطاوية والبوذية والكونفوسيوشية؟ كيف وقع تغيب جهود شيوخ المعتزلة في تأصيل ثقافة الاختيار والعقل والمصلحة في الحياة السياسية ولا ننظر إليها كأولى المحاولات الجادة لزرع سياسة العدل والإنصاف؟

ماهو في محك النظر وميزان العمل هو الكف عن وضع الشورى كمقابل للديمقراطية والشروع الجدي في إطلاق النفس من الأسس إذا كنا نريد أن نقيم في السياسة الاستخلافية شيئا وطيدا مستقرا.

1-    في قيمة مبدأ الشورى:

-         من جهة النص:

ورد لفظ الشورى في آيتين من سورتين مختلفتين وهما سورة آل عمران الآية 158 أين قال الله عز وجل مخاطبا نبيه محمد صلعم:"فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين". السورة الثانية تحمل اسم الشورى الآية 37 أين قال تعالى عن المؤمنين:"والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون".

ونجد أحاديث للرسول محمد عليه الصلاة والسلام يؤكد فيها هذا الأمر عندما يقول:" ما شقي امرُؤ عن مشورة ولا سعد باستبداد برأي".ويقول أيضا:"ما ندم من استشار ولا خاب من استخار". وعن على ابن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال:" من استبد برأيه هلك ومن شاور الرجال شاركها في عقولها".

-         من جهة التأويل:

قد فسر المفسرون آية سورة الشورى بأنها نزلت في الأنصار حين دعاهم الرسول صلعم إلى الإيمان فاستجابوا للأمر وقد أجابوا في نفس الوقت ربهم إلى ما دعاهم إليه من التوحيد والعبادة وأقاموا الصلاة وأداموها واحتكموا إلى الشورى في كل أمر يبدو لهم ولا يعجلون وأجمعوا على ذلك.

أما تفسير الآية الثانية فقد وردت في شأن الحرب التي ينبغي أن يشنها النبي ولكن قبل ذلك لابد أن يتكلم مع صحابته ويستظهر برأيهم ويستخرج أفكارهم ويطيب نفوسهم وحين يستقر على أمر بعد المشاورة وليعزم ويمضي فيما اتفق عليه معهم وليتوكل على الله.

ما نلاحظه من هاته النصوص أن الشورى تحتل المركز الأول في الحياة الاجتماعية وهي القاعدة التوجيهية الأولى التي ينبغي أن يحتكم الجميع إليها في تسيير شؤون أمورهم الدنيوية والدينية.لكن  هذه النصوص لا تتضمن بشكل قطعي أمرا إلى الحاكم بوجوب الاستماع إلى الشورى والتقيد بنتيجة مداولاتها كما لم يقع تحديد: من هم أهل الشورى؟ والى من يتجه طلب المشورة؟ وهل أن الحاكم ملزم بطلب المشورة؟

-         من جهة الواقع:

دار الندوة ودار ابن أبي الأرقم وشجرة الرضوان وسقيفة بني ساعدة والمسجد النبوي في المدينة ودار أنس ابن مالك كلها أمكنة عامة مارس فيها الصحابة مبدأ الشورى بحضور النبي أو بعد غيابه وتمخضت عنها معظم القرارات الحاسمة وكتبت فيها الصحيفة التي تمثل ميثاق ودستور سياسي بالنسبة للمسلمين والتي أثرت على تكون الأمة ومستقبل الجماعة وبناء الدولة التي ستحمل لواء الإسلام إلى العالم بأسره. غير أن المسلمين انقلبوا على مبدأ الشورى والبيعة العامة ومارسوا شورى الأعيان والبيعة الخاصة ورأوا أن نصب الإمام واجب شرعا وفرض كفاية ويكون بالعهد والنص والوصية ويشترط النسب القرشي وليس واجب عقلا وفرض عين ويكون بالمشورة العامة والاختيار والإجماع ويشترط فقط الانتماء إلى أمة الإسلام  والولاء لحضارته فقط. وهكذا انقلبوا على الحق الإنساني ونظروا إلى الخليفة كممثل للحق الهي في الأرض عندما نظر عثمان إلى الملك على أنه قميص ألبسه الله إياه ولا يجوز لأحد أن يخلعه عنه دون الله وعندما افتك معاوية ابن أبي سفيان الإمامة عنوة وبحد السيف وصرف شؤونها بنفسه حسب أهوائه دون مشورة وورثها بعده فجعلها ملك عضود بعد أن كانت خلافة راشدة وحكما صالحا. ويذكر لنا التاريخ أن أئمة الفقه الكبار تعرضوا إلى المضايقات والحبس والتعذيب من طرف الحكام والولاة ورفضت مقترحاتهم وآرائهم التي تنتصر إلى حقوق الناس ومقاصد الشرع،فأبو حنيفة النعمان تداول على ضربه وقمعه مروان ابن محمد آخر خليفة أموي وأبو جعفر المنصور ومالك ابن أنس اضطهده والي المدينة في زمن أبي جعفر المنصور ومحنة أحمد ابن حنبل حصلت مع المأمون والمعتصم. وبالتالي فقد غابت الشورى من التجربة التاريخية للأمة وحل محلها الانفراد بالرأي والاستبداد والطغيان والتعسف.

2-    في الموائمة بين الشورى والديمقراطية:

يقول الرسول صلعم:" من بايع أميرا عن غير مشورة المسلمين فلا بيعة له ولا الذي بايعه"

ماهو في غاية الوضوح والبداهة وما لا يحتاج أمره إلى حجة وبيان أن الإسلام يحتوي على عناصر ومبادئ لا فقط تتفق وتتماشى مع الديمقراطية بل تستوعبها وتقومها وتسددها، ألم يتحدث العقاد عن الديمقراطية في الإسلام ونحت محمد إقبال مفهوم الديمقراطية الروحية وأكد خير الدين في أقوم المسالك أن من أهم أصول الديمقراطية وجوب المشورة التي أمر بها الله عباده وربط حسن حنفي بين الإسلام والبديل الديمقراطي وكانت العلاقة في كل ذلك بين الإسلام والديمقراطية ليست علاقة تنافر وتضاد بل علاقة استيعاب وتجاوز بحيث يستوعب الإسلام المبادئ الديمقراطية ويهضمها من أجل أن يحفظها ويصونها ويتجاوزها نحو نظام الحكم الصالح والسياسة الاستخلافية الراشدة والتي تمثل الديمقراطية نواتها الأصلية وجوهرها النفيس. فكيف يستوعب الإسلام الديمقراطية في ظل وجود مبدأ الشورى؟ وهل سيتخلى عن الشورى في ظل تبنيه الخيار الديمقراطي؟ 

صحيح أن نظرية المعتزلة في السياسة هي الوسيط الضروري بين الإسلام والديمقراطية لاحتكام شيوخ الاعتزال وأئمة التوحيد والعدل إلى العقل والمصلحة وتأسيسهم السياسة على العدالة والإنصاف والصداقة ولاعتقادهم أن نصب الإمام واجب عقلا ويتم بالبيعة العامة والاختيار ويسقط عنه الشرط القرشي ولكن هذا الوسيط ليس المسلك الوحيد بل هناك جسور أخرى تربط بين الإسلام والديمقراطية ولعل مبدأ الشورى يمكن أن يكون من الوسائل المؤدية إلى نشوء الديمقراطية خاصة إذا وقع التخلي عنها كمنهج في الحكم والسلطة والقوة ونظرنا إليها كمقولة أخلاقية تدخل في منطق النصح والإرشاد والوعظ ألم يقل الرسول:"إن الدين هو النصيحة" والشورى هي شرط إمكان النصيحة للحكام.

اللافت للنظر أن السياسة في الإسلام متروكة للمسلمين وتدرج ضمن الدائرة التي قال عنها الرسول محمد:" أنتم أدرى بشؤون دنياكم" وأن الصحيفة التي تركها لنا هي وثيقة سياسية بالغة الأهمية تضمنت حكمة الرسول السياسية البالغة بوصفه إنسان مخير يتعامل مع واقع متقبل وسياق تاريخي متغير وليس بوصفه نبي يوحى إليه وترعاه العناية الإلهية وبالتالي فإن الصحيفة تحتوى على منجم من الآراء والمبادئ وعالجت قضايا واحراجات سياسية كبيرة وأعطت منزلة متميزة لمبدأ الشورى ويمكن أن تكون لبنة أولى نحو ديمقراطية إسلامية.

 من هذا المنطلق نجد في الصحيفة ما يلي :

-         احترام الحق الإلهي لا يتم إلا إذا وقع احترام الحق الإنساني.

جاء في الصحيفة ما يلي:"هذا كتاب من محمد النبي رسول الله،بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن تبعهم ولحق بهم وجاهد معهم...إنهم أمة واحدة من دون الناس".

-         الدولة في الإسلام مدنية ذات أساس تعاقدي وليست دولة دينية ذات أساس غيبي.

"وأن اليهود بني عوف أمة مع المؤمنين،لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم وأثم فانه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته"

-         الحكم والمال والعلم للأمة وليس من حق أي كان أن يستأثر بها لنفسه بل ينبغي أن تسود قيم العدل والإخاء والإيثار في المجتمع . وقد قال صلعم:"المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم"

"وأن المؤمنين المتقين أيديهم على كل من بغى منهم أو ابتغى دسيعة ظلم أو إثما أو عدوانا أو فسادا بين المؤمنين وأن أيديهم عليه جميعا ولو كان ولد أحدهم"

-         الناس سواسية أمام الشرع كأسنان المشط لا فرق بين غني أو فقير أو بين عربي وأعجمي.

"وأنه لا يحل لمؤمن أقر بما في الصحيفة" وعن الرسول أنه قال:"من آذى ذميا فليس منا".

-         المواطنة لا يحددها الإيمان والتقوى بل العمل الصالح والولاء للوطن والأمة والحضارة.

"وأنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فان مرده الله والى محمد".

-         الاعتراف للأمة بسلطة المراقبة والمحاسبة للحكام إن أخطئوا أو استبدوا برأي.

"وأن ذمة الله واحدة يجير عليها أدناهم ... وأنه ما كان بين أهل الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله والى محمد رسول الله". و"أن من اعتبط مؤمنا عن بينة فانه قود به إلا أن يرضى ولي المقتول" وقد ذكر الغزالي:"الخلفاء وملوك الإسلام يحبون الرد عليهم ولو كان على المنابر"

-         تقر الصحيفة مبدأ الحرية والشورى والملكية والأمن والتعددية ونصر المظلوم كأصول عامة.

"وأنه من خرج آمنا ومن قعد آمن إلا من ظلم وأثم" و"أن بينهم النصح والنصيحة" و"أنه من تبعنا من يهود فان له النصر والأسوة" و"أن ذمة الله واحدة".

-         نجد في الصحيفة حقوق اقتصادية مثل الدية أو المعاقلة وفداء العاني وطلب النفع العام.

"المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم وهم يفدون عاتيهم بالمعروف والقسط بين الناس".

يرى عباس محمود العقاد أن:" شريعة الإسلام كانت أسبق الشرائع إلى تقرير الديمقراطية الإنسانية " ويقر أن الديمقراطية الإسلامية تقوم على أربع أسس:

1-     المسؤولية الفردية تصديقا لقول النبي :"كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته".

2-     عموم الحقوق وتساويها بين الناس إذ يقول خير الدين في "أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك" حول الديمقراطية الإسلامية ما يلي:"من أصولها المحفوظة إخراج العبد عن داعية هواه وحماية حقوق العباد سواء كانوا من أهل الإسلام أو من غيره واعتبار المصالح المناسبة للوقت والحال وتقديم درء المفاسد على جلب المصالح وارتكاب أخف الضررين اللازم أحدهما".

3-     وجوب الشورى على ولاة الأمور تصديقا لقول علي ابن طالب:"لا صواب مع ترك المشاورة".

4-     التضامن بين الرعية على اختلاف الطوائف والطبقات،يقول العقاد في هذا الأمر:"إن التعاون بالآراء خاصة من خواص الديمقراطية الإسلامية لأنها أصل من أصولها الاجتماعية التي لا تأتي عرضا ولا تنحصر في شؤون السياسة دون غيرها".

 

نتبين من كل ذلك أنه لا تعارض بين الإسلام ونظم الحكم المدنية فهو نموذج للسياسة الاستخلافية و منبع الحكم الراشد والشورى كفكرة سياسية جسدت في الماضي عقبة أمام انبثاق النظرية الديمقراطية وبررت الطغيان وافتكاك الحكم عنوة ولكنها اليوم كفكرة أخلاقية تصلح لكي تكون قاعدة نظرية هامة للانطلاق نحو بناء بديل ديمقراطي حضاري شامل يخاطب الإنسان أين ما كان من أجل الخروج من حالة القصور التي هو متسبب فيها ويستقبل أنوار الحرية والعدالة والمساواة بشرط أن تكون فكرته مطابقة لخصوصية واقعه وأن يطلب التقسيم العادل للثروة والسلطة والمعرفة وأن تكون الحكومة بيد هيئة وقع انتخابها وفق مبدأ الإجماع والإرادة العامة وليس وفق مبدأ التفويض وولاية العهد والكتابة بالنص من طرف أهل الحل والعقد. لكن كيف يكون الإسلام الديمقراطي رسالة للعالمين؟ وهل يستطيع أن يكون الدين الحق ويترك حرية المعتقد والعبادة للآخرين ويتسامح معهم دون أن يعتبرهم أهل ذمة بل مواطنين لهم كامل الحقوق طالما يؤدون كامل واجباتهم تجاه أوطانهم؟

تلك هي المعضلة السياسية الكبرى التي ينبغي أن تعمل كل العقول الحرة على تفهمها من أجل تدبر سكن أصيل في المعمورة . 

* كاتب فلسفي

 




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home