مقال

 

لا لسلاطين العهد العثمانى البائد.

م. زياد صيدم



كانت مخاوفنا منذ أن رصدنا تحركات تخريبية تحت جنح الظلام ، داخل المجتمع بحوادث متفرقة اجتمعت بتوقيت موحد لتسطر بصماتها الواضحة لكل راصد ومراقب، فمنذ بداياتها كانت الصفة العامة لها، دالة عليها كمؤشرات دامغة على فكر ينحدر من القرون الوسطى أو العصور الجاهلية (كما جاءت بوصف الناطق الرسمى لحركة فتح في الضفة د. جمال نزال ) فليس التشبيه مبالغا فيه فتجاربنا في قطاع غزة في الشهور الأخيرة أدت إلى تعزيز هذا الوصف الدقيق لها حقا، فطوبى لمن يقف سدا منيعا في وجه تغلغلها في القلوب الضعيفة لاسيما وسياسة الإفقار والتجويع تقود إلى تفاقمها واتساع انتشارها كهروب بالنفس إلى عالم الأمنيات والتمنى دون أى مبادرة لفعل أو حراك أو سعى حقيقى وعملى للتغيير والإصلاح، والاكتفاء بالدعاء فقط لا غير أو باستجداء السماء ذهبا وفضة !! مخالفين بذلك جوهر الأديان السماوية وقدوة الرسل جميعا، وعلى رأسهم سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام والخلفاء الراشدين والسلف الصالح. لقد حذرنا سابقا ككتاب وآراء حرة منذ شهور طويلة، وتحت أسماء متعددة لمقالات تمحورت كلها بتساؤلات: وماذا بعد.. وماذا لو .. وأين يتجهوا بنا....وكيف... ولماذا...الخ. عندها لم نكن نخمن أو نضرب بالرمل أو نقرأ السماء كالعرافين والمنجمين، فقد جاء ذلك نتيجة لرصد معمق ونظرة بعيدة المدى ونتيجة لبعض الأفعال التي اندلعت بداية بحرق وتفجير لمحلات بيع لمستلزمات الكمبيوتر ومراكز ثقافية ومكتبات، وامتدت لاحقا لتشمل أماكن صالات الانترنت، وتحريم الأنشطة والمخيمات الصيفية بالتهديد وإطلاق الرصاص وسقوط القتلى والجرحى كما حدث في منطقة رفح قبل يومين، حدث هذا بتسارع شديد و بوتيرة غير متوقعة وذلك بانتقال تلك الجماعات (السلفية المشوهة نقول مشوهة لأننا نقر ونعترف بالسلف الصالح ) من نهج الدعوى والتنذير التي كانوا يتغلفون بها ومتسترين داخلها إلى نهج الترهيب وإطلاق الرصاص والإكراه وممارسة العنف الدموى لتمرير أفكارهم العائدة إلى العصور الحجرية وهنا لست مبالغا القول فقد أذهب أبعد من وصفهم السابق من قبل الآخرين ولى مؤشراتى ودلالاتى على هذا، بأنهم على سبيل المثال لا الحصر يحبذون التنقل مشيا على الأقدام أو استخدام الدواب والحيوانات أسوة بالأزمنة الغابرة فيمقتون العربات ووسائل النقل ، يلبسون جلاليب غير مكتملة الطول مقتدين بثوب عمر القصير عندما شقه بينه وبين ابنه، يلبسون النعال التي هى أشبه بتلك التي كانت قبل عصور النهضة والتقدم الصناعى، يمنعون التعليم للبنات في المراحل الابتدائية بمعنى التجهيل الكامل هدفا، لا يعترفون بالعمل للنساء في المجتمع ،وشعاراتهم التي بدأت تظهر على الجدران تبين توجههم سياسيا فهي تركز على مفهوم الخلافة وعودتها للمجتمع قريبا وسرد من شواهد ودلالات على ما ينذرون له طبعا حسب تفسيراتهم ووجهة نظرهم لآيات قرآنية أو أحاديث مروية تكون في الغالب غير مسنده (ضعيفة)، يطوعونها من منظورهم الخاص ولو كانت تحمل معانٍ ومدلولات أخرى مختلفة تماما أو تحمل أكثر من معنى فيختارون منها ما يناسبهم ويتركون ما من شأنها التخفيف عن الإنسان كمخلوق بشرى متميز فالآيات تصلح لكل زمان ومكان ولم تتحجر في زمن ما...بدليل استمرار نزولها على الرسول الكريم لسنوات متوالية. فإلى مجتمعاتنا العربية جمعاء ومجتمعنا الفلسطيني على وجه الخصوص نتوجه بالسؤال هل وصلنا إلى أهدافنا كلها في التحرير والتقدم الصناعى والانتاجى والزراعى والبناء وارتفاع الدخل السنوى والحد من البطالة المتفاقمة وفتح أسواق العمل الجديدة واتساع رقعة الاستثمارات الإقليمية والدولية حتى نشعر بفراغ حد الترف !! فبدئنا نتخبط كالسكارى نبحث عن التغيير كإحدى الموضات العصرية المستوردة وكتغيير روتينى لما نعيشه من بذخ العيش والرفاهية الاجتماعية والاستقرار السياسى في مناطقنا وأغلب دولنا وإن وجدت بعض من مجتمعاتنا في حكم الاستثناء ؟؟ حتى نتجه إلى تلك التقاليد والبدع ذات الصبغات الظلامية حالكة السواد، التي لا تؤمن بالمدارس والجامعات وكلياتها المتعددة وعلومها وإنما بتعليم الأمور الدينية كسرد فقط !! بلا تطبيق عملى لها.؟! فتفقد مضمونها وهنا الخطورة الكبرى وفواجع الأمور فكيف لهذا أن يحدث؟ ومن حض على هذا !! فلا رسولنا الكريم ولا كتابنا المقدس ولا نجد أحكام سماوية شرعت هذا ...وإنما العكس صحيح تماما فقد حثت على العلم والتعليم والفكر والتفكر واكتشافات الكون والاختراعات بإبداع سلطان العلم لا سلاطين العهد العثمانى البائد بكل التخلف الذي عانينا منه منذ 500 عام وما زلنا نعانى منه حتى اليوم وغدا إلى ما شاء الله إن لم نستفيق من أوهامنا وخيلائنا. وللحقيقة فقد اختالت عليهم المفاهيم وتحوصلت مرادفات الكلمات العربية ومعانيها المتسعة فوقعوا بل وسقطوا في غيهم عن سابق كيد وتربص . هذا الخلط والتحوصل لم يأتى هكذا فجأة، وإنما هي بداية انشقاقات في صفوف تيارات سياسية إسلامية قائمة اتجهت بمنحنيات من الفهم والتعقل وبرؤية متفتحة للمخاطر المحدقة بالأمة من أجل المنافع العامة والخاصة لها !! فلم يرق ذلك الأمر لفئات تنحدر من صلبها، فبدأت في إتباع النهج المضاد والمعاكس، بمعنى التطرف بمخالفة ما هو بداية منطقية في التغيرات والاعتبارات السياسية والفكرية السائدة، على الرغم بأن العقيدة ما تزال راسخة قوية للجميع وكتاب الله في القلوب محفوظ والمساجد والكنائس عامرة بالمؤمنين ومع هذا انطلق نهجهم الظلامى و الجاهلى بتطبيقاته التي يراد منها العودة إلى عصور الحجر والفخار، والسير على الأقدام والبرقع كسوة للنساء ؟؟ فشتان بين من يأخذ الدين الحنيف وقول الرسول الكريم فيطبقونه على الحياة المدنية في كل زمان ومكان عملا لا قولا فيكسبون الحياة الدنيا والآخرة على السواء وبين من غرقوا في ظلامهم وتطرفهم الأعمى نكاية في أنفسهم وعقابا لها على فشلهم في الحياة، وأمراضهم النفسية المتفاقمة والمتراكمة، وبالتالى نكاية بمجتمعاتهم التي يريدونها على مقاسهم من التخلف والتقوقع والانزواء تمهيدا للفناء والاندثار والذوبان في غياهب الزمن العتيق...... فيا الله اجعلنا من القوم اللذين يأخذون بتعاليمك وسنة نبيك الأمين ليعم الأمن والسلام والتقدم والسؤدد والازدهار وتقديس العمل وحق العلم النافع للبشر دون تمييز في الجنس فهو عبادة ، والتطلع إلى الإشعاع الحضارى بالعلوم الإنسانية بما وهبتا من نعمة العقل التي تميزنا عن باقى المخلوقات الحية، لنتمتع بتلك النعم التي لا تحصى بل ونتحدث ونحدث بها لنزداد شكورا وتقربا إليك أنت الواهب ،المانح ،الكريم ،الهادى، حتى يعم الصلاح والفلاح مجتمعاتنا وعلى العالم أجمعين. ولنقف جميعا سدا منيعا ولتتكاثف كل الجهود من المخلصين والأقلام الحرة الشريفة في وجه هذا الزحف الهولاكى المدمر للمجتمعات الحضارية صاحبة المعتقدات الدينية والرسالات السماوية والثقافات، وقيم الخير والحق والفضيلة والتى هي ترجمة عملية لتلك الرسالات للبشرية جمعاء فإما أن نكون سدا لظلامهم فنفوز بالدنيا والآخرة ، وإما أن نكون معبرا لأزمنة غابرة مخالفين صميم العقيدة فنخسر الاثنتين معا ...، فأيهما تختار عزيزى القارىء ؟. إلى اللقاء




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home