دراسات هامة

 

التحليـــل النفســـي والوجدانـــي لديـــوان

د/ أميمة منير جادو



التحليـــل النفســـي والوجدانـــي لديـــوان

"إما حب أو لا حب" للدكتور عبد العزيز شرف(*)

د/ أميمة منير جادو

لن يستطيع اثنان الاختلاف على أن د. عبد العزيز شرف هو شاعر التعادلية كما لقبه بذلك أستاذنا الكبير توفيق الحكيم. وليس أبلغ من قوله في هذا عن شاعرنا أنه تعادلي أي  : يدرك أن نهر الحياة لا نعرف فيه المنبع أو المصب.

        وبعيدًا عن بساطته في التعبير ورقة الألفاظ وجمال المعنى فإن الشعر الخالد هو ما يتصل بوجدان الشاعر نفسه.. بطبيعة ذاته ومزاجه الخاص ورؤيته وإحساسه الداخلي الذي ينقله بدوره للآخرين دونما غموض أو تعتيم أو إغراق في الرمزية كما هو عند بعض مدعيي الشعر.

        ولكن د. عبد العزيز شرف ليس من أدعياء الشعر فهو شاعر له وزنه وله ثقله على الساحة الأدبية. وهو إنسان يخفق قلبه بأرق وأحلى وأعذب ما تنبض به مشاعر إنسان من الحب والرحمة والرقة والسلام.. ومن يتعامل معه عن قرب يدرك ذلك للوهلة الأولى، وليس هذا من قبيل المجاملة.. ويحضرني عن د. عبد العزيز شرف مقولة للناقد الأدبي المصري المغترب علي عبد الفتاح حين يعرف الشاعر بأنه كائن رقيق شفاف كأنه ملاك جميل يسبح في غلالة طاهرة تحيط بهذا الكون ولا ينتمي لفصيلة الآدميين المشدود دائمًا للجاذبية الأرضية.. لست أدري عندما استعرضت شعر ديوان " إما حب أو لا حب، قفزت لذهني على الفور مقولة الناقد علي عبد الفتاح عن الشعراء فوجدت خير من يمثلهم وتنطبق عليه د. عبد العزيز شرف وحتى لا يظن القارئ أني أسرف في الإطراء أو المديح فلننظر بداية إلى عنوان الديوان: (إما حب أو لا حب).. فهل هذه الجملة لا تستوقفنا عندها؟

        إنها رغم بساطتها جدًا فهي معبرة عن دخيلة النفس البشرية ووجدان الشاعر المرهف.. فحقًا كلنا يعرف أنه إما حب أو لا حب.. حتى على مستوى الأطفال ورجال الشارع والعامة قبل الخاصة.. إما حب أو لا حب..

        وكأنه يقول: إما الأبيض أو الأسود.. وكأنه يقول من يعرف الحب لا يعرف الكره.. ومن يعرف الكره لا يعرف الحب.. فالحب مبدأ عام وقيمة جمالية مطلقة.. والله هو الحب والمحبة.. وحين نتحدث عن الحب إنما نتحدث عن الحب بشكل عام وليس مقصورًا على العلاقة بين الرجل والمرأة..الحب كشعور عام موجود في النفس البشرية.. فالأصل في النفس هو الحب.. فمن المعروف في فلسفة القيم أن الأصل منها هو القيم الإيجابية أما الشاذ فهي السلبية ومن الخطأ أن نطلق عليها قيمًا لأنها دون ذلك ولن نخوض في تفاصيل اللغة في هذا الموضع لأن الحديث في لغوية القيمة يطول كثيرًا ولكن تكفي الإشارة إلى أن الفعل يقيم من القيمة أي يثمن وهو ما له وزن. والحب قيمة عامة.. حب الوطن.. حب الناس.. حب الأهل والصحبة والشجر والنيل والبحر والطبيعة.. الحب بشكل عام وليس خصوصية الحب بين الرجل والمرأة وإن كان في خصوصيته أيضًا معنى جميل لأنه يعتمد على مشاعر رقيقة عذبة شفافة..

        والشاعر د. عبد العزيز شرف حينما يعلن بداية أنه إما حب أو لا حب فإنه هنا يحدد الشعور والعلاقة.. وفي هذا التحديد وضوح وصدق الشاعر مع نفسه ورفضه للألوان المتداخلة أو الرمادية أو بلغة العصر" الكاروهات" أو مطاطية القيمة.. فالحب كالخير كالعدل كالسلام كالإيمان قيمة وإن كانت نسبية إلا أنها لا تتجزأ.. وهي لديه أساس مشاعره ووجداناته فهو يرفض أنصاف القيمة وفي رفضه هذا يرفض المواقف المتميعة أو مطاطية الموقف التي أصبحت سمة العصر..

        وفي الواقع إن العنوان وحده لو استفضت أو أعطيته حقه من التحليل النفسي والرؤية الوجدانية لما كفت فيه مقالة طويلة خاصة بتحليل العنوان فقط.. ولذلك فعفوا للقارئ وسأنتقل مضطرة لبعض الأبيات وليس كلها بالطبع..

 يقول الشاعر د. عبد العزيز شرف في قصيدته "افتتاحية":

لئن كنت عندك شدو الحياة


 
 فإنك عندي وجودي العطر


 
فهل هناك عطاء إنساني أبلغ من هذا.. إن الشاعر هنا لا يؤمن بقضية إن الحب أخذ وعطاء بل هو عطاء وعطاء ولقد عبر عن هذا المعنى قبلا الشاعر "احمد سويلم" ولقد رأيت مبدأه هذا مطبقًا في شعر شاعرنا.. أجل فإن كان هو عندها شدو الحياة فهي عنده عطر وجوده بل وجوده العطر.. فهو يفوقها عطاء وروعة.. وإذا نظرنا لهذه الأبيات حين يقول في قصيدته "الحلم الأخير":

يا كم رأيتك في الربيع نجيمة


 
 تحتل عرشي أو تموج أمامي


 
وإذا رحلت فإنها في غربتي


 
 عنقود كرمي والذرى قدامي


 
وإذا عكفت على كتاب فهي لي


 
 قنديل نوري، أو لغى أقلامي


 
وأراك حصنًا شامخًا في محنتي


 
 وأراك طهرًا قد أضاء غرامي


 

        نلاحظ للوهلة الأولى مدى مقاومة الشاعر للضعف الإنساني بقوة هي منبثقة من (قيمة الحب) فهو يراها أمامه دائمًا نجيمة.. ولم يقل نجمة وليس في التصغير هنا تقليل من شأن المحبوبة وليست نجمة.. ولكن حتى وهي تعطيه أقل قدر من الضوء فبه يستمد قوته في غربته وضعفه وهي وحيه وإلهام قلمه.. ويعود ليثبت أن هذه النجيمة ليست صغيرة بل هي الحصن الحصين له في كل محنة بالطهر والعفة والبراءة..

وأنا أحبك .. قلتها


 
 يا حرتي.. يا حلوتي


 
ما كنت أخذل حبنا


 
 ما كنت عبد اللحظة


 
والحق يا مجنونتي


 
 أنت الحياة بفكرتي


 
        وحين يقول الشاعر "إذا عكفت على كتاب" ولم يقل إذا قرأت في كتاب ففي هذا بلاغة ومعنى وخشوع لأنه من المعروف أن الاعتكاف هو من قبيل التصوف والزهد والصمت لأن الإنسان المؤمن لا يعتكف إلا لله وهنا يقدس هذا الحب ويضفي عليه شفافية وروعة ونقاء..أما مواقف الشهامة والرجولة ومواقف الفروسية التي تحلم بها أي امرأة حين تحب فهي تتجلى في هذه الأبيات من قصيدته "مجنون عينيها":فهنا اعتراف الشاعر وتأكيده للاعتراف دون إنكاره وعدم تخاذله فإنه يؤكد الصدق وفروسية الرجل وإيجابية الحب.. وينفي عن ذاته عبوديته للحظة رغبة عاشها بل كانت نتيجة حب وليست رغبة في حد ذاتها، وهذا أسمى ما في علاقة الحب التي تجمع بين الرجل والمرأة..

            وهنا يتهمها بالجنون ليس الجنون المعروف لدينا ولكنه جنون الحب.. وهو أروع طاقات الحب النفسية أن يبلغ الجنون لأن التفسير النفسي للجنون هو قمة الصدق ، والشاعر يعترف بأنها الحياة في فكرته أي أن حبه لها ليس مجرد عاطفة أو رغبة بل تداخل مع فكرته والأفكار عادة لا تنبع إلا من العقل فهو إذن عاشق ومقتنع ، وهذا أضعف ما في قانون العشق.. لأن الجنون هو قمته ولكي يجتمع العقل والجنون ففي ذلك التوحد النفسي وقمة الصدق والأداء... ويمضي الشاعر يؤكد هذه المعاني في قصائده التالية : "هات عينيك، طيف، وإشراق"  فهو متجدد دائمًا.. آمل دائمًا – ولا يعرف اليأس أو السام وفي قصيدته: "عيشي بنقائك سيدتي" ومطلعها:

عيشي بنقائك سيدتي


 
 فأنا مهزوم صراعاتك


 

ولو استعرضنا أبيات القصيدة كلها سنجد أن الشاعر قد أجملها كلها وأوجزها في هذين البيتين.. ثم مضى في تفاصيل القصيدة والمواقف يستعرضها.. وكلها بعد ذلك تؤكد مطلع القصيدة.. حتى في نهايتها يعبر بأسلوب موجز أيضًا:

وهزمت أمامك سيدتي


 
 فدعيني أرسم بسماتك


 
وهتفت أحبك من زمن


 
 وقبلت الآن تحياتك


 

فالشاعر هنا يعترف بقيمة الاحترام في الحب.. فحبه ليس مبتذلاً ولا رخيصًا بل هو نقي وهو قد رفع راياته البيضاء وأعلن استسلامه لهذا النقاء وهذا الطهر.. الذي عاشه منذ البدء في الطفولة والصبا..فحين يقول:

عيشي بنقائك سيدتي


 
 فأنا مهزوم صراعاتك


 

فهنا النقاء في الحب والطهر والعودة للخجل الأول الذي عاشه منذ زمن بعيد.. هو يحترمه لأنه في أعماقه دائمًا وكان يبحث عنه،أما جملته: فأنا مهزوم صراعاتك ، فمن المعروف أن الصراع النفسي قوة قاهرة في النفس تجعل المرء يتوتر ويتردد وهو في الأصل محاربة ومقاتلة بين قوتين على نفس الدرجة من الشدة والعمق والنوع ولكن مختلفتان في التوجه... ووجود قوة تغلب الأخرى مما يفض الصراع وبالتالي يزول التوتر.. ولو عايشنا كل مواقف القصيدة نجد إن صراع المحبوبة هو بين نقائها أو استسلامها في حبه الذي تخشى على ذاتها منه الزلل أو الضعف..
        ومن قراءة الأبيات الأولى والأخيرة التي أجملت كل القصيدة نجد أن الشاعر هنا يؤكد حبه رغم إعلانه انهزامه أمام مبادئها وقيمها ومثلها وهو سعيد بذلك كل السعادة، وقانع كل القناعة، وراض كل الرضا، ولم يتخل عنها لأنه يحترم حبه وحبها البريء ، أما قصيدة الديوان "إما حب أو لا حب" والتي كانت أيضًا عنوانه ومحوره. ففيها يجمع الشاعر كل المشاعر في قصيدة واحدة.. ففيها التأكيد على الحب والإخلاص، وتموج مشاعره التي تذيبه وجدًا.. وأنه متهم بنسيانها وما زال يدافع وما زال في هواها ناسكًا، وأنه سيظل ينفي وجود سواها ثم يعمم حبه بعطاء النهر فيقول :

حبي لك نهر النيل، وحبي


 
 دجلة أو حبي بردي


 

وتعود مخاوفه من الحسد فالشاعر مؤمن أيضًا بما ذكر في القرآن عن الحسد ولذلك فهو يدعو الله ويرجوه ويخشى الحسد فهو يعوذه ويعوذها من شرهم ثم يمضي في حبه ودونه أي مطلب مرفوض، ويعود الشاعر يؤكد على انفعالاته الروحية والوجدانية والإيمانية في قصيدة "التميمة" :

وأمي وشى المرجفون لديها
 
 بأني  لا نوم في  جعبتي
 

وأمي روى الأشقياء لديها

 

 
 
 بأني.. لا نوم تحت الوساد


 
وهكذا يمضي إلى أن يصل إلى قوله":

فراحت لعرافة الحي أفضت لها


 
 قصتي.. وحكت ما المراد


 

ويمضي ليصل لقوله:

فتاك لقد خطبته عروس


 
 من الجن قد بعثرته.. فباد


 

وفي النهاية يقول :

وهذي دموعي صلاة الغريب


 
 وروحي تهفو لنور الإله..


 

وقصيدة التميمة من أروع ما كتب د. عبد العزيز شرف حيث يؤكد فيها تراثنا الشعبي من خلال ممارسة طقوسه.. فهو تائه حائر.. وهو وقع عليه ظلم الحبيبة التي أدت إلى الوشاية به.. ولكن الوشاية عند أرحم قلب وهي (قلب أمه) التي لا شك في إخلاصها وصدقها والتي تتابع طقوس عاداتنا الشعبية من حيث الذهاب للعرافة وما إلى ذلك ثم تكون المهاترات الشعبية أيضًا بأن الجن قد مسه وأنه متزوج إحداهن ولكن في نهاية المطاف لا يفيد شيئًا إلا الإيمان بالله وقوته القاهرة لكل الأمراض النفسية التي ألمت بالشاعر المحب العاشق من الحيرة والعذاب والألم وأخيرًا السهاد والحيرة وحتى أوهام الجن وعلاقاته..ويختم الشاعر ديوانه بالحب الأكبر بالإيمان الأكبر إلى رسول الله:

رسول الله يا نوراً ووحياً
 
 إلى الإيمان من بعد الضلال
 

 ويؤكد دين النبي محمد(ص) دين الحب والحقيقة التي لا مراء فيها وهي قصيدة أكثر من رائعة.. ولا ينسى الشاعر واجبه نحو وطنه فيهدينا" أكتوبر يمشي بيننا"

 ويقدم باقة من زهور عرفان ووفاء للأديب توفيق الحكيم ونقيب الصحفيين إبراهيم نافع":

                    ( ومن مثل إبراهيم يا قوم.. نافع...... وهذي مساعيه لنا هي نافعة )

وأخيراً تحياتي للدكتور عبد العزيز شرف لما قدمه في هذا الديوان من قيم رقيقة وجميلة ومضيئة (*) منشورة في جريدة ال




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home