مقال

 

توني موريسون بين الادب والتاريخ

د. زياد الحكيم



توني موريسون بين الادب والتاريخ

د. زياد الحكيم

استاذ جامعي سوري – بريطانيا

 

كان فوز توني موريسون بجائزة نوبل للأدب لعام 1993 مفاجأة للكثيرين، فسر البعض فوزها بالجائزة بان لجنة نوبل خضعت لضغوط سياسية واقتصادية وإنسانية، وقالوا أن اللجنة أغفلت جون ابدايك وفيليب روث، ولم تعط أيا منهما الاهتمام الذي يستحق، وقالوا أن كون ابدايك وروث من الذكور ومن البيض لم يكن عاملا مساعدا لفوز أي منهما بالجائزة. والواقع أن توني موريسون لم تفز بالجائزة لأنها امرأة ولأنها سوداء، والذين يعتقدون أنها فازت بها لأنها كذلك يظلمون الكاتبة ويظلمون الجائزة.

 
كتب الكاتب أميركي الافريقي الكبير جيمس بالدوين يقول: أن هناك جوانب كثيرة لا نحب نحن السود أن نعرفها عن أنفسنا، وهذه الجوانب وثيقة الصلة بماضينا وبالعذاب والاضطهاد والقمع والقتل الذي تعرضنا له وعانينا منه كثيرا. وكتبت توني موريسون عن هذه الجوانب التي لا يريد السود -  وتوسعا المضطهدون جميعا - أن يعرفوها عن ماضيهم، أو ما يريدون نسيانه، وما تزال تكتب عنها منذ أكثر من عشرين عاما. ومع أنها لم تبلغ منزلة بالدوين إلا أنها في الطريق إليها، وهي تتمتع بقدرة فائقة على القص بفنية فذة أخذت بألباب الملايين من القراء على اختلاف مشاربهم وثقافاتهم.  وفي رواياتها عنصر تاريخي طاغ يذكر بروايات الكتاب الروس الكبار في القرن التاسع عشر اكثر مما يذكر بالروائيين الأميركيين في أواخر القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين. إنها تضع شخصياتها في سياق تبحث فيه عن هوية ومكان في الواقع الأميركي الذي ينكر عليها حقوقها الانسانية الكاملة.

 

نشأة بولاية اوهايو
ولدت توني موريسون عام 1931 في بلدة لورين بولاية اوهايو الأميركية، وقد هاجرت إليها أسرتها من الجنوب حيث كان أبوها يعمل في الزراعة بعد أن ضاقت الحياة بالأسرة هناك. وكان أبوها يعتقد اعتقادا جازما باستحالة التعايش بين البيض والسود في انسجام ووئام، وكان هذا الاعتقاد بطبيعة الحال وليد أجيال كثيرة من معايشة بين البيض والسود.

 
أما والدة توني فقد تحدت الشعور بالظلم بكثير من الظرف والحيوية. وتقول كاتبتنا: كانت أمي تعشق ارتياد المسارح بعد ظهر أيام السبت والجلوس في الأماكن المخصصة للبيض فقط. وعندما علقت لافتات على الجدران تهدد السود الذين يجلسون في أماكن البيض بالطرد، كان من دأبها أن تمزق هذه اللافتات وتنثرها في جميع أنحاء المكان. وكانت تكاتب الرئيس روزفيلت بشان أوضاع السود.

 
وفي الخمسينات كانت الأسرة قد حققت ما يكفي من الاستقرار الاقتصادي لإلحاق توني بجامعة هاوارد، أشهر جامعة للسود في الولايات المتحدة. وبعد عشرة أعوام من ذلك عادت موريسون إلى الجامعة نفسها مدرسة فيها بعد أن نالت درجة الماجستير في الأدب الإنكليزي من جامعة كورنيل.

 
وشرعت موريسون في الكتابة منذ سنوات دراستها الأولى في الجامعة عندما كان السود يقاتلون من اجل نيل حقوقهم المدنية. فصورت أوضاع السود تصويرا فيه كثير من الواقعية والعمق والتعاطف. تقول إحدى الشخصيات في روايتها (محبوبة): لقد أخذ البيض كل ما معي وكل ما احلم به، وحطموا قلبي. ليس هناك حظ سيئ في العالم ولكن هناك شعبا ابيض فقط. ومنذ أن نشرت كتابها الأول بعنوان (العين الأشد زرقة) 1970 وهي تحاول محاولات دائبة لإضاءة مراحل مهملة من التاريخ الأميركي، فأميركا التي تكتب عنها موريسون بلد استعبد الآخرين فاستبعد نفسه بالتالي، وشخصياتها التي لحق بها الضر والقمع والاضطهاد تتطلع إلى الموت أو إلى النسيان أو إلى إلغاء الماضي، وهي موقنة بأن الموت ربما يكون أفضل من المستقبل.

 

محبوبة
وافضل روايات توني موريسون هي (محبوبة) التي فازت بجائزة بوليتزر أكبر الجوائز الأدبية في الولايات المتحدة عام 1988. وهي رواية مكثفة وغنية في أسلوبها وأفكارها. فالحدث الواحد ينظر إليه من زوايا مختلفة شخصية ووطنية وتاريخية وإنسانية.

 
أخذت توني القصة من تقرير عثرت عليه في (الكتاب الأسود)، وهو مجموعة من قصاصات الصحف والإعلانات الصحفية التي ترصد تاريخ الأميركيين الأفارقة من بداية التجارة بالرقيق إلى حركة الحقوق المدنية. وكان التقرير الذي هزها من الأعماق بعنوان (زيارة إلى الأم السوداء التي قتلت ابنتها الوليدة لئلا تعيش في عالم يهيمن عليه البيض). وتشهد الجدة عملية القتل. ويتحدث التقرير عن الفقر والبؤس في حياة هاتين المرأتين ويقول: هاتان العبدتان عاشتا حياتهما كلها على بعد ستة عشر كيلومترا من مدينة سنسناتي. يقولون لنا إن تجار الرقيق في هذه المنطقة رحماء جدا بالعبيد، وإذا كانوا كذلك فكيف لنا أن نتخيل ما يفعله التجار الرحماء؟ ويختتم كاتب التقرير تقريره قائلا: لا ضرورة للتعليق.

 
نجحت موريسون في تصوير الرق بكل بشاعته وقسوته بان سمحت للشخصيات والتفصيلات بان تتكلم بنفسها عن نفسها دون تدخل من الكاتبة. البطلة هي (سيث) تفر من مالكها الأبيض في ولاية كنتاكي وتقيم مع حماتها في ضواحي سنسناتي، والظروف التي تفر فيها سيث تجعل منها بطلة حقيقية: فهي حامل بابنها الرابع، ويتخلى عنها زوجها في اللحظة الأخيرة، ومع ذلك ترسل أولادها الثلاثة في عربة متوجهة إلى اوهايو ثم تلحق بهم عام 1855، بعد أن تلد ابنتها دينفر. وعندما ينضم إليها بول دي، أحد معارفها، بعد ثمانية عشر عاما يتعرف إلى ظروف حياتها. لقد فر ولداها الكبيران. أما ابنتها الصغرى فتبدو عليها إمارات الانسحاب والعدوان، وأما ابنتها الأخرى فقد ماتت منذ وقت طويل ولكن روحها وذكرياتها تسكن البيت. فلا شك أن شيئا رهيبا حدث في البيت، وكثير من الرواية مكرس للكشف عن هذا اللغز. وسيث غير متعاونة في عملية الكشف، فهي تريد أن تنسى الماضي، وهي تعتقد أن مهمتها في المستقبل هي نسيان الماضي، ولكنها لا تفلح في هذه المهمة.

 

وفي يوم من الأيام تفاجأ بزائرة اسمها محبوبة. وهو الاسم الذي أطلقته على ابنتها، فنكتشف أن هناك مبررات فلسفية وإنسانية للقتل. لقد كان أمام سيث خياران: إما أن تقتل ابنتها أو أن تقبل بأن تعيش الطفلة في ظل العبودية. إن مثل هذه الخيارات الصعبة عنصر أساسي في الفن الروائي العظيم، وهي تذكر بالأزمات المعقدة التي تمر بها شخصيات شكسبير والكتاب الإغريق القدامى. إن اهتمام توني بمثل هذه الأزمات المعاصرة هو الذي جعل رواياتها، بالإضافة إلى أنها فن رفيع، تاريخا اجتماعيا ونفسيا واقتصاديا لمشكلة السود وأمثالهم من المضطهدين في العالم.


وتبرز الرواية المفارقات الكبيرة في حياة أشخاصها: فهم يبتسمون عندما يشعرون بالحزن، ويتوقعون إلى الموت (فالبطلة التي قتلت ابنتها تقول: لو لم اقتلها فإنها كانت ستموت، وهذا ما لا أحتمله قط)، والحياة الطيبة هي الحياة التي يعيشونها في الظلام، لأن النهار بشمسه ودفئه يذكر بالعمل المضني تحت إشراف البيض: (اجتمع الواحد منهما بالآخر أيام الأحد فقط منذ سنوات طويلة، وما عدا ذلك كانا يتحدثان ويتلامسان ويأكلان في الظلام، ظلام ما قبل الفجر وما بعد غروب الشمس. لذلك كان نظر الواحد منهما في وجه الآخر صباح يوم الأحد متعة حقيقية. كان هال ينظر إليها وكأنه يريد أن يختزن في ذاكرته ما يراه منها في ضوء الشمس ليعوض عما رآه من ظلها في باقي أيام الأسبوع).

 
وفي العالم الرهيب الذي تصوره (محبوبة) يخاف الناس من الإفراط في الحب، فبول دي الذي يرزح تحت الأغلال في جورجيا يذكر نفسه بأن (ما تحبه يؤخذ منك دائما، ولذلك فأنت تحمي نفسك من الصدمة بأن تحب حبا قليلا، بأن تكتفي بالنظر إلى أصغر النجوم في السماء).

 
ولا تخلو الرواية من لحظات فرح، ولكن أي فرح؟ سيث تقرر الزواج من هال، ولكنها تعلم من مالكتها البيضاء أنها لن تسمح بإقامة حفل زفاف، ومع ذلك فهي تهديها قرطين وتجيز لها أن تخيط ثوب زفافها بنفسها. وتقول سيث: (ورحت اسرق مزقا من قماش... كان صدر فستان العرس كيسي وسادتين، وكانت مقدمة التنورة وشاحا سقطت عليه شمعة مشتعلة فأحدثت فيه ثقبا... وأخيرا استعنت بقماشة كنا نستعملها لتصفية المربى، غسلتها كأحسن ما أمكنني ذلك واستعملتها لخياطة بطانة التنورة... وهكذا لبست اقبح فستان زفاف بإمكانك أن تتخيله).


وبالرغم من أن هذا الكتاب لا يخلو من عيوب فنية (فالصفحات الخمسون الأولى مفرطة في الشاعرية ولا تمهد بالشكل الكافي للأحداث اللاحقة في الرواية) إلا أنه يحتوي على صفحات تضاهي في جمالها اجمل ما كتب في الأدب الأمريكي منذ الحرب العالمية الثانية.

 

والرواية ليست مادة خفيفة للقراءة: إن القارئ يصبح شاهدا على الظلم الذي تصوره الكاتبة بجلاء ودقة فكأنما شهدت أحداث الرواية بنفسها. إنها رواية تسبب أحلاما مزعجة للقارئ على حد قول الناقدة أ. س. بيات.  وأروع ما فيها كثافتها المنقطعة النظير. إنها أشبه بموسيقى الزنوج. وتقول موريسون: إن موسيقى الجاز لم تكن في الأصل إلا لعازفيها، ولكنها تقوم بما يقوم به الفن: إنها شيء يمكن أن يقبل عليه الآخرون ويحبوه. هكذا أحب عملي أن يكون: أريده أن يكون شيئا خاصا للاستهلاك العام.

 
ولا تعدم توني موريسون نصائح تأتيها من اليمين واليسار، فالكثيرون في الولايات المتحدة خاصة يعرضون عليها أفكارهم ويحاولون أن يعلموها كيف تبحث في قضايا التمييز العنصري، وكيف تتحلى بالمسؤولية السياسية والإنصاف الاجتماعي. مثل هذه النصائح تأتي من أمثال الناقد اليميني ستانلي كرتش. وهناك نصائح من اليسار وأحدثها ربما ما كتبته الناقدة الأميركية الأفريقية الأصل دوروثي دراموند امباليا التي انتقدت موريسون لعدم معالجتها الأهداف العملية للصراع السياسي الذي يخوضه السود في الولايات المتحدة، وتنهي كتابها عن توني موريسون قائلة: أرجو أن تساعدها هذه الدراسة في تطوير خطة أكثر شمولا ووضوحا وتركيزا من أجل التحرر الوطني الذي يطمح إليه الشعب الأفريقي.

 
لا تحتاج موريسون إلى هذا التوجيه بطبيعة الحال، فهي تعلم أنها مدينة للسود الأميركيين فهم مداد كتاباتها، ولكنها تعرف أيضا أنها مدينة للعمالقة الذين قرأت وتمثلت كتاباتهم من القرن التاسع عشر، وهي مدينة لتقليد أدبي عظيم هو الذي جعل منها كاتبة كبيرة مع أن كتبها تعيد تقييم هذا التقليد. ليس بإمكاننا أن نعتبر روايات توني موريسون مجرد روايات سياسية تفقد قيمتها بمجرد انتهاء الأزمات التي تعالجها، ذلك أن تقنياتها الفنية ترقى إلى مستوى افكارها العظيمة. وتوني موريسون نفسها لا تريد أن تعتبر رواياتها روايات عظيمة لأنها تعالج قضايا العنصرية، ولكنها تريد أن تعتبر روايات عظيمة لأنها تعالج قضايا الإنسان في كل مكان وزمان.

 

د. زياد الحكيم




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home