القلم العلمي

 

جدولة الوقت

مبارك عامر بقنه- السعودية




الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد، في هذه المقالة لن أتطرق إلى أهمية الوقت من الناحية النظرية؛ ولكن سوف يكون حديثي عن جزئية عملية لكيفية التعامل مع الوقت وهي جدولة الوقت، وأظن الأمر من هذه الناحية مهم لأننا كثير ما نسأل أنفسنا عند انقضاء اليوم، أين ذهب وقتي؟ كيف قضيت نهاري؟ لقد كان بودي أنني فعلت كذا، وتركت كذا! وفي نهاية اليوم النتيجة: أنا لم أنجز شيء يذكر!
إن الفرق بين الأشخاص الذين ينجزون هدف تلو الآخر وبين الأشخاص الذين لا يحققون أهدافهم يكمن بدرجة عالية في عملية تحكمهم في هذه الأربع والعشرين ساعة. ولكي تتحكم في هذه الساعات، قم بعمل التالي.
عمل قائمة زمنية:
لن تقوم بعمل رحلة حتى تعرف أين ستذهب، وما الطريق الذي سوف تسلكه، وإلا تهت وضعت، ولن تصل إلى هدفك؛ وكذلك تحتاج إلى إيجاد خريطة زمنية مشابهة لتساعدك في إنجاز أهدافك.
فإذا أنت لم تخطط ليومك، فسوف تصرف وقتك في أشياء غير مجدية، وتضيع أوقاتك في أمور غير مهمة، ولن تستطيع تحقيق أهدافك. ولتجنب هذه المشكلة قم بعمل سجل زمني مستمر، استقطع 10 ـ 15 دقيقة من آخر اليوم لتخطيط عمل اليوم التالي، وهنا يجب مراعاة عدة أمور:
أولاً: أحرص أن يكون كتابة سجل العمل شامل لكل يوم. سجل في هذا السجل بداية ونهاية أي نشاط تريد أن تعمله على أن تكون الفترة الزمنية المخصصة واقعية ومنطقية مع طبيعة المشروع. سجل بهدوء وأحرص أن تدون كل شيء؛ لأن نسيان شئ ما لن يعطيك إنجازا جيدا؛ إذ سيسبب خللا في برنامجك اليومي. اعمل أولوية لقائمتك، واجعل الأكثر أهمية في برنامجك في أفضل الأوقات الإنتاجية لديك، وعند تزاحم الأوقات قدم عمل الأوليات. اجعل هناك تصنيف لكل مهمة:
طويلة الأمد (ط)، قصيرة الأمد (ق) وقدر الوقت الذي تستهلكه في قضاء هذه المهمة فلا تحاول إنجاز كل شئ في لحظة.
ثانياً: في نهاية الأسبوع قم بتحليل ورقتك الزمنية. اكتشف ما الأعمال التي أدت إلى ضياع وقتك وأعاقتك من إنجاز أهدافك خلال الأسبوع. أسأل نفسك هذه الأسئلة:
* ما أطول مدة قضيتها في عمل ما؟
* ما أغلب الأشياء التي تعمل على إعاقة عملك؟
* ما الأشياء التي تساعدك على إنجاز أهدافك؟
* هل كل ما دونته كان ضروري؟
* وهل ينبغي عملها الآن أو أن أجدولها في وقت لاحق؟
* هل يجب عليك القيام بهذه الأعمال أو أنه يوجد شخص آخر يمكن أن يقوم بهذه الأعمال أفضل مني؟
إن وجود قائمة عمل أمامك محسوسة تستطيع أن تقيم من خلالها نفسك، هل أنجزت ما أردت أم لا؟ وكم أنجزت من العمل؟ وما الأسباب التي منعتك من تحقيق ما دونته؟ دون إجاباتك، ثم اعمل خطة لإزالة الأنشطة التي تضيع وقتك. فحدد الأشخاص أو الأحداث التي تسرق وقتك حتى تستطيع التحكم والسيطرة على وقتك.
ضع الحلول المناسبة للقضاء على هذه المثبطات القاتلة. وعند إنجازك شيئا ما احرص على مكافئة نفسك، وأفضل مكافأة يمكن أن تقدمها لنفسك هي بناء الثقة لديك بأنك قادر على استثمار وقتك وتحقيق كثير من الأشياء.
وقد تواجه في بداية عمل قائمة يومية لأعمالك بعض التحديات مع النفس، وتعويدها على تنفيذ قائمتك اليومية؛ بل الغالب أنك ستفشل في البداية أو أنك سوف تحقق قليل من أعمالك المدونة، وهذه في الحقيقة ليست فشلاً؛ بل هي بداية النجاح، فالصعود للقمة يكون خطوة خطوة، ولا يشترط أن تكون كاملاً، فالكمال متعذر، ولكن يجب أن يكون لديك الكفاءة؛ فهناك فرق بين الكفاءة والكمال، فالكفاح والإصرار من أجل الوصول إلى الكمال هي الكفاءة وهو المطلوب. واحتمال كبير أن لا تكون خطتك الزمنية جيدة أو كاملة في البداية، ولكنها لا شك إنها سوف تتحسن مع اكتساب الخبرة. ومن أشد العوائق التي سوف تواجهها في البداية هي التأجيل، وهنا سأتكلم عن هذه الآفة المهلكة للأوقات.

- اقض على التأجيل:
كم نرغب في إنجاز أعمال كثيرة ولكننا نؤجلها دائماً إلى غداً فنؤجل العمل ونسوف، وسوف كما قال أحد الصالحين: جند من جنود إبليس. ولذا تمر الأيام والشهور ولم نحقق ما أردنا بسبب سوف، للقضاء على سوف وخصوصاً إذا كان لديك عمل مشروع كبير؛ فهنا عليك:
أولاً: أن تقسم هذا المشروع إلى أجزاء صغيرة.
ثانياً: اعمل برنامجا زمنيا لتنفيذ أول جزء من هذا المشروع.
ثالثاً: ابدء مباشرة في العمل.
ستلاحظ بعد قترة من الزمن كم هو أمر سهل عمل هذا المشروع؛ فلن تعرف الملل ولا الإرهاق إذا قسمت المشروع إلى أجزاء صغيرة مع مدى أطول. ولكن هنا شرط ضروري ومهم وهو التقييد بالوقت أو الحصة الزمنية المقررة لهذا البرنامج، واحرص على الالتزام بالوقت بقدر المستطاع حتى وإن وجدت رغبة ونشاط في الاستمرار فيفضل عدم الاستمرار لأن استمرارك في العمل يعني أخذ الحصة الزمنية من المشروع اللاحق، وهذا يسبب تداخلا في الواجبات، وإخفاق في بعض الواجبات الأخرى. فينبغي أن يكون النجاح ليس في مشروع وأحد؛ بل يمتد هذا النجاح إلى جميع أعمالك اليومية، ولن يتم هذا إلا بالتقييد ببرنامجك اليومي بقدر المستطاع.
إن تأجيلك للعمل من دون مبرر يعني قتل الوقت، وتثبيط الهمة، فالتأجيل عقبة كأداء في طريق بناء الذات.
هناك عدة أسباب للتأجيل:

أولاً: الخوف من الإخفاق:
فالشعور بالإخفاق وعدم النجاح يسبب تأجيل العمل والتهرب منه ومحاولة إيجاد المعوقات التي تمنع من الاستمرار في العمل. ويزداد هذا الخوف إذا كان هناك تقييم للعمل من الآخرين. فيبدأ في تأجيل العمل حتى يضيق الوقت، وهنا يقول أن الوقت غير كاف، وذلك بدلاً من أن يعلن إخفاقه وعجزه عن أداء العمل، إذ يجعل الوقت غير كاف لإنجاز ما كلف به.
والخوف من الفشل والسقوط قد يكون موجودا، ولكنه يكون مشكلة إذا منع من العمل والمضي قدماً لتحقيق الهدف.
ومن الطرق التي نتعامل فيها مع الخوف هي النظر إلى منبع هذا الخوف هل هو مبني على أساس صحيح، وتفكير منطقي مقبول أم إنه مجرد أوهام وافتراضات ليس لها أساس من الصحة. فإنك لو رجعت إلى مشاعرك وتأملت جيداً هذه المخاوف تجدها في الغالب عبارة عن أوهام اختلقتها نفسك.
فاقض على هذه الأوهام ولا تلتفت إليها. أما إذا تبينت لك صحة هذه المخاوف وإنك لن تكون قادراً على إنجازك مشروعك فيمكنك أن تأجل هذا المشروع لوقت آخر تكون الأسباب التي منعتك قد زالت، ولكن أحرص على التأكيد على الإيجابيات التي لديك وإنك قادر على عمل هذا المشروع. توكل على الله عزو جل وخذ بالأسباب المنطقية ولا تجعل الخوف يسيطر عليك ويقود سير حياتك، وأسأل نفسك
دائماً: ماذا يحدث لو أخفقت؟ عند إجابتك على هذا السؤال، سوف تجد أن الأمر بسيط لا يحتاج كل هذا الخوف.

ثانياً: الملل والسآمة:
في كثير من الأحيان لا يستطيع الشخص أن يمكث فترة طويلة من الزمن مع مشروع ما إذ سرعان ما يعتريه الملل والضجر، فهو قد يكون تربى على التنقل من عمل إلى عمل آخر، أو من بحث إلى بحث آخر، وفق الرغبات النفسية المتقلبة لديه، وهذا ناتج من سوء تربية، وعدم وجود الجلد والصبر والذي يعتبر مطلب أساسي في نجاح أي عمل أو مشروع ذو قيمة.
وللتغلب على هذه المشكلة عليك أن تمرن نفسك على الصبر والتصبر وفي الحديث "ومن يصبر يصبره الله" فالأمر اكتسابي، ومن الأمور المساعدة لذلك هو جعل الحصة الزمنية في البداية قليلة للأمور التي تضجر منها ثم أبدأ بزيادة الوقت تدريجياً وبهذا لن تصاب بالممل، اجعل ما تراه عملا مملا في الأوقات التي تشعر فيها بالارتياح النفسي. قسّم المشروع إلى أجزاء صغيرة فمثلاً لو كان مشروعك قراءة كتاب مهم ولكنه يصاحبك الملل فجزئه إلى أيام متعددة.

ثالثاً:عدم وجود الرغبة في هذا المشروع:
إقحام النفس في عمل لا تريده نتيجة حتمية أن لا يكون هناك إبداعاً في أداء هذا العمل؛ بل الغالب أن يصاحب هذا العمل التسويف والتأجيل. ولهذا أحرص أن تحب العمل الذي تقوم به فهي نقطة أساسية لإتمام المشروع، وركيزة أساسية للاستمرار والإبداع، أبحث في هذا العمل عن الإيجابيات لكي تكسبك التشجيع المعنوي حتى تنجز عملك، مارس أعمال أخرى تحبها لكي يخف الضغط الذهني لديك.
ابحث عن الحافز، فالحافز والدافع للعمل أمر مهم لطرد الممل والسآمة.
وهناك عدة طرق للتشجيع والتحفيز منها على سبيل المثال معرفة الأشخاص الناجحين والالتصاق بهم، ادرس شخصياتهم وتعرف على صفاتهم وكيفية مواقفهم تجاه الأحداث والأشخاص، فصحبة القدوات لها أثر كبير في تغيير السلبيات إلى إيجابيات. وكذلك أنظر إلى الأشخاص الذي تكره أن تكون مثلهم وادرس عاداتهم السلبية وتجنبها، تعلم من الطرفين لتبني ذاتك؛ ولكن ركز على الأشخاص الإيجابيين
اتخذ صديقاً معيناً لك في إنجاز أهدافك، اظهر له أهدافك وطموحاتك، دعه يشاركك في التخطيط لتحقيق ما تصبو إليه، كن قريباً منه حتى إذا ضعفت عزيمتك وتسلل إليك الكسل أخذ بيدك إلى النشاط والقوة، اجعله رفيق دربك فالسير وحيداً في صحراء الغربة يشعر بالوحشة والخوف من المسير قدماً.

رابعاً: صعوبة العمل أو المشروع:
وهذه نتيجة الاختيار السيئ منذ البدء، فالإنسان لا بد أن يعرف قدراته وإمكانيته المتاحة وواقعه ويتعامل وفق هذه المعطيات التي لديه، فالمبالغة في أخذ مشاريع أو أبحاث أكبر من طاقة الشخص في الغالب أنها تبؤ بالفشل، فالتدرج في الأبحاث والمشاريع أمر أساسي وضروري، إذ أن المشاريع الضخمة والكبيرة تعتمد على تراكم من الخبرات والتي يكتسبها من مشاريع صغيرة وهي مقدمات
لمشاريع ضخمة.

أساطير حول جدولة الوقت:
كثير من الناس يظنون أن تنظيم الوقت يجعل الوقت ممل، وصعب التعامل مع الأشياء بمرونة مما يعقد الحياة، ويفقد المتعة. وهذا وهم كبير وخطير، وهو خوف مبني على غير أساس تجريبي أو علمي وإنما تبرير نفسي للافلات وعدم ضبط النفس. وللقضاء على هذه الإشكالية اجعل التعامل مع الوقت أقل حزماً وشدة، فاستخدم عبارات الإمكان والاستحسان، فيجدول البرنامج مثلاً بعبارة: يفضل عمل كذا، ويستحسن القيام بكذا... وهكذا حتى لا تشعر بالضغط النفسي في التقيد بالجدولة الوقتية، ثم إذا رأى الشخص نفسه قد قويت قليلاً يستخدم العبارات الإلزامية في بعض الأحايين مثل: يجب القيام بكذا...
ومقولة:أن الأشخاص المنظمين لأوقاتهم لا يجون متعة في أوقاتهم، وهم في حالة شد عصبي، وهم وقلق وخوف، الحقيقة أن العكس هو الصحيح، فأكثر من يتمتع بالأوقات بدرجة عالية هم المنظمون لأوقاتهم، فهم أولاً ينجزون أهدافهم، ويحققون طموحاتهم، وهم في الغالب لا يبحثون عن شيء يؤدونه ليقضوا فيه أوقاتهم، فلا تشكل لهم كيفية قضاء الوقت إشكالية، فماذا أعمل في العصر؟ وأين أقضي هذه الليلة؟ وهكذا.. لا توجد هذه الأسئلة الدالة على الضياع والتيه في قاموسهم، وهذه قمة المتعة.
- فقدان الثقة بالذات، يعتقد بعض الناس أن تنظيم الوقت أمر متعذر بالنسبة إليه، وليس لديه القدرات والإمكانيات التي تجعله ينظم وقته، فتنظيم وجدولة الوقت مخصوص بفئة معينة من الناس، وخصوصاً في هذا العصر فالواجبات كثيرة، ومتطلبات الحياة في ازدياد.والحقيقة أن العكس قد يكون هو الصحيح وأن فئة من الناس لا تستطيع أن تجدول وقتها كالجاهل والمريض، فتنظيم الوقت هو مسألة قرار ثم تتخذ الوسائل والطرق المعينة إلى تنظيم الوقت، وقد يكون هناك ضغوط خارجية تمنع من استغلال الوقت ولكن ببعض التأمل والتفكر في هذه العوامل الخارجية وإيجاد نوع من الترتيب والتحكم تستطيع أن تتجاوز هذه المقاطعات والصوارف.
وقصة ابن الجوزي وكيفية استثماره للوقت مع وجود القواطع يدل على تعلمه كيفية العمل برغم هذه القواطع، إن محاولة القضاء على الشواغل أمر متعذر ولكن تقليله وكيفية التعامل معها أمر ممكن، وهنا يحسن الإطلاع على بعض المؤلفات التي تبرز أهمية الوقت وكيفية التعامل معه.
- الإفراط في التعقيد، فتنظيم الوقت لدى البعض يعني جدولة كل دقيقة يومياً والتقيد بها، وهذا مفهوم خاطئ؛ بل يعسر تطبيق ذلك، فكثير من الأحيان لا تسير الأمور وفق ما نريد، فتأتي بعض الأحداث اليومية ليست على بالنا كما قال الله تعالى: (يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) (الرحمن:29)؛ وإنما المقصود من الجدولة هو أن يكون يومك ملي بالعمل المثمر، بدون ضغط أو إجهاد، مع إنه لا بد أن يكون في الجدولة أوقات قليلة تترك عفوياً حتى لا تصاب بالملل والسآمة.
لمح حول جدولة الوقت:
- عند عملك مشروع ما لا تنظر إلى الوقت ولكن التفت إلى الفعالية، فالفعالية والإنتاجية هي الهدف الأساسي، فليس صرف وقت أكثر هو الهدف وإنما الهدف هو صرف وقت أقل مع إنتاجية وفعالية أكبر. وهنا ينبغي معرفة الطرق الصحيحة لإنجاز العمل كالقراءة مثلاً يجب معرفة الطرق المثلى في القراءة وهكذا.
- لا تقضي وقتاً طويلاً لعمل أشياء صغيرة، وازن بين الوقت والعمل المطلوب.
- ليكن لديك زمن يومي محدد لا تسمح لأحد فيه بأن يزعجك، تجنب الرد على الهاتف، أو تصفح الإنترنت، أو الجلسة مع الأسرة، وإنما اجعل هذا الوقت لمعالجة لأهم الأشياء لديك والمدونة في جدولك.
- مع زحمة الحياة يكون من السهولة السقوط في فخ النسيان، وقد تتذكر ما تريد عمله، ولكن الجدولة تذكرك في الوقت المناسب، الجدولة طريقة لإراحة الذهن من عناء التفكير والتذكر.




  أرشيف القلم العلمي

اطبع الموضوع  

Home