مقال

 

حرب الاحتلال غير المعلنة

صدقي موسى



حرب الاحتلال غير المعلنة على البيئة الفلسطينية

صدقي موسى

صحفي وكاتب فلسطيني

حدثني جدي كيف يوم أتى الانجليز لتفجير بيت احد الفدائيين، اخرجوا سكانه والجيران لمكان بعيد، وقام احد الضباط بتوزيع حبات "الملبس" على الأطفال ويمسح على رؤوسهم بيد، ويده الأخرى تعطي الأمر بالتفجير.

صورة مصغرة لسياسة احتلالية تمارس عبر العصور، وطبقها الكيان المغتصب على من ظنهم يوما هنودا حمر، فمارس حربا بمختلف أشكالها وأساليبها منها المعلن الظاهر، والخفي الذي يحاك في الظلام ويمارس على غفلة منا.

الكيان الصهيوني كأي جسم احتلالي يدرك أن وجوده مهدد وان مصيره يعتمد على مدى إضعاف خصمه والقضاء عليه، فنحن الفلسطينيون عدوه الأول ويلينا الشعوب العربية والإسلامية وشعوب العالم الحر، وبنظرة مختصرة على أشكال عدوانه التي يمارسها بحقنا نجد أنها تنوعت واختلفت ابتداء بالحرب العسكرية الواضحة من اجتياح وقتل واعتقال والحرب الاقتصادية والحرب الثقافية والفكرية، وحربه على المقدسات واللاجئين، وانتهاء بحربه على التكاثر السكاني والقائمة لا تنتهي، أشكال العدوان هذه رمانا بها الاحتلال من قوس واحدة، ويقوم على تنفيذها بدور تكاملي بحيث تكون حرب على جميع الصعد، فالحروب العسكرية يرافقها تهويد للأرض وحصار اقتصادي،فعلى سبيل المثال في السنوات القليلة التي سبقت انتفاضة الأقصى عندما كان ما يقال بان السلام سائد وتكاد تنقطع فيها العمليات العسكرية على الأرض كان الاحتلال يوسع مستوطناته ويبني أخريات، والبعض منا منتشي بالسلام.

وبطبيعة الحال تتعدد أشكال العدوان الصهيوني المعلن وغير المعلن إلا أنني أشير في هذه المقالة لعدوان الاحتلال غير المعلن على البيئة الفلسطينية بما تضمه من ارض وشجر وحيوانات وهواء وماء، وان كانت البيئة تعتبر جزء من عدوانه على الأرض إلا أن قول عدوان على البيئة يأخذ خصوصيته، فواضح للعيان أن الأرض تصادر وتبنى عليها المستوطنات إلا أن الذي قد يتجاهل ولو لحين عدوان الاحتلال وقضائه على خضرة الأرض وطيورها وحيواناتها ومياهها الجوفية وأزهارها الجميلة وأعشابها البرية.

ففي خضم التركيز على مواجهة الاحتلال سياسيا وعسكريا، ويكاد يقتصر الأمر على ذلك نجد أن الاحتلال كما نوهت يحاربنا على جميع الجبهات حربا شاملة لا هوادة فيها.

ومنها حربه على الأزهار والأعشاب والأشجار، ففي الوقت الذي تتداعى فيه دول العالم لحل مشكلات التلوث وطبقة الأوزون، وتتدهور فيه البيئة بشكل بطئ نجد أن البيئة الفلسطينية تتدحرج للهاوية بسرعة هدم البيوت وانطلاق قذائف الاحتلال على بيوت الأمنيين.

فالمياه الجوفية تعرضت للاحتلال ومنع أصحاب الأرض من الاستفادة منها وعلى سبيل المثال أعطت اتفاقية أسلو قرابة 19% من المياه الجوفية في الضفة الغربية للفلسطينيين، وبنفس الوقت الاحتلال يمنع احفر الآبار لاستخراج المياه، وكما في الضفة يعمل الاحتلال على تلويث المياه الجوفية عبر دفنه للنفايات وخاصة السامة منها وعبر المياه العادمة ومخلفات المصانع. كما عمل على هدم شبكات الري وآبار المياه.

ولم يسلم الهواء من ملوثات الاحتلال عبر المواد السامة المنبعثة من المصانع والتي عمل على إقامتها في الضفة، ولا يفوتنا المواد المشعة المنبعثة من مفاعل ديمونة.

وعمد الاحتلال لسرقة صخور الأرض ورمال شاطئ غزة كما سرق المياه وتسبب عدوانه على البيئة الفلسطينية لانحصار الأراضي الحرجية وانقراض الحيوانات والنباتات البرية والتي تقدر  ب2384 نوع، منها أكثر من 140 صنفا غير موجود في أي منطقة أخرى من العالم.

ليأتي حصاره الاقتصادي وعدم القدرة على دفع رواتب عمال النظافة مما آدا لتكديس النفايات بالشوارع والأزقة، وما يصاحب ذلك من تلوث وأمراض، وعلى مستوى مكبات النفايات ومحطات معالجة المياه العادمة وشبكات الصرف الصحي يحاربنا الاحتلال عليها ويمنع إقامتها.

هذه نماذج مصغرة لما تعانيه البيئة الفلسطينية التي تتطلب منا إعلاميين وأصحاب قرار ومهتمين نظرة اهتمام ورعاية، فالحفاظ على البيئة وفضح انتهاكات الاحتلال بحقها مقاومة لا تقل وطنية وأهمية عمن يناضل المحتل ببندقيته.

سيقول البعض أرواح البشر أهم من النظرة لشجرة تقتلع هنا أو بئر ملوث هناك، وهذه نظرة قاصرة لإستراتيجية احتلالية تنظر للحفاظ على أمنها من حدود الصين،  فإذا استمر عدوان الاحتلال على البيئة بهذه الوتيرة فسنعاني من شح المياه وصعوبة شديدة في توفيرها مع أننا في الوقت الحالي نعاني من ذلك، بالإضافة إلى أننا سنجد المياه الجوفية المسموح لنا باستخدامها ملوثة.

وسنجد أنفسنا نستنشق هواء ملوثا، ونسير على أطنان من النفايات، ونقصا مخيفا في الأراضي القابلة للزراعة، وتكدس لأطنان النفايات على مقربة من التجمعات السكنية، وتلوث البيئة بحد ذاته مظهر غير حضاري وغير صحي بالإضافة لتأثير ذلك على الاستجمام والسياحة.

اليوم البيئة الفلسطينية تدق ناقوس الخطر وتقول للصحفيين والإعلاميين امنحوني ولو زاوية صغيرة في صحفكم ومواقعكم أو قنواتكم وإذاعاتكم، وتقول للسياسيين والفصائل وأصحاب القرار امنحوني ولو جملة قصيرة في خطبكم وندواتكم ومحاضراتكم أو خلال مفاوضاتكم.

الحرب غير المعلنة تتطلب من كافة فئات المجتمع الفلسطيني وعلى راسهم الرئاسة والحكومة والفصائل والإعلاميين وأصحاب الفكر والقلم اتخاذ خطط إستراتيجية وقصيرة المدى تشمل خطة إعلامية تكشف هذه الاعتداءات وتسلط الضوء عليها، لإعطائها الاهتمام وتوعية المواطنين بها.

وعلى المستوى السياسي والفصائلي أول الضروريات توحيد الصف الوطني وتضافر الجهود حتى لا يشتت الاقتتال والخلاف الداخلي الطاقات وأنظار العالم والداخل عن الأخطار الحقيقية.

وبطبيعة الحال اعتداءات الاحتلال هي عامل وحدة للفلسطينيين ولا اعتقد أن هناك من يختلف مثلا على انه لا يجب حماية البيئة.

 

كما انه يجب عدم الانجرار خلف المربعات التي يرسمها الاحتلال ويلهي من خلالها الفلسطينيين عن قضايا مهمة.

ولعل آخر خبر سمعناه تحذير الهيئة الوطنية للتخفيف من أخطار الكوارث من مخاطر التلوث البيئي الذي يتعرض له البحر الميت، يجد آذانا صاغية واهتماما على كافة المستويات




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home